بوابة الجزائر الإخبارية: تتوزع الشراكة الاقتصادية الجزائرية–النيجرية على ثلاثة مسارات متوازية: تسويق النفط الخام النيجري عبر سوناطراك، وتطوير التعاون في الاستكشاف والحفر والخدمات البترولية، ودفع مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يستهدف نقل الغاز النيجيري إلى الجزائر عبر النيجر. وتؤكد العمليات التجارية المعلنة منذ أوت، إلى جانب الاتفاقات الفنية الموقعة بين شركات البلدين، انتقال التعاون في المحروقات إلى مرحلة التنفيذ، فيما يظل توسيع الاستثمارات واستكمال البنية التحتية رهينًا بتقدم المشروعات والعقود المرتبطة بها.
وتعود إحدى أبرز محطات هذا المسار إلى 14 أوت 2026، عندما حُمّلت أول شحنة من النفط الخام النيجري «ميليك» من المحطة النفطية في سيمي ببنين، ضمن عملية تسويق مشتركة بين مجمع سوناطراك والشركة النيجرية للنفط «سونيديب»، وفق بيان سوناطراك الصادر في 16 أوت. وتمثل العملية خطوة عملية في التعاون التجاري بين الطرفين، إذ تتيح لسونيديب الاستفادة من خبرة سوناطراك في تسويق المحروقات، وتفتح أمام التعاون الثنائي مجالًا لتطوير عمليات تجارية أخرى مرتبطة بالنفط الخام والمنتجات البترولية.
وفي السياق نفسه، امتد التعاون إلى المنتجات المكررة، مع تنفيذ سوناطراك أولى عمليات تسليم وقود الطائرات «Jet A1» إلى السوق النيجرية انطلاقًا من مصفاة أدرار، بموجب عقد بيع وشراء مع سونيديب. وبذلك، يشمل التعاون المعلن مسارين تجاريين مختلفين: تسويق الخام النيجري من جهة، وتوريد منتج مكرر جزائري من جهة أخرى. غير أن تحديد الحجم المالي الإجمالي لهذه العمليات أو أثرها في الميزان التجاري بين البلدين يتطلب بيانات إضافية عن الكميات والأسعار وقيمة العقود.
أما على مستوى تطوير الإنتاج، فقد بحث وزير الدولة وزير المحروقات، محمد عرقاب، مع المدير العام لسونيديب، علي سيبو حسّان، في 29 أوت، آفاق الاستثمار والتعاون، مع التركيز على الرقعة النفطية «بلما». وجاءت هذه المباحثات امتدادًا لثلاث مذكرات تفاهم وُقعت في 2 جوان بين شركات تابعة لسوناطراك وسونيديب، وتناولت المعطيات الزلزالية ومعالجتها، وإنشاء مشروع مشترك لأعمال الحفر النفطي والغازي، والتعاون في توزيع المنتجات البترولية وإنجاز مراكز تعبئة الغاز وتطوير تخزين البيتومين وتصنيعه وتوزيعه.
وتعكس هذه الاتفاقات اتساع نطاق التعاون من التسويق إلى الخدمات التقنية ومراحل تطوير الحقول النفطية. ومع ذلك، فإن مذكرات التفاهم لا تعادل استثمارات منفذة؛ إذ يتوقف تقييم مردودها على العقود التنفيذية، والتمويل، وبرامج العمل، والنتائج الفعلية للاستكشاف والتطوير.
الخبرة الجزائرية في مواجهة حادث نفطي بالنيجر
وفي تطور مرتبط بالتعاون الفني، أوفدت الجزائر بعثة تضم خبراء من وزارة المحروقات وسلطة ضبط المحروقات ومجمع سوناطراك إلى النيجر خلال الفترة من 12 إلى 19 أكتوبر، للمساهمة في التعامل مع الحادث المسجل في البئر النفطي «غوميري W-8» بمنطقة أغاديم شمال شرقي البلاد. وأفادت وزارة المحروقات الجزائرية، في بيان نشرته يوم 20 أكتوبر، بأن البعثة أجرت مباحثات مع الوزيرين النيجريين المكلفين بالبترول والبيئة بشأن وضعية البئر والتدابير الاستعجالية اللازمة لاحتواء الحادث والحد من آثاره البيئية.
وتبرز أهمية هذه المهمة في ارتباطها المباشر بسلامة العمليات النفطية واستمرارية الإنتاج. ووفق بيان لوزارة النفط النيجرية بتاريخ 12 أكتوبر، وقع الحادث في 25 سبتمبر، وكانت الوضعية حتى ذلك التاريخ لا تزال تحت السيطرة الجزئية، مع استمرار العمل على احتواء التدفق وتأمين الآبار المجاورة. كما أشار بيان لاحق لوزارة البيئة النيجرية إلى التحضير لحفر بئر إنقاذ اتجاهية، مع برمجة أولية للأشغال بين 24 أكتوبر و26 ديسمبر 2026، وهي آجال متوقعة لا تمثل ضمانًا للسيطرة النهائية على الحادث ضمن تلك الفترة.
وبالتالي، فإن التعاون الفني الجزائري في هذا الملف يتصل بتحديات تشغيلية وبيئية ذات أثر محتمل في نشاط الحقول النفطية، بينما يبقى تقدير الخسائر الاقتصادية أو حجم الأضرار النهائية متوقفًا على نتائج التحقيقات والتقييمات الفنية الرسمية.
أنبوب الغاز العابر للصحراء.. المشروع الأكبر بين الدول الثلاث
بالتوازي مع التعاون النفطي، يمثل أنبوب الغاز العابر للصحراء أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا. ففي 3 جوان 2026، اعتمد الاجتماع الوزاري الخامس للجنة توجيه المشروع التقرير النهائي المحدّث لدراسة الجدوى التي أعدتها شركة «Penspen»، بوصفه مرجعًا تقنيًا واقتصاديًا للمراحل المقبلة. وفي اليوم التالي، أُعلن عن الإطلاق الرسمي لأشغال المقطع الجزائري بمنطقة أولف في ولاية أدرار.
ويمتد المشروع، وفق وزارة المحروقات الجزائرية، على نحو 4,200 كيلومتر، بقطر يبلغ 48 بوصة، وقدرة تصديرية مستهدفة تبلغ 20 مليار متر مكعب سنويًا، مع إمكان رفعها إلى نحو 30 مليار متر مكعب تبعًا لتطور المشروع واحتياجات الأسواق. وتستند الجدوى المحتملة إلى نقل الغاز من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، مع إمكان الاستفادة من شبكات النقل ومنشآت المعالجة والتصدير الجزائرية القائمة.
اقتصاديًا، يتيح المشروع لنيجيريا مسارًا إضافيًا لتسويق الغاز، ويمنح النيجر موقعًا محوريًا في ممر طاقوي إقليمي، فيما يعزز إمكانات الجزائر في نقل الغاز ومعالجته وتوجيهه إلى الأسواق الخارجية. لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة باستكمال المقاطع المطلوبة، وتوفير التمويل، وتنسيق التنفيذ بين الدول الثلاث، وضمان توافر الغاز والطلب التجاري عند التشغيل. لذلك، فإن بدء الأشغال في المقطع الجزائري يمثل تقدمًا تنفيذيًا، لا إعلانًا عن اكتمال المشروع أو بدء تدفق الغاز عبر كامل مساره.
التنسيق السياسي والأمني في خلفية المصالح الاقتصادية
تزامن هذا التوسع في التعاون الطاقوي مع تكثيف الاتصالات الرسمية بين الجزائر ونيامي. ففي 21 أكتوبر، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون وزير الدولة وزير الدفاع الوطني النيجري، الفريق أول ساليفو مودي، فيما وقّع الأخير مع الفريق أول السعيد شنقريحة بروتوكول اتفاق في مجال التعاون العسكري. وجاءت الزيارة بعد تحركات سابقة خلال الشهر نفسه، في سياق علاقات ثنائية تشمل الأمن والطاقة والتعاون المؤسسي.
وكانت الجزائر قد أعلنت في أوت تقديم أربع مروحيات عسكرية للنيجر، كما أعلنت وزارة الدفاع الوطني في 30 أوت إرسال أربع مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30» في مهمة دعم استجابة لطلب السلطات النيجرية. وتندرج هذه الخطوات ضمن التعاون الأمني بين البلدين، في وقت تكتسب فيه حماية المنشآت ومسارات النقل أهمية بالنسبة إلى المشروعات العابرة للحدود.
أما الجلستان الاستثنائيتان المقررتان لغرفتي البرلمان يوم 25 أكتوبر، فقد ربطت تقارير إعلامية بينهما وبين احتمال بحث ترتيبات تتعلق بإرسال وحدات من الجيش إلى الخارج وفق المادة 91 من الدستور. غير أن هذا الربط لا ينبغي تقديمه بوصفه قرارًا محسومًا من دون إعلان رسمي يحدد جدول الأعمال ونتائج المداولات.
وتكشف المعطيات الاقتصادية المعلنة عن شراكة تتقدم عبر عمليات تسويق نفطي، وتوريد منتجات مكررة، واتفاقات للتعاون الفني، ومشروع بنية تحتية غازية عابر لثلاث دول. وستتحدد نتائجها خلال المرحلة المقبلة بمدى انتظام التجارة النفطية، وتحول مذكرات التفاهم إلى استثمارات وعقود منفذة، والتقدم الفعلي في أنبوب الغاز العابر للصحراء. وتلك هي المؤشرات الأكثر دقة لقياس ما إذا كان التقارب بين الجزائر والنيجر سيتحول إلى تكامل طاقوي طويل الأجل، بعائد اقتصادي واضح للطرفين.














