ما لم يُروَ…؟
بقلم :أحمد حفصي إعلامي جزائري
في قراءة متأنية لمسارات ومآلات السياسة الخارجية الجزائرية يبرز تحول نوعي يتجاوز مفهوم الخطاب التقليدي عن الثبات المبدئي “ما لم يُروَ “بما يكفي هو قدرة الجزائر اليوم في عهد الرئيس تبون على إدارة شبكة علاقات متعددة المحاور دون السقوط في الاستقطاب، وعلى تحويل الجوار الساخن من مصدر توتر محتمل إلى فضاء شراكة ، والأهم أي أوراق وظفها صانع القرار الجزائري لفرض منطق الندية في تعاملها مع القوى الكبرى على حد سواء.

مادفعني للكتابة اليوم بشكل تحليلي هو منعطف تاريخي رسمه تصريح غير مسبوق لكبير مستشاري ترامب وأحد صقور الإدارة الأميركية أعاد في جوهره صياغة المفاهيم .

للأسف التصريح الذي عرض على شاشة “قناة الكيدورسي” برمزيتها العدائية تجاه الجزائر مرّ مرور الكرام على جهابذة التحليل السياسي لدى معارضة أرصفة الخيانة وأدعياء البطولة في مخابر محور الشر وكالعادة عولج بسطحية من قبل الإعلام الجزائري والعربي ..!
هذه المرحلة التي تعيشها الجزائر اليوم تجسد بكل تفاصيلها المعلنة وغير المعلنة عقيدة الاستقلالية الاستراتيجية في أدق تجلياتها التي كانت محور ووقود حملة تبون الانتخابية عام 2019
في التفاصيل ، الحوار مع واشنطن دون التخلي عن موسكو، والشراكة مع أوروبا دون التبعية، وإعادة بناء الثقة مع دول الساحل بعد أزمات محدودة والندية في العلاقات تأديب باريس والقطيعة مع المغرب والإمارات كانت علامة فارقة في تقدير الموقف في قصر المرادية من قبل الرئيس تبون .
بولس جسر جزائري للاعتراف الأمريكي بالدور الإقليمي للجزائر كلاعب فاعل
شكلت الزيارات المتكررة لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق أوسطية إلى الجزائر مؤشراً دالاً على إعادة تقييم واشنطن لوزن الجزائر الإقليمي

الزيارات الثلاث (جويلية 2025، جانفي 2026، وسبتمبر 2026) لم تقتصر على البروتوكول و”المجاملات ” أمام عدسات الكاميرات في قصر المرادية وهضبة العناصر
بل إن مسعد بولس ناقش مع كبار المسؤولين الجزائريين ملفات دبلوماسية واقتصادية في مقدمتها ،الشراكة على محور واشنطن والجزائر و الطاقة والأمن الإقليمي وليبيا والساحل والصحراء الغربية ووجد في الجزائر لغة المكاشفة والمصارحة والبراغاماتية مع “مرونة محسوبة ” تتماشى والمتغيرات الاقليمية والدولية
فالمواقف الأمريكية المتتالية اختزلت في عبارة الجزائر «شريك مهم» في تعزيز الأمن الإقليمي وتوسيع الفرص الاقتصادية وهنا الرواية لم ترو بعد لأن ما حققته الجزائر من مكاسب لم تحققه دول خليجية دفعت تريلونات الدولارات لحماية عروشها قبل شعوبها !

والأهم في خرجات مسعد بولس الإعلامية أن مستشار ترامب “المدلل” نفى الرواية التي تصوّر الجزائر دوما عائقاً أمام تسوية ملف الصحراء الغربية
بولس يرى أن الجزائر تلعب دوراً داعماً لمسار التسوية دون الانخراط في التفاصيل اليومية للمفاوضات
هذا الاعتراف الصادر من أعلى مستويات الإدارة الأمريكية، يعكس إدراك واشنطن أن أي تسوية إقليمية مستدامة لا يمكن أن تتجاوز الجزائر ، بل وينسف أسطوانة مغربية مشروخة تردد منذ سنوات في صحافة البلاط وعلى لسان البهلوان ناصر بوريطة أن الجزائر طرف في نزاع تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية
التوازن الدقيق بين موسكو وواشنطن
على محور موسكو وواشنطن ،بالنسبة لصانع القرار الجزائري تظل العلاقة مع روسيا عمقاً استراتيجياً تاريخياً، تجدد بإعلان الشراكة الاستراتيجية عام 2023 ولقاء القمة الذي جمع قيصر الكرملين بالرئيس الجزائري
التعاون الجزائري الروسي متجذر تاريخيا يمتد من الطاقة والمعادن إلى الصناعة والنقل والتكنولوجيا، مع استمرار البعد العسكري التقليدي من خلال صفقات تسلح غير مسبوقة لكن هنا لابد من التوقف عن محطات الصدام غير المباشر بين الحزائر وموسكو وفق معادلة روسيا شريك لكن توجد خطوط حمراء وهنا نتحدث عن رفض جزائري واضح وصريح لتواجد مرتزقة فاغنر الموالين لروسيا في وقت مضى بليبيا ودول الساحل

في الوقت نفسه تتوسع القنوات مع الولايات المتحدة في الطاقة مع تواجد كبرى الشركات الأميركية في الجزائر والتنسيق على أعلى مستوى في ملفات الأمن الإقليمي من خلال التعاون الثنائي أو تحت مظلة الناتو والأفريكوم “دون أن يُفهم ذلك كانحياز
هذا التوازن ليس حياداً سلبياً من وجهة نظري بل إنه إدارة واعية للتنافس الدولي على المنطقة، بحيث تستفيد الجزائر من خبرات الطرفين واستثماراتهما دون أن تُدرج في محور واحد
الدبلوماسية الجزائرية هنا ترفض منطق «إما أو»، وتفضل منطق «وكذلك» على حد تعبير أحد جهابذة الدبلوماسية فمذكرة التفاهم الموقعة مع أفريكوم شهر 2025 أضافت بعداً أمنياً عملياً دون أن تتحول إلى تحالف عسكري شامل.
في الساحل ..الجزائر من إدارة التوتر إلى هندسة الشراكة
شهدت العلاقة مع دول الساحل خاصة مالي والنيجر، مرحلة توتر محدودة أعقبت حادثة الطائرة المسيرة في 2025، ثم انفرجت سريعاً بفضل دبلوماسية هادئة وإرادة مشتركة لطي الصفحة

زيارة الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير 2026، وزيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا في أوت 2026، ثم انعقاد اللجنة المشتركة العليا مع النيجر، كلها خطوات نقلت العلاقة من منطق الأزمة إلى منطق الشراكة لكن التحول الذي له ما بعده هو إرسال الجزائر سرب من المقاتلات الحربية لدعم مؤسسات النيجر بطلب من نيامي وهو بمثابة مراجعة لعقيدة الجيش الجزائري في مسائل الأمن القومي الاستباقي .

لم يعد الخطاب الجزائري محصوراً في البعد الأمني التقليدي بل امتد إلى مشاريع ملموسة ، حفر بئر كفرا النفطي، دعم تسويق النفط النيجري، صيانة مصفاة زندر، تسريع الطريق العابر للصحراء وخط الألياف البصرية وخط الغاز العابر للصحراء ، هذه المقاربة تحول الحدود الجنوبية للجزائر من منطقة هشاشة إلى ممر تكامل اقتصادي وأمني
النتيجة ليست «صفراً مطلقاً للمشاكل» بالمعنى المثالي، بل إدارة ناجحة للتوتر تحول دون تحوله إلى قطيعة، وتعيد الجزائر إلى موقع الشريك الموثوق لا الطرف المتهم ، هذا هو جوهر الدبلوماسية الوقائية التي تمارسها الجزائر منذ عقود، لكنها اكتسبت في هذه المرحلة طابعاً اقتصادياً براغماتيا أكثر وضوحاً وبخصوص مالي فزيارة آسيمي غويتا المرتقبة إلى الجزائر بعد أزمة دبلوماسية عاصفة تشكل محطة فارقة تؤرخ لنجاح جزائري في تصفير المشاكل مع دول الساحل .
أوروبا: شراكة ندية لا علاقة تبعية
أعادت الزيارات الأوروبية المتبادلة رفيعة المستوى رسم معادلة العلاقة مع الضفة الشمالية للمتوسط
زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ثم وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في مارس 2026، وصولاً إلى زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في جويلية 2026، أكدت أن الغاز الجزائري لم يعد مجرد سلعة تصديرية بل أداة شراكة استراتيجية


إسبانيا أصبحت تعتمد على الجزائر كمورد أول في فترات معينة، وتم الاتفاق على زيادة التدفقات عبر ميدغاز، وعلى عقد الاجتماع رفيع المستوى الثامن في أكتوبر
حجم التبادل التجاري مع إسبانيا بلغ 8.5 مليار يورو في 2025 مع تضاعف الصادرات الإسبانية
هذه الديناميكية لا تعكس تبعية أوروبية للجزائر ولا العكس؛ بل علاقة ندية قائمة على المصالح المتبادلة والتنويع.
اليوم الجزائر تتعامل مع أوروبا كشريك اقتصادي وأمني متوسطي، لا كمصدر إملاءات، وهو ما يفسر قدرتها على الحفاظ على استقلالية قرارها حتى في ملفات حساسة.
في المحصلة، تكشف هذه المرحلة أن الدبلوماسية الجزائرية وبمقاربة جديدة لم تعد تكتفي بالدفاع عن الثوابت في المحافل الدولية بل باتت تمارس هندسة علاقات معقدة تجمع بين الاستقلالية والبراغماتية المحسوبة
ما لم يُروَ بما يكفي هو أن هذا الأداء يستند إلى قراءة دقيقة للتحولات الجيوسياسية، وإلى قدرة على تحويل الأزمات المحدودة إلى فرص إعادة تموضع
سواء في حوارها مع الولايات المتحدة ، أو في إعادة بناء جسورها مع الساحل، أو في شراكاتها الأوروبية الندية، أو في توازنها بين موسكو وواشنطن
تبدو الجزائر دولة تدرك وزنها الإقليمي وتتصرف بموجبه، دون ضجيج زائد ودون تنازل عن جوهر عقيدتها ، هذا هو الوجه الأكثر نضجاً لما لم يُروَ عنها.
الكثير منكم يتساؤل الآن ماذا عن إدارة الجزائر للحرب غير المعلنة مع المغرب وفرنسا والإمارات !
في توقيت متزامن نجحت الجزائر في تفكيك ألغام زرعت في جوارها كتكتيك لإنهاكها دبلوماسيا وعسكريا عبر أزمات مفتعلة للتشويش على رؤية الجزائر 2030

ما يحدث اليوم في المغرب كشف بعد نظر الرئيس تبون الذي استبق كل السيناريوهات وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط التي خسرت كل أوراقها في مواجهة غير متكافئة مع الجزائر التي عرفت كيف تحول الاندفاع المغربي والهرولة غير محسوبة العواقب نحو تل أبيب وواشنطن وأبوظبي وباريس إلى حبل مشنقة عمق من جراح نظام المخزن وحلفائه عبر ضربات استباقية سياسيا ودبلوماسيا وأمنيا
كيف ذلك ..؟
يتبع !















