بوابة الجزائر الإخبارية: أكثر من 50% من الإنتاج الأولي للمحروقات تستهدف الجزائر تحويله وتثمينه صناعياً بحلول 2030، مقابل نحو 30% حالياً، مدعومة باستثمارات تناهز 13 مليار دولار في التكرير والبتروكيماويات. ويضع هذا الهدف قطاع النفط والغاز أمام تحول في تركيبته الإنتاجية، يقوم على زيادة تصنيع الموارد داخل البلاد وتوسيع إنتاج الوقود والمواد الكيميائية والبلاستيكية، بما يعزز القيمة المضافة الوطنية ويتيح فرصاً جديدة لإحلال الواردات وتنويع المنتجات الموجهة للأسواق الخارجية.
وحظي البرنامج باهتمام منصة Africa Business Insight، التي نشرت الاثنين 19 أكتوبر 2026 تقريراً تناولت فيه الاستثمارات الجزائرية في المحروقات حتى نهاية العقد، مركزة على توسيع قدرات الإنتاج والتحويل ومواكبة ارتفاع الطلب الداخلي على الطاقة. وبحسب ما رصدته تادامسا نيوز، أبرزت المنصة أن الجزائر خصصت 71.6 مليار دولار لتطوير القطاع، منها 52 مليار دولار للاستكشاف والإنتاج ونحو 13 مليار دولار لمشاريع التكرير والصناعات البتروكيماوية.
وتستند هذه المعطيات إلى العرض الذي قدمه وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب، السبت 17 أكتوبر، أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027. وحدد الوزير هدف رفع الإنتاج الأولي إلى 201 مليون طن مكافئ نفط في 2030، مقابل 193 مليون طن متوقعة خلال 2026، بالتوازي مع زيادة حصة الموارد الموجهة إلى التحويل والتثمين الصناعي.
ويكشف الجمع بين الهدفين عن طبيعة البرنامج الاقتصادي، الذي لا يعتمد على زيادة استخراج النفط والغاز وحدها، بل على توسيع الأنشطة الصناعية التي تستخدم هذه الموارد لإنتاج سلع أكثر تنوعاً. فبينما يبقى تطوير الحقول ضرورياً لتوفير الإمدادات، تتيح المصافي والمجمعات البتروكيماوية إضافة مراحل إنتاج جديدة داخل الاقتصاد الجزائري، تشمل المعالجة الكيميائية والتصنيع والتخزين والخدمات الصناعية والتسويق.
وبلغة الاستثمار، تستحوذ أنشطة المنبع على نحو 72.6% من الغلاف المالي الإجمالي، مقابل 18.2% للتكرير والبتروكيماويات. ويبرز هذا التوزيع الترابط بين تأمين الموارد الأولية وتطوير قدرات تحويلها، خصوصاً أن المنشآت الصناعية الجديدة تحتاج إلى إمدادات مستقرة من النفط والغاز ومشتقاتهما لتشغيل خطوط الإنتاج وفق طاقاتها التصميمية.
وتظهر أولى ملامح هذا التحول في مصفاة حاسي مسعود الجديدة، التي تستهدف معالجة خمسة ملايين طن من النفط الخام سنوياً، مع برمجة بدء إنتاج المازوت في أكتوبر 2027 وفق الرزنامة التي نشرتها سوناطراك. ومن المنتظر أن يصل إنتاجها تدريجياً إلى 2.8 مليون طن من المازوت و1.31 مليون طن من البنزين سنوياً، إلى جانب مشتقات نفطية أخرى، بما يعزز قدرات تغطية الطلب الوطني على الوقود.
ويحمل المشروع بعداً اقتصادياً يتجاوز زيادة إنتاج المشتقات، إذ يسمح بتعزيز النشاط الصناعي في منطقة رئيسية لإنتاج النفط، وتوفير قدرات جديدة لمعالجة الخام بالقرب من مصادره، مع تحسين توزيع الوقود بين مناطق الجنوب والشمال. كما يدعم هدف الاستغناء عن استيراد المازوت الذي أعلنه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بمناسبة لقائه مع المتعاملين الاقتصاديين يوم 14 أكتوبر.
وفي المنطقة الصناعية لأرزيو، يأخذ التحول الصناعي مساراً أكثر تخصصاً من خلال مشروع إنتاج مادة ميثيل ثالثي بوتيل الإيثر، المعروفة اختصاراً بـMTBE، بطاقة تبلغ 200 ألف طن سنوياً. وتستخدم هذه المادة في تحسين خصائص البنزين الخالي من الرصاص، بما يجعل تصنيعها محلياً جزءاً من تطوير سلسلة إنتاج الوقود، وليس مجرد إضافة منتج تجاري جديد.
وكانت سوناطراك قد أعلنت في 7 أكتوبر 2025 بلوغ نسبة إنجاز المشروع 74% بنهاية سبتمبر من السنة نفسها، مؤكدة أن تشغيله سيسمح بتغطية الاحتياجات الوطنية من هذه المادة والتوقف عن استيرادها، مع إمكانية تصدير الفائض. كما كشفت عن مشروع لإصلاح النافتا بمصفاة أرزيو، يستهدف رفع إنتاج البنزين من 450 ألف طن إلى 1.2 مليون طن سنوياً.
وتوضح هذه المشاريع أن تعميق التصنيع المحلي يشمل المواد التي تدخل في إنتاج الوقود نفسه، وليس المنتجات النهائية فقط. فكل مادة وسيطة يمكن إنتاجها داخل الجزائر تخفف الحاجة إلى اقتنائها من الخارج، وتتيح توسيع النشاط الصناعي والخدمات التقنية المرتبطة بها.
وفي سكيكدة، يتجه الاستثمار إلى حلقة أخرى من سلاسل القيمة البتروكيماوية، عبر مشروع إنتاج الألكيل بنزين الخطي «LAB»، بطاقة مستهدفة تبلغ 100 ألف طن سنوياً. وتستخدم هذه المادة أساساً في صناعة المنظفات، ما يمنح المشروع ارتباطاً مباشراً بالصناعات الكيميائية والمنتجات الاستهلاكية، ويفتح مجالاً أمام المؤسسات الوطنية للاستفادة من مدخلات إنتاج محلية بدلاً من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
أما مشروع البولي بروبيلين بأرزيو، فيستهدف إنتاج 500 ألف طن سنوياً من البوليمرات عبر تحويل البروبان إلى بروبيلين ثم إلى مادة بلاستيكية تستخدم في صناعات التغليف والتعبئة والأنابيب والمكونات الصناعية. وبفضل هذه الاستخدامات المتعددة، يمكن للمشروع أن يدعم أنشطة تحويلية أخرى خارج المنشآت البترولية نفسها، خصوصاً الصناعات البلاستيكية التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة من المواد الأولية.
وتبرز هنا القيمة الاقتصادية الأوسع للبتروكيماويات، إذ يمكن للموارد النفطية والغازية أن تدخل في إنتاج سلع صناعية متعددة قبل وصولها إلى المستهلك النهائي. كما يسمح توفير المواد الأساسية محلياً للمؤسسات الصناعية بتحسين انتظام التموين ودراسة توسيع استثماراتها في المنتجات النهائية.
وفي الخارج، تشمل الاستثمارات مشروعاً لإنتاج البولي بروبيلين في تركيا، ضمن الشراكة مع مجموعة رونيسانس التركية. ويختلف هذا المشروع عن المنشآت المقامة في الجزائر من حيث موقع الإنتاج وأثره المباشر على الإدماج الصناعي المحلي، لكنه يندرج ضمن توسيع النشاط الاستثماري لسوناطراك في الأسواق الدولية. وكانت الشركة قد أشارت في تقريرها السنوي لعام 2022 إلى استهداف طاقة إنتاجية تبلغ 450 ألف طن سنوياً للمشروع التركي.
وتعكس هذه الاستثمارات اتساع محفظة المشاريع من تكرير النفط إلى تصنيع المواد الكيميائية والبوليمرات، مع اختلاف استخداماتها النهائية وأسواقها. كما تبين أن رفع نسبة تحويل المحروقات يتطلب تطوير قدرات إنتاجية متكاملة، من توفير المادة الأولية إلى صناعة المنتجات الوسيطة، ثم ربطها بالمؤسسات التي تتولى تحويلها إلى سلع نهائية.
وتأتي هذه المشاريع ضمن سياق إفريقي يشهد اهتماماً متزايداً بزيادة قدرات التكرير. فقد نقلت منصة Africa Business Insight يوم 16 أكتوبر عن منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» تقديرها حاجة إفريقيا إلى استثمارات لا تقل عن 125 مليار دولار في قطاع التكرير حتى 2050، في ظل استمرار محدودية قدرات المعالجة مقارنة بحجم الطلب على المنتجات النفطية.
وتوضح هذه المقارنة أن الاستثمار الجزائري في التكرير والبتروكيماويات يأتي ضمن تحول أوسع في القارة نحو تطوير الصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية، مع امتلاك الجزائر قاعدة إنتاج ومصافٍ قائمة ومشاريع جديدة تستهدف زيادة قدراتها الصناعية خلال السنوات المقبلة.
وتتعزز هذه الديناميكية ببرنامج استكشاف وإنتاج خصصت له الجزائر 52 مليار دولار، إلى جانب تسجيل 17 اكتشافاً جديداً للمحروقات خلال 2026، وفق المعطيات التي قدمها محمد عرقاب. ويساهم تطوير الموارد الجديدة في توفير قاعدة الإمدادات اللازمة للمصافي والمجمعات البتروكيماوية، مع مراعاة أن الاكتشافات تتطلب مراحل تقييم وتطوير قبل دخولها الإنتاج التجاري.
وعليه، فإن برنامج 13 مليار دولار المخصص للتكرير والبتروكيماويات يمثل جانباً من سياسة صناعية أوسع تستهدف زيادة العائد الاقتصادي للموارد النفطية والغازية، وتطوير منتجات تستجيب لاحتياجات المؤسسات والأسواق. وسيكون رفع نسبة تحويل المحروقات إلى أكثر من 50% في أفق 2030 مرتبطاً بدخول المنشآت الجديدة مرحلة الاستغلال وبلوغها معدلات إنتاج منتظمة، ومدى توسع الصناعات الوطنية المستفيدة من مخرجاتها.















