تقتات على رماد الدول..
بوابة الجزائر الاخبارية: لم تعد الإمارات العربية المتحدة تكتفي باستثمار فوائضها النفطية في الموانئ والعقارات والأسواق الدولية، بل بنت خلال السنوات الماضية نموذج قوة إقليمية يتغذى على هشاشة الدول، ويحوّل الانقسامات الداخلية إلى فرص للنفوذ، ويستخدم المال والسلاح والوكلاء المحليين لانتزاع مواقع استراتيجية تفوق بكثير وزنها الديمغرافي والجغرافي.

إنها قوة لا تتمدد عبر بناء دول مستقرة ومؤسسات وطنية متماسكة، وإنما عبر التغلغل في المساحات التي تتراجع فيها سلطة الدولة، ثم الاستثمار في القوى المحلية والميليشيات والشبكات التجارية والمالية التي تحتاج إلى راعٍ خارجي. وكلما ضعفت المؤسسات المركزية، اتسعت أمام أبوظبي مساحة الحركة، وازداد نفوذها في الموانئ والمناجم والممرات البحرية وأسواق الذهب والسلاح.
وبذلك، يبدو صعود الإمارات متناقضًا في جوهره: فهي تسوّق نفسها مركزًا عالميًا للاستقرار والاستثمار، بينما تتقاطع مصالحها الخارجية، وفق الاتهامات المتزايدة الموجهة إليها، مع ساحات احترقت فيها مؤسسات الدول وتكاثرت الجماعات المسلحة وازدهرت الاقتصادات الموازية. فمن اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى القرن الإفريقي، يتكرر النمط نفسه تقريبًا: مال وفير، شريك محلي مسلح، منفذ بحري أو مورد طبيعي، ثم دولة مركزية تُستنزف لمصلحة شبكة نفوذ تدين بولائها للخارج.
وفي مساهمة تحليلية حادة، وصف الدبلوماسي الجزائري عمار بلاني الإمارات بأنها «دولة مشعلة للحرائق ومفترسة تزدهر على الفوضى»، معتبرًا أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد دفع بلاده إلى مشروع ضخم لبناء قوة إقليمية رغم افتقارها إلى المقومات السكانية والجغرافية التي تستند إليها القوى الكبرى عادة.

ويرى بلاني أن أبوظبي عوّضت محدودية حجمها بثروة مالية هائلة، وبنية تحتية متقدمة، وشبكات نفوذ عابرة للحدود، إلى جانب صناعة دفاعية توسعت بوتيرة متسارعة. غير أن هذه الأدوات، وفق قراءته، لم تُستخدم فقط لتطوير الاقتصاد الإماراتي، بل تحولت إلى رافعة لبناء علاقات مع قوى محلية وجماعات مسلحة وواجهات اقتصادية داخل الدول الهشة.
ويختصر بلاني المنهج الإماراتي في ثلاثة مرتكزات مترابطة: الاستثمار، وصناعة شبكات محلية موالية، وامتلاك قدرات عسكرية مستقلة. وقد منح هذا المزيج أبوظبي وزنًا إقليميًا لا يتناسب مع مساحتها أو عدد سكانها، لكنه جعل تمددها مرتبطًا بصورة متزايدة باستمرار الأزمات التي تتيح لها التحرك خارج القيود التي تفرضها الدول القوية ومؤسساتها السيادية.
ولا تنحصر خطورة هذا النموذج بالنسبة إلى الجزائر في بُعده العربي، بل تمتد مباشرة إلى منطقة الساحل، التي تمثل عمقًا استراتيجيًا للأمن القومي الجزائري. فبحسب بلاني، تسعى أبوظبي، بالتنسيق مع شركائها الاستراتيجيين وفي مقدمتهم إسرائيل والمغرب، إلى توسيع حضورها الاقتصادي والمالي داخل عدد من دول الساحل، وبناء شبكات جديدة تشمل الاستثمارات والبنى التحتية والمسارات التجارية والدوائر المالية.

ويضع هذا التحرك رأس المال الإماراتي على تماس مباشر مع المجال الحيوي للجزائر، في مرحلة تخوض فيها المنطقة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى والتحالفات. ولذلك لا يمكن اختزال الحضور الإماراتي في صفقات اقتصادية منفصلة عن السياق الجيوسياسي، خصوصًا عندما يتقاطع مع شراكة أبوظبي الوثيقة مع إسرائيل، وتحالفها مع نظام المخزن الذي ينقل خصومته مع الجزائر إلى كل مساحة إفريقية يستطيع بلوغها.
ووفق قراءة بلاني، لا يستهدف هذا التغلغل تحقيق عائد استثماري فقط، بل يسعى إلى تضييق هامش الحركة الجزائرية داخل محيطها الجنوبي والحد من قدرتها على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. فالمال هنا لا يؤدي وظيفة تجارية محضة، وإنما يتحول إلى أداة لاختراق شبكات القرار وبناء ولاءات وتوجيه مسارات اقتصادية في فضاء تتداخل فيه الحدود مع الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتجارة السلاح والذهب.
ويمثل الذهب أحد أكثر الأوجه قتامة في هذه المنظومة. فقد تحولت دبي إلى وجهة مركزية لتجارة الذهب الإفريقي، بما في ذلك كميات هائلة تغادر القارة من دون تسجيلها رسميًا في الدول المنتجة. وكشفت منظمة «سويس إيد» أن 435 طنًا من الذهب، بقيمة تجاوزت 30 مليار دولار، خرجت من إفريقيا بطرق غير معلنة خلال 2022، وأن الإمارات استقبلت وحدها نحو 405 أطنان منها. كما قدّرت المنظمة وصول أكثر من 2500 طن من الذهب الإفريقي غير المصرح به إلى الإمارات بين 2012 و2022، بقيمة فاقت 115 مليار دولار. رويترز، سويس إيد
ولا تعني هذه الأرقام أن كل الذهب المتداول في الإمارات مرتبط بالنزاعات، لكنها تضع دبي في قلب منظومة دولية تعاني فجوات خطيرة في التتبع والشفافية والتحقق من منشأ المعادن. كما تكشف مفارقة صارخة: دول إفريقية تفقد مواردها خارج القنوات الرسمية، بينما تتراكم القيمة المضافة والسيولة والعائدات التجارية في سوق إماراتية تزدهر على ضعف الرقابة في بلدان المنشأ.
وفي الساحل والسودان تحديدًا، لا يمثل الذهب معدنًا ثمينًا فحسب، بل موردًا قادرًا على تمويل السلاح والجماعات المسلحة وشبكات التهريب. ولهذا تصبح السيطرة على مساراته جزءًا من الصراع على السلطة، فيما تحرم التجارة غير الرسمية الدول المنتجة من الضرائب واحتياطات النقد الأجنبي والقدرة على تنظيم قطاع المناجم.
أما السودان، فيشكّل المثال الأكثر خطورة على النتائج التي يمكن أن ينتهي إليها نموذج النفوذ الإماراتي. فمنذ اندلاع الحرب في أفريل 2023، وُجهت إلى أبوظبي اتهامات متكررة بتقديم دعم عسكري ولوجستي إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، في مقابل نفي إماراتي مستمر لهذه الاتهامات.
غير أن الملف تجاوز مستوى السجال السياسي. ففي ماي 2025، أعلنت منظمة العفو الدولية أنها حددت أسلحة صينية متطورة قالت إنها وصلت «على نحو شبه مؤكد» إلى قوات الدعم السريع عن طريق الإمارات، بينها قنابل موجهة ومدافع ميدان. كما كشفت رويترز أن فريق خبراء تابعًا للأمم المتحدة حقق في كيفية وصول قذائف هاون صُدّرت أصلًا إلى الإمارات إلى قافلة إمداد تابعة لقوات الدعم السريع. منظمة العفو الدولية، رويترز
وقد وصلت المواجهة إلى محكمة العدل الدولية بعدما اتهم السودان الإمارات بالتواطؤ في الإبادة الجماعية عبر دعم قوات الدعم السريع. وانتهت القضية لأسباب تتعلق باختصاص المحكمة والتحفظ الإماراتي على المادة ذات الصلة في اتفاقية منع الإبادة، وليس بحكم موضوعي يبرئ أبوظبي من الوقائع المنسوبة إليها. ولذلك بقي جوهر الاتهامات قائمًا، كما استمرت التحقيقات بشأن شبكات توريد السلاح والتمويل ومسارات الذهب.
وتمنح الحالة السودانية وصف «إشعال الحرائق» الذي استخدمه بلاني معناه الأكثر مأساوية. فحين تُدعم قوة شبه عسكرية خارج المؤسسة الوطنية، لا تكون النتيجة توازنًا سياسيًا، بل إطالة عمر الحرب، وتفكيك سلطة الدولة، وتحويل المدنيين إلى وقود لصراع تُحصد أرباحه بعيدًا عن الخرطوم ودارفور.
وفي اليمن، دخلت الإمارات الحرب سنة 2015 ضمن التحالف الذي قادته السعودية، لكنها أنشأت لاحقًا منظومة نفوذ خاصة بها في الجنوب، مستندة إلى قوى محلية يتقدمها المجلس الانتقالي الجنوبي. وهنا ظهر التناقض نفسه: شريك يرفع شعار استعادة الدولة، لكنه يدعم في الوقت ذاته قوة تحمل مشروعًا انفصاليًا ينازع الحكومة المعترف بها دوليًا على الأرض والقرار والموانئ.
ولم يكن الساحل اليمني بالنسبة إلى أبوظبي مجرد خط تماس عسكري، بل جزءًا من معركة أوسع للسيطرة على الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وخليج عدن. ولذلك تداخل دعم القوى المحلية مع بناء نفوذ داخل الموانئ والجزر والمواقع الاستراتيجية، ليصبح تفكك الدولة اليمنية بيئة تسمح لأبوظبي بتثبيت حضور يصعب تحقيقه في ظل دولة مركزية قوية.
أما ليبيا، فقد قدمت نسخة أخرى من السياسة نفسها. إذ دعمت الإمارات خليفة حفتر لسنوات، بالتوازي مع مصر، وحولت القوة العسكرية المتمركزة في الشرق إلى طرف منافس للسلطات المعترف بها دوليًا. كما وثقت تقارير أممية سابقة خروقات لحظر توريد السلاح إلى ليبيا، في وقت ظل فيه الحظر الذي فرضه مجلس الأمن منذ 2011 قائمًا. قاعدة معهد ستوكهولم لأبحاث السلام
وقد أتاح هذا الدعم تكريس انقسام المؤسسات الليبية، فيما تحول الجنوب إلى ممر للشبكات العابرة للحدود، بما يشمل الروابط بين مناطق نفوذ حفتر وقوات الدعم السريع السودانية. وبهذا لم تعد ليبيا والسودان ساحتين منفصلتين، بل حلقتين داخل ممر إقليمي تنتقل عبره الأسلحة والمقاتلون والذهب والوقود والولاءات.
وفي تونس، يرى بلاني أن أبوظبي حاولت، منذ ثورة 2011، بناء نفوذ سياسي ومالي ودبلوماسي لمواجهة القوى القريبة من المحور التركي القطري، مستندة مجددًا إلى شركاء محليين قادرين على خدمة مصالحها. غير أن خصوصية الدولة التونسية ومؤسساتها وتوازناتها الداخلية حدّت من قدرة هذا المسار على بلوغ النتائج نفسها التي حققها داخل دول غارقة في الحروب.
ويتوسع المشروع الإماراتي بصورة أوضح في القرن الإفريقي، حيث بنت أبوظبي شبكة من الموانئ والمطارات ونقاط الارتكاز حول البحر الأحمر وخليج عدن. وتؤدي مواقع مثل بربرة وعصب وسقطرى وميون وظائف تتجاوز التجارة والخدمات اللوجستية إلى امتلاك قدرة على مراقبة الممرات البحرية وتوفير البنية اللازمة للتحرك العسكري والأمني.
وتكتسب استثمارات موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي أهميتها من هذا التداخل بين التجارة والجغرافيا السياسية. فإدارة ميناء أو ممر لوجستي لا تمنح أرباحًا مالية فقط، بل تتيح الوصول إلى بيانات التجارة وسلاسل التموين وحركة السفن، وتخلق اعتمادًا اقتصاديًا يمكن تحويله لاحقًا إلى نفوذ سياسي وأمني.
كما يكشف تعامل أبوظبي مع أرض الصومال استعدادها لتجاوز الحكومات المركزية عندما تجد شريكًا محليًا أكثر قابلية لخدمة مصالحها. ووفق بلاني، يعكس هذا السلوك تفضيل الإمارات للفاعل الذي يمنحها الميناء أو القاعدة أو الامتياز، ولو ترتب عن ذلك إضعاف الدولة الصومالية وتشجيع الانقسامات داخلها.
ولم يكن هذا الانتشار ممكنًا بالمال وحده. فتأسيس مجموعة «إيدج» للصناعات الدفاعية سنة 2019 شكّل خطوة مركزية في بناء استقلال عسكري إماراتي نسبي، عبر إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات المدرعة والسفن والأنظمة الإلكترونية. كما منح التطبيع مع إسرائيل، في إطار اتفاقيات أبراهام، أبوظبي وصولًا أوسع إلى التكنولوجيا الدفاعية والأمنية، ورفع قدرتها على تجهيز شركائها الخارجيين وإدارة عمليات نفوذ لا تحتاج دائمًا إلى الظهور الإماراتي المباشر.
غير أن اتساع الطموح الإماراتي بدأ يصطدم بصورة متزايدة بالسعودية. فالخلاف بين أبوظبي والرياض لم يعد مجرد تباين شخصي بين القيادتين، بل أصبح تنافسًا بين مشروعين اقتصاديين وجيوسياسيين. تريد الإمارات الحفاظ على موقعها بوصفها المنصة التجارية والمالية واللوجستية الأولى في المنطقة، بينما تسعى السعودية، ضمن «رؤية 2030»، إلى استعادة مركز الثقل الاقتصادي واستقطاب الشركات والاستثمارات والمقار الإقليمية إلى أراضيها.
وتظهر آثار هذا التنافس في اليمن والسودان والقرن الإفريقي، حيث لا تتطابق خيارات الطرفين ولا شبكات حلفائهما. كما يدفع صعود الاستقلالية الإماراتية الرياض إلى تنويع شراكاتها الأمنية مع تركيا وباكستان، بما يقلص اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة ويمنحها أدوات إضافية لموازنة تحركات أبوظبي.
وفي السودان تحديدًا، تتضح ملامح مواجهة غير مباشرة: تركيا تدعم مؤسسات الدولة والجيش السوداني، والسعودية اقتربت تدريجيًا من هذا المعسكر، بينما تبقى قوات الدعم السريع مرتبطة باتهامات الدعم الإماراتي. أما مصر، فتحاول الحفاظ على هامش مناورة تفرضه حاجتها إلى حماية الدولة السودانية من جهة، وترابطها المالي والاقتصادي مع أبوظبي من جهة أخرى.
وسط هذه الخريطة شديدة الاضطراب، تبرز المقاربة الجزائرية بوصفها النقيض السياسي لنموذج أبوظبي. فالجزائر تدافع عن سيادة الدول ووحدة أراضيها، وترفض تحويل الميليشيات إلى بدائل عن المؤسسات، كما تتمسك بالحلول السياسية في ليبيا والسودان والساحل. ولا تنطلق هذه الرؤية من مثالية دبلوماسية، بل من إدراك أن تفكيك الدول لا يبقى داخل حدودها، وإنما ينتج الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة ويحوّل المنطقة كلها إلى سوق مفتوحة للقوى الخارجية.
ولهذا يحمل تمدد الإمارات، بالتنسيق مع إسرائيل والمغرب، دلالة مباشرة بالنسبة إلى الأمن القومي الجزائري. فالخطر لا يكمن في وجود استثمار إماراتي مشروع داخل إفريقيا، وإنما في اقتران المال بشبكات نفوذ ووكلاء محليين ومسارات معادن وسلاح تعمل خارج سلطة الدول. وعندما يصل هذا النموذج إلى الساحل، يصبح تطويق الجزائر من جنوبها جزءًا محتملًا من معادلة أشمل لا يجوز التعامل معها بسذاجة اقتصادية.
لقد نجحت أبوظبي في بناء واجهة براقة من الأبراج والموانئ وشركات الطيران والأسواق المالية، لكنها تواجه خلف هذه الواجهة أسئلة متزايدة بشأن الثمن الذي دفعته دول أخرى مقابل صعودها. فالقوة التي تحتاج إلى دولة ضعيفة كي تتمدد، وإلى ميليشيا كي تفاوض، وإلى حرب كي تشتري الذهب، وإلى انفصال كي تحصل على ميناء، لا تصنع استقرارًا إقليميًا؛ إنها تستثمر في انهياره.
وهذا هو جوهر المرافعة التي قدمها عمار بلاني: الإمارات لا تتحرك باعتبارها دولة تبحث عن شراكات متوازنة فحسب، بل كقوة مفترسة تلتقط الفرص من بين أنقاض المؤسسات الوطنية. ومن الساحل إلى اليمن، مرورًا بليبيا والسودان والقرن الإفريقي، تتبدل الأسماء والواجهات، لكن الآلية واحدة: دولة تُضعف، ووكيل يُسلح، ومورد يُستنزف، وميناء يُنتزع، ثم تُسوَّق الفوضى باعتبارها نفوذًا، ويُقدَّم الافتراس في ثوب الاستثمار.










اسال لله العلي القدير أن يرينا العجب في عيال زايد حتى تقر أعيننا