بوابة الجزائر الإخبارية: 7.8 مليارات متر مكعب من الغاز أُحرقت في المشاعل بالجزائر خلال 2024، وفق تقديرات البنك الدولي، وهو حجم يكشف عن مورد طاقوي يمكن أن يشكل تقليص هدره رافعة إضافية للإنتاج والصناعة والقيمة المضافة. ومن هذه الزاوية، تكتسب المحادثات التي جمعت وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، بنائب رئيس البنك الدولي عصمان ديون، الأربعاء 4 نوفمبر 2026، أهمية اقتصادية تتجاوز التعاون المؤسساتي، بعدما وضعت تطوير النفط والغاز والبتروكيمياء والهيدروجين الأخضر والأسمدة وتحلية مياه البحر ضمن مجالات الشراكة المطروحة، بالتزامن مع تحرك الجزائر لتعزيز التمويل المناخي وتحسين تنافسية صناعاتها الطاقوية.
وتأتي هذه المحادثات بعد يوم واحد من توقيع سوناطراك بروتوكول تفاهم مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية، في تطور يربط بين خبرة المجمع الجزائري في استكشاف المحروقات وإنتاجها وتحويلها، وقدرات المؤسستين الدوليتين على توفير المساعدة التقنية وتقييم خيارات التمويل وتطوير الدراسات الاقتصادية للمشاريع.

ولا تكمن الأهمية الأساسية لهذا التقارب في استقطاب التمويل الخارجي وحده، وإنما في إمكانية توظيفه لتسريع مشاريع تسمح بتحويل الغاز المهدور إلى مورد اقتصادي، وخفض كثافة الانبعاثات، وتوسيع الأنشطة الصناعية المرتبطة بالمحروقات، بما يدعم موقع الجزائر موردًا للطاقة ومنتجًا للمواد الصناعية في الوقت نفسه.
وقد انعقد اللقاء بالمركز الدولي للمؤتمرات «عبد اللطيف رحال» بالجزائر العاصمة، على هامش اليوم الثاني من ورشة التمويل المناخي وأسواق الكربون، بحضور إطارات من الجانبين، حيث رحب الطرفان بمستوى التعاون القائم وبالآفاق التي فتحها بروتوكول التفاهم الجديد.
ويعكس توقيت الاجتماع ارتباطًا متزايدًا بين ثلاثة ملفات استراتيجية في الاقتصاد الجزائري، هي تطوير الإنتاج الطاقوي، وتوسيع التصنيع المحلي، والحصول على أدوات تقنية وتمويلية لخفض الانبعاثات، في مرحلة أصبحت فيها كفاءة استخدام الموارد والبصمة الكربونية من العوامل المؤثرة في تنافسية الصناعات الطاقوية عالميًا.
وتزداد أهمية هذه الشراكة عند وضعها ضمن البرنامج الاستثماري الذي كشف عنه محمد عرقاب في أكتوبر 2026، والمقدر بنحو 71.6 مليار دولار لتطوير قطاع المحروقات في أفق 2030، منها 52 مليار دولار لأنشطة المنبع، ونحو 13 مليار دولار لمشاريع التكرير والبتروكيمياء. ويعني ذلك أن ما يقارب 72.6% من الغلاف المعلن موجه إلى الاستكشاف والإنتاج، مقابل نحو 18.2% للتحويل والتكرير، فيما تتوزع المبالغ المتبقية على أنشطة أخرى ضمن البرنامج.
وتستهدف الجزائر، وفق التصريحات الرسمية نفسها، رفع الإنتاج الأولي للمحروقات إلى نحو 201 مليون طن مكافئ نفط بحلول 2030، مع زيادة نسبة تحويل المحروقات وتثمينها إلى أكثر من 50%، مقابل نحو 30% حاليًا. وتمثل هذه النقلة المستهدفة جوهر الرهان الصناعي، لأنها ترتبط بتوسيع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، بدل الاعتماد على زيادة كميات الإنتاج والتصدير وحدها.
وتكشف الحصيلة المالية الأخيرة لسوناطراك عن القاعدة الاستثمارية التي ينطلق منها هذا التوجه؛ فقد بلغت استثمارات المجمع خلال 2025 نحو 1078 مليار دينار، بما يعادل 7.9 مليارات دولار، بزيادة قدرها 29% مقارنة بسنة 2024. كما تجاوزت الاستثمارات 6 مليارات دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بحسب الأرقام التي قدمها وزير الدولة أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني.
وعليه، فإن التعاون المطروح مع البنك الدولي لا ينطلق من غياب القدرات الاستثمارية الوطنية، بل من الحاجة إلى تعبئة خبرات تقنية وأدوات تمويل متخصصة لمشاريع تتطلب تقنيات دقيقة، خصوصًا في استرجاع الغاز المصاحب وتقليص الانبعاثات وإعداد مشاريع الهيدروجين والصناعات منخفضة الكربون.
وتظهر أهمية هذا الملف بصورة أوضح عند العودة إلى تقرير البنك الدولي حول حرق الغاز لسنة 2026، الذي سجل ارتفاع الكميات المحروقة عالميًا إلى 167 مليار متر مكعب خلال 2025، بزيادة قدرها 6% وفق السلسلة الإحصائية المحدثة، مع تقدير القيمة الاقتصادية للغاز المهدور عالميًا بنحو 54 مليار دولار.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فقد أشار التقرير إلى ارتفاع حجم الغاز المحروق بنحو 5% خلال 2025، وارتفاع كثافة الحرق بنسبة 3%، استنادًا إلى تقديرات الأقمار الصناعية. وربط هذه التطورات بقيود في البنية التحتية واضطرابات تشغيلية مؤقتة في منشآت معالجة الغاز.
وتعكس هذه الأرقام وجود مجال اقتصادي مهم لتحسين كفاءة استغلال الموارد، خصوصًا أن خفض حرق الغاز يمكن أن يوفر كميات إضافية للاستهلاك الصناعي أو إعادة الحقن أو التسويق، بحسب الخصائص التقنية والاقتصادية لكل حقل.
ولإبراز حجم الإمكانات بصورة حسابية، فإن استرجاع 10% من حجم الغاز الذي سجلته الجزائر في 2024، والبالغ 7.8 مليارات متر مكعب، يعادل نظريًا نحو 780 مليون متر مكعب سنويًا. أما استرجاع 25% فيعادل نحو 1.95 مليار متر مكعب. وهذه تقديرات توضيحية لحجم المورد المحتمل، وليست أهدافًا معلنة أو كميات يمكن ضمان استرجاعها، لأن الجدوى الفعلية تتوقف على طبيعة المنشآت وتكاليف التجميع والمعالجة والنقل.
وتكشف تجربة حقل تين فوي تبنكورت عن إمكانية تحقيق نتائج عملية، إذ وثق البنك الدولي انخفاض حرق الغاز في الحقل بنسبة 36% خلال 2024، عقب اعتماد ترتيبات لاستغلال منشأة معالجة قائمة في حقل مجاور، بما سمح بتوجيه غاز كان يُحرق سابقًا نحو البنية التحتية للتصدير.
كما سجل التقرير انخفاضًا يتجاوز 30% في حرق الغاز بعدد من منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لسوناطراك، وهو ما يوفر نموذجًا تقنيًا يمكن دراسة إمكانية تكراره في مواقع أخرى، وفق شروطها التشغيلية.
ومن هنا، تبرز إحدى أهم المزايا المحتملة للتعاون مع مجموعة البنك الدولي، وهي الانتقال من المبادرات المنفردة إلى إعداد محفظة مشاريع مبنية على الدراسات التقنية والاقتصادية، بما يسمح بتحديد المنشآت التي يمكن أن تحقق أعلى مردودية من استرجاع الغاز وخفض الانبعاثات.
وتكتسب هذه المقاربة بعدًا إضافيًا في ضوء تقرير وكالة الطاقة الدولية لسنة 2026، الذي أشار إلى رصد نحو 630 حدثًا كبيرًا لانبعاثات الميثان مرتبطة بأنشطة النفط والغاز في الجزائر خلال 2025 عبر أنظمة المراقبة بالأقمار الصناعية. ولا تمثل هذه الأحداث إجمالي الانبعاثات الوطنية، لكنها تؤكد أهمية تطوير أنظمة القياس والكشف المبكر والإصلاح.
وفي هذا السياق، يوفر بروتوكول التفاهم الموقع في 3 نوفمبر إطارًا لتقديم المساعدة التقنية وتقاسم أفضل الممارسات وإعداد الدراسات التقنية والاقتصادية وتقييم خيارات التمويل وتعزيز الكفاءات، مع احتفاظ سوناطراك بالإشراف العملياتي على تنفيذه ومتابعة تجسيده.
ويمتد التعاون كذلك إلى تثمين الخبرة الدولية للمجمع الجزائري، خصوصًا في إفريقيا، وهو بعد مهم في استراتيجية توسيع الحضور الخارجي لسوناطراك، بالنظر إلى الفرص المرتبطة بتطوير مشاريع الغاز والخدمات الهندسية والصناعات البتروكيميائية في الأسواق الإفريقية. سوناطراك
أما في صناعة الأسمدة، فتبرز أهمية الغاز الطبيعي باعتباره مدخلًا رئيسيًا لإنتاج الأمونيا والأسمدة الآزوتية، ما يجعل تطوير هذه الصناعة امتدادًا مباشرًا لسياسة تثمين المحروقات. ويمكن لتوسيع قدرات الإنتاج والتحويل أن يعزز التكامل بين قطاع الطاقة والفلاحة، ويدعم فرص التصدير، شريطة ضمان تنافسية التكاليف وتوافر البنية التحتية والأسواق.
وفي المجال البتروكيميائي، يتقاطع التعاون الجديد مع المشاريع التي أعلنتها الجزائر، وفي مقدمتها مجمع إنتاج البولي بروبيلين بأرزيو، ووحدة إنتاج الألكيل بنزين الخطي بسكيكدة، ومشاريع أخرى تستهدف تطوير المنتجات المصنعة انطلاقًا من الموارد الطاقوية الوطنية.
ويكتسب هذا التوجه أهميته من أن تحويل المحروقات إلى مواد تدخل في صناعات البلاستيك والمنظفات والأسمدة يتيح توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي، ويربط قطاع الطاقة بسلاسل قيمة تتجاوز بيع النفط الخام والغاز الطبيعي.
وتتسع مجالات التعاون المقترحة لتشمل تحلية مياه البحر وصناعة المعدات المرتبطة بها، وهو محور يحمل وزنًا اقتصاديًا متزايدًا في ضوء التوسع الكبير الذي تشهده الجزائر في البنية التحتية المائية.
فبحسب الأرقام التي قدمها محمد عرقاب في أكتوبر، تستغل الجزائر 19 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إجمالية تفوق 3.8 ملايين متر مكعب يوميًا، بما يغطي نحو 42% من الطلب الوطني على مياه الشرب، بعدما ارتفع إنتاج المحطات المستغلة بنسبة 26% إلى نهاية سبتمبر 2026 مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.
كما يتضمن البرنامج الوطني إنجاز ست محطات إضافية في أفق 2030، بطاقة إجمالية تبلغ 1.8 مليون متر مكعب يوميًا، بهدف رفع نسبة تغطية الطلب الوطني على مياه الشرب المحلاة إلى نحو 60%.
وبالحساب، فإن إضافة الطاقة الجديدة المعلنة إلى الطاقة الحالية ترفع القدرة الإجمالية الاسمية إلى أكثر من 5.6 ملايين متر مكعب يوميًا، أي زيادة لا تقل عن 47%، قبل احتساب عوامل التشغيل والصيانة والتغيرات المحتملة في الطلب.
وتكمن الأهمية الصناعية لإدراج معدات التحلية ضمن المحادثات مع البنك الدولي في إمكانية تطوير أنشطة محلية مرتبطة بالمضخات والأنابيب وأنظمة التحكم والمعالجة والتجهيزات الكهروميكانيكية، بدل حصر الاستثمار في إنجاز المحطات وتشغيلها.
وبالتوازي، يفتح ملف الهيدروجين الأخضر مجالًا آخر للتعاون التقني والتمويلي، خصوصًا أن تطويره يتطلب استثمارات في الكهرباء المتجددة والتحليل الكهربائي والمياه والبنية التحتية للنقل والتخزين، إلى جانب عقود شراء طويلة الأجل تضمن الجدوى التجارية للمشاريع.
ويأتي ذلك ضمن توجه جزائري أوسع لتعزيز موقع البلاد في أسواق الطاقة المستقبلية، مع الاستفادة من بنيتها التحتية الغازية وعلاقاتها التجارية مع أوروبا، دون أن يعني إدراج الهيدروجين في بروتوكول التفاهم وجود تمويل نهائي أو مشروع إنتاج جديد جرى اعتماده.
وفي السياق نفسه، وقعت سوناطراك يوم 3 نوفمبر مذكرة تفاهم مع المجموعة الألمانية VNG والشركة النرويجية ICA-FINANCE AS، تستهدف تطوير أنظمة قياس انبعاثات الميثان والإبلاغ عنها والتحقق منها، ودعم نقل التكنولوجيا وتعبئة التمويل المناخي عبر آليات أرصدة الكربون.
ويعكس تزامن هذه الاتفاقات توجهًا نحو بناء شراكات تقنية متكاملة في مجال خفض الانبعاثات، بما يربط تحسين الأداء البيئي للمنشآت الطاقوية بمتطلبات التنافسية وتطوير أسواق جديدة للمنتجات منخفضة الكربون.
وتبرز هنا نقطة جوهرية في قراءة العلاقة الجديدة مع البنك الدولي: الجزائر تبحث توسيع أدوات تمويل وتطوير مشاريعها الاستراتيجية، وليس استبدال برنامجها الاستثماري الوطني بتمويل خارجي. فالغلاف المعلن لقطاع المحروقات، البالغ 71.6 مليار دولار، قائم ضمن أولويات التطوير الوطني، بينما يوفر التعاون مع المؤسسات الدولية مجالًا لدراسة حلول إضافية في مشاريع محددة.
كما أن بروتوكول التفاهم الموقع مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية لا يتضمن، وفق البيانات المنشورة، مبلغ قرض أو استثمارًا مباشرًا محددًا، ولا يمثل التزامًا نهائيًا بتمويل جميع القطاعات التي شملتها المحادثات.
وبذلك، فإن القيمة الاقتصادية المنتظرة من هذه الشراكة ستتحدد بمدى نجاح الطرفين في تحويل مجالات التعاون إلى مشاريع مدروسة، تتوافر لها التكنولوجيا المناسبة والجدوى المالية وآليات التنفيذ والمتابعة.
وتكشف المحادثات التي جمعت محمد عرقاب بعصمان ديون عن تقاطع استراتيجي بين ثلاثة أهداف جزائرية مترابطة: رفع إنتاج المحروقات وتثمينها، وتوسيع التصنيع المحلي في البتروكيمياء والأسمدة والتجهيزات، وتحسين كفاءة استغلال الموارد الطاقوية والمائية. ومع برنامج استثماري يبلغ 71.6 مليار دولار، وهدف لإنتاج 201 مليون طن مكافئ نفط بحلول 2030، ومشاريع تحلية تستهدف تغطية 60% من الطلب الوطني على مياه الشرب، يصبح الرهان على تحويل التعاون التقني والتمويلي إلى قيمة مضافة ملموسة للاقتصاد الوطني، وليس مجرد توسيع دائرة الاتفاقيات المؤسساتية.









