بقلم: الدبلوماسي صبري بوقادوم سفير الجزائر لدى واشنطن ، ووزير خارجية وسفير سابق للجزائر في عدة عواصم و مندوبها لدى هيئات دولية
بوابة الجزائر الإخبارية : في الفاتح من نوفمبر عام 1954، اندلعت الثورة الجزائرية التي أصبحت أيقونة حركات التحرر ولحظة فارقة في الكفاح العالمي ضد الاستعمار

لم تكن الثورة الجزائرية ، التي قادتها سياسيا جبهة التحرير الوطني، مجرد نضال من أجل الانعتاق والحرية والاستقلال عن الحكم الاستعماري الاستيطاني الفرنسي، بل كانت رمزًا للتحدي و حاملة لواء تقرير المصير للأمم المضطهدة في جميع أنحاء العالم.
على مدار سبع سنوات ونصف ألهمت الثورة الحركات الثورية التحررية في مختلف قارات العالم وبالأخص في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ، ولا تزال هذه الروح الثورية تشكل في الجزائر روح حاضر ومستقبل البلد

جاءت الثورة الجزائرية كنتيجة حتمية ل 132 سنة من القمع والتنكيل والإبادة وسياسة الأرض المحروقة ونهب الثروات تحت نير الحكم الاستعماري الفرنسي
خلال الفترة الممتدة من عام 1830 وصولا إلى 1962،
هجرت ملايين الجزائريين قسراً، وصادرت فرنسا الاستعمارية أراضينا واستولت على ممتلكاتتا ، وحاول الاحتلال طمس و محو ثقافتنا وهويتنا ،و أبيدت قرى بأكملها وفرضت الإدارة الاستعمارية نظاما اقتصاديا تفاضليا لصالح المستوطنين الأوروبيين على حساب الجزائريين

لم تكن الثورة الجزائرية شأنا جزائريا خالصا فحسب، بل كانت بمثابة منارة وشعاع للحركات الثورية المناهضة للاستعمار في جميع أنحاء العالم.
كان صدى ثورة الجزائر بمثابة نقطة تحول في تاريخها ومحطة مرجعية أشعلت فتيل حركات التحرر

واجهت الجزائر المستقلة إرثا استعماريا كارثيا على جميع الأصعدة
اقتصاد مدمر ، ووضع اجتماعي مزري ، محدودية البنى التحتية وعليه منحت الدولة الجزائرية التي خرجت من حرب ضروس الأولية بعد الاستقلال إلى ملف إعادة الإعمار.
وعملت الدولة الجزائرية غداة استعادة سيادتها على معادلة تحقيق التوازن بين قيمها الثورية والوطنية والحاجة الملحة إلى تحديث اقتصادها ووضع ميكانيزمات تتماشى ووضع البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا

بفضل احتياطياتها المؤكدة من الغاز ( المرتبة 11 عالميا ) كان قطاع الطاقة العمود الفقري للاقتصاد الجزائري .
عقب انضمام الجزائر إلى منظمة أوبك عام 1969 بدأت ملامح التعافي الاقتصادي تظهر وفق مؤشرات عديدة وأخذ انتاجها من النفط والغاز يتصاعد وأصبحت مصدرا موثوقا في سوق الطاقة العالمي خاصة كممون رئيسي لدول الاتحاد الأوروبي
وتلعب الجزائر اليوم دورا فاعلا ورئيسيا في ضمان استقرار السوق الطاقوية باحتياطات مؤكدة
تاريخيا ، فالجزائر كانت أول دولة تُصدّر الغاز المسال عالميًا عام 1964 وحاليًا ضمن أكبر المصدرين حول العالم وفي الترتيب الأول أفريقيًا، كما أنها ضمن كبار العالم في إنتاج الغاز الطبيعي، وتمتلك الجزائر احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تبلغ 4.5 تريليون متر مكعب

في عام 2023، حققت الجزائر سلسلة اكتشافات غير مسبوقة في قطاع الطاقة بلغ عددها ثمانية وهو ما سيرفع مما إنتاجها من الغاز الطبيعي من 137 إلى 200 مليار متر مكعب
وباعتبارها أحد موردي الغاز الأساسيين في أوروبا، فإن الجزائر تضخ استثمارات كبيرة و “نوعية ” في البنية التحتية لقطاع الطاقة لتعزيز مكانتها في سياق التحولات الراهنة كشريك آمن وموثوق في أسواق الطاقة العالمية.

الموارد الطبيعية التي تزخر بها الجزائر فضلاً عن موثوقيتها كشريك آمن ومستقر تشكل عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الطاقوي في أوروبا .
يشكل خطا أنابيب ميدغاز وترانسميد، اللذان يربطان الجزائر مباشرة بإسبانيا وإيطاليا، جزءًا حيويًا من شريان الطاقة في أوروبا وتساهم البنية التحتية للطاقة في الجزائر في توفير احتياجات أوروبا من الغاز

وبلغة الأرقام شهدت صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي المسال نموا بنسبة 26.1 في المائة خلال آخر سنة ومن شأن مشاريع استراتيجية كبرى على غرار خط أنابيب الغاز العابر الصحراء الكبرى (نيجيريا،النيجر ،الجزائر) أن يشكل أحد روافد الأمان الطاقوي من خلال ربط مباشر لاحتياطيات الغاز الطبيعي في أفريقيا بالأسواق الأوروبية، مما يوفر إمكانات كبيرة للمستقبل على جميع الاصعدة
لا تعتمد الجزائر في اقتصادها على الموارد الطاقوية فقط كمحرك لعجلتها التنموية ، ففي إطار التزامها القوي بمعايير التنمية المستدامة ، وضعت الجزائر خطة للاستثمار في الطاقات المتجددة من خلال رؤية استشرافية طموحة (التحول الطاقوي 2030 وتهدف الخطة إلى توليد 27% من احتياجات الجزائر من الكهرباء من مصادر متجددة
كما تتبنى الجزائر نهجاً متعدد الجوانب لتنويع اقتصادها ومداخيلها بما يتجاوز اعتمادها التقليدي على النفط والغاز. ويشمل هذا التوجه حوافز استراتيجية لجذب الاستثمار الأجنبي والخاص إلى جانب إعادة هيكلة الاقتصاد من خلال إصلاحات جوهرية للقضاء على السلوكيات البيروقراطية من خلال إنشاء آليات تشجع على ولوج المستثمرين للسوق الجزائرية ” الشباك الموحد “.
وفي ظرف قياسي أصبحت الجزائر مركزاً مالياً وصناعياً رئيسياً وفق بيانات وأرقام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمات والهيئات المالية العالمية
اقتصاد الجزائر يعرف تحولات غير مسبوقة إذ حققت نسبة نمو اقتصادي تقدر ب 4.1% في عام 2023.

وعادت الجزائر بقوة إلى عمقها الأفريقي وتلعب دورا محوريا ورئيسيا اقليميا وألقت بثقلها الدبلوماسي في منطقة الساحل والصحراء وتتبنى من خلال مرافعاتها من أجل تعزيز السلام لغة الحوار وتنأى بالنفس عن سياسة الدفاع عن المصالح الذاتية الضيقة،بل تعزز الجنوح للحلول السياسية للأزمات عربيا وافريقيا

. وباعتبارها عضوًا فاعلا و رئيسيًا في الاتحاد الأفريقي وحركة عدم الانحياز، تظل الجزائر مدافعة قوية عن سيادة الدول رافضة التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية
التزام الجزائر بالقيم المشتركة في علاقاتها الخارجية له جذور تاريخية.

فالجزائر والولايات المتحدة تربطهما علاقات دبلوماسية تعود إلى معاهدة الصداقة والسلام التي تم توقيعها في الخامس من سبتمبر/أيلول 1795، عندما كانت الجزائر من بين أولى الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، كان الاحترام المتبادل والالتزام بالسلام ركيزة العلاقات بين بلدينا لأكثر من قرنين من الزمان.

إن من شواهد الصداقة الجزائرية الأميركية برمزيّتها التاريخية هو مدينة القادر في ولاية آيوا، والتي سُميت على اسم الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الذي قاوم الاستعمار الفرنسي. وقد اشتهر الأمير عبد القادر بمواقفه الإنسانية حيث انتصر لآلاف المسيحيين المضطهدين ، بما في ذلك الدبلوماسيين الأميركيين، أثناء الصراع الدموي في دمشق عام 1860، وهو العمل الذي أكسبه إعجاب وتقدير من لدن الرئيس أبراهام لينكولن.

لقد اشتركت الجزائر والولايات المتحدة في كثير من المواقف في الدفاع عن قيم مثل الحرية والعدالة والاستقلال. لقد ترك دعم السيناتور جون ف. كينيدي الثابت لاستقلال الجزائر في عام 1957 إرثًا دائمًا بين الجزائريين، الذين يتذكرون بإسهاب مواقفه الموثقة في الدفاع عن الجزائر
واليوم، تتبوأ الجزائر مقعدها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في خضم تصاعد مأساوي لمنحى الصراع في الشرق الأوسط وبالأخص في فلسطين المحتلة ، يظل تركيز الدبلوماسية الجزائرية منصبا على الدفاع عن القضية الفلسطينية والتمسك بقيم العدالة والالتزام بميثاق الأمم المتحدة.
وهذه هي القيم التي تستطيع الجزائر والولايات المتحدة الاستمرار في الدفاع عنها معا.

كانت الجزائر ولازلت مثالاً يحتذى به إن قصة الجزائر هي صمود ومقاومة و نهضة
ولا تزال الروح الثورية التي كانت وقود نيل الاستقلال صمام أمان وبوصلة الجزائر في تعزيز قدرات اقتصادها ببراغماتية وتوسيع نفوذها دون التخلي عن مبدأ الدفاع عن القضايا العادلة في جميع أنحاء العالم.












