بوابة الجزائر الإخبارية: تتجه الجزائر إلى إدماج التكيف مع التغيرات المناخية ضمن صلب السياسات العمومية والخيارات الاستثمارية في أفق 2035، في مسار يتجاوز المقاربة البيئية التقليدية نحو إعادة توجيه التخطيط الاقتصادي والتمويل العمومي على أساس المخاطر المرتبطة بالإجهاد المائي والجفاف والتصحر وحرائق الغابات والضغط المتزايد على المناطق الساحلية.
ويبرز المخطط الوطني للتكيف مع التغيرات المناخية كأحد أهم الأطر المنتظر أن توجه السياسة المناخية للبلاد خلال السنوات المقبلة، من خلال تحديد مصادر الهشاشة وترتيب الأولويات القطاعية والمجالية، وربط المشاريع العمومية بدرجة تعرضها للمخاطر المناخية وقدرتها على تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني.
ويرى البروفيسور بريش عبد القادر، الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني السابق والمهتم بتقييم السياسات العمومية، أن قيمة المخطط لا تقاس فقط بحجمه البيئي، بل بقدرته على تحويل البيانات المناخية إلى محددات فعلية في قرارات الاستثمار وتخصيص الموارد وبرمجة المشاريع الكبرى.
وتستند الجزائر في هذا المسار إلى قاعدة دستورية وتشريعية تشمل دستور 2020، الذي كرس حماية البيئة والاستعمال العقلاني للموارد الطبيعية وحق المواطن في بيئة سليمة، إلى جانب جملة من القوانين المنظمة لحماية البيئة والمياه والساحل والمجالات المحمية وتهيئة الإقليم والطاقات المتجددة والتحكم في الطاقة.
ومن بين أهم النصوص التي تشكل الإطار القانوني للعمل المناخي، القانون رقم 03-10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة، والقانون رقم 24-04 المؤرخ في 26 فبراير 2024 المتعلق بالوقاية والتدخل والحد من أخطار الكوارث، فضلًا عن قانون المياه رقم 05-12 وقانون حماية الساحل رقم 02-02 وقانون المجالات المحمية رقم 11-02.
ويكتسب هذا الإطار القانوني أهمية متزايدة مع انتقال الجزائر إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالتزاماتها الدولية، خصوصًا بعد إيداع مساهمتها المحددة وطنيًا الثالثة NDC 3.0 لدى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في 24 يونيو 2026.
وتحدد المساهمة الجزائرية هدفًا غير مشروط لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 14 بالمائة بحلول 2035 مقارنة بسيناريو خط الأساس، مع إمكانية رفع نسبة الخفض إلى 31 بالمائة في حال توفر التمويل الدولي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.
ويضع هذا الهدف الجزائر أمام تحدي الانتقال من الالتزامات المناخية العامة إلى خطط تنفيذية قطاعية تتضمن أهدافًا كمية ومؤشرات أداء واضحة، مع توزيع المسؤوليات بين مختلف الهيئات والقطاعات وتطوير أنظمة قياس الانبعاثات والإبلاغ والتحقق.
وفي هذا السياق، دعمت الجزائر منظومة الشفافية المناخية بإعداد التقرير الوطني الثالث حول التغيرات المناخية في ديسمبر 2023، ثم تقديم تقرير الشفافية الأول كل سنتين في 30 ديسمبر 2024، بما يسمح بمتابعة مستوى التقدم المحرز وتحديد فجوات التنفيذ والاحتياجات التقنية والمالية.
ويبرز التمويل المناخي كأحد أكثر الملفات حساسية في تنفيذ المخطط الوطني للتكيف، إذ لا يمكن تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة دون وجود مشاريع محددة قابلة للتمويل، وتقديرات واضحة للتكاليف، وآليات دقيقة لتتبع الإنفاق وقياس الأثر الاقتصادي والبيئي والاجتماعي.
وشكلت الندوة الوطنية حول التمويل المناخي، المنعقدة يومي 3 و4 نوفمبر 2026، محطة لبحث تطوير حوكمة التمويل المناخي وتعزيز التنسيق المؤسساتي وبناء محفظة وطنية من المشاريع القابلة للتمويل، إلى جانب بحث آليات تعبئة الموارد الدولية والربط بين التخطيط المناخي والسياسة المالية.
وتتجه المقاربة الجديدة إلى إدماج المخاطر المناخية في برمجة الاستثمار العمومي، بما يعني أن تقييم المشاريع لن يرتبط فقط بعوائدها الاقتصادية المباشرة، بل كذلك بقدرتها على مواجهة مخاطر الجفاف ونقص المياه وارتفاع درجات الحرارة والتصحر والفيضانات والتغيرات التي قد تؤثر في البنية التحتية والإنتاج الزراعي والمناطق الساحلية.
كما يرتبط نجاح المخطط الوطني للتكيف بقدرته على تحقيق التكامل بين السياسات البيئية والطاقوية والفلاحية والمائية وسياسات تهيئة الإقليم، في ظل اختلاف مستويات الهشاشة بين مناطق الشمال والهضاب العليا والجنوب والمناطق الساحلية.
ويشمل هذا التوجه أيضًا أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، خصوصًا ما يتعلق بالمياه والأمن الغذائي والطاقة والمدن المستدامة والعمل المناخي وحماية النظم البيئية، بما يجعل التكيف المناخي جزءًا من السياسة التنموية الشاملة وليس ملفًا قطاعيًا منفصلًا.
ومن منظور تقييم السياسات العمومية، يظل التحدي الرئيسي أمام الجزائر في الانتقال من تعدد البرامج والمبادرات إلى منظومة وطنية موحدة للمتابعة والتقييم، تعتمد مؤشرات كمية تسمح بقياس أثر الإنفاق المناخي وقدرة المشاريع على تقليص الهشاشة وتحسين كفاءة استخدام الموارد ورفع القدرة على الصمود أمام الصدمات.
ويخلص البروفيسور بريش عبد القادر إلى أن نجاح المخطط الوطني للتكيف مع التغيرات المناخية في أفق 2035 سيقاس بقدرته على إحداث تحول حقيقي في طريقة إعداد السياسات العمومية وتوجيه الاستثمار وتخصيص التمويل، باعتبار أن التكيف المناخي لم يعد تكلفة إضافية، بل أصبح استثمارًا في حماية رأس المال الطبيعي وتقليص الخسائر المستقبلية وتعزيز الأمن الاقتصادي والمائي والغذائي للبلاد.







