بوابة الجزائر الاخبارية: تتصدر دويلة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا إمارة دبي، منذ أكثر من عقد، تقارير منظمات دولية وبحثية معنية بمكافحة الفساد وغسل الأموال، باعتبارها إحدى الوجهات التي تستقطب أموالًا مشبوهة مرتبطة بالفساد والجريمة المنظمة، خصوصًا عبر قطاعات العقارات والذهب والشركات الوهمية.
معهد كارنيغي: دبي ملتقى للشبكات المالية الرمادية
في تقرير لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، نقلته منظمة “أوكرب” (OCCRP) المتخصصة في التحقيقات الاستقصائية حول الجريمة المنظمة والفساد، وُصفت دبي بأنها مركز مهم للشبكات المالية الرمادية والتدفقات المالية الدولية، في ظل ما اعتبره التقرير ثغرات في منظومة الرقابة.
وأشار التقرير إلى أن تدفقات الأموال المرتبطة بالفساد والجريمة ساهمت في تغذية سوق العقارات في الإمارة، كما عززت مكانتها كمركز عالمي لتجارة الذهب والخدمات المالية.

ووفق التقرير، فإن الفارق بين دبي ومراكز مالية عالمية أخرى، مثل لندن ونيويورك، لا يتمثل في غياب الفساد عن هذه المدن، وإنما في مستوى الرقابة والملاحقة التي يواجهها أصحاب الأموال المشبوهة هناك من جانب وسائل الإعلام والمجتمع المدني وأجهزة إنفاذ القانون.
كما أشار إلى وجود نحو 30 منطقة تجارة حرة في الإمارات، تتمتع الشركات العاملة فيها بمزايا ضريبية وتنظيمية، مع السماح بالتملك الكامل للأجانب، فيما تخضع بعض هذه المناطق لأطر تنظيمية خاصة بها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستوى التنسيق والرقابة على حركة الأموال والسلع.
وتناول التقرير كذلك سوق الذهب في دبي، الذي يستقطب كميات كبيرة من المعدن النفيس القادم من مناطق إفريقية، بينها دول تشهد نزاعات مسلحة. وأشار إلى أن صعوبة التحقق من مصدر بعض الشحنات تثير مخاوف بشأن إمكانية إدخال الذهب مجهول المصدر إلى النظام التجاري والمالي العالمي.
“صانعو الثغرات”.. الإمارات محطة للثروات غير المشروعة
وفي اتجاه مماثل، خلص تقرير لمنظمة الشفافية الدولية بعنوان “صانعو الثغرات: كيف يسهّل الميسّرون تدفق الأموال غير المشروعة من إفريقيا”، إلى أن الإمارات تمثل إحدى المحطات التي تستخدمها شبكات مرتبطة بالفساد والجريمة المنظمة لإخراج أموال غير مشروعة من القارة.
ويركز التقرير على ما تسميهم المنظمة “الميسّرين”، وهم مهنيون ووسطاء من خارج القطاع المالي، بينهم محاسبون ومستشارون ووكلاء عقارات ومقدمو خدمات قانونية وشركاتية، يمكن أن يلعبوا دورًا في إنشاء هياكل معقدة لإخفاء ملكية الأموال أو نقلها واستثمارها في الخارج.

ومن بين الحالات التي تناولها التقرير قضية إيزابيل دوس سانتوس، ابنة الرئيس الأنغولي الأسبق، والتي كشفت تحقيقات “باندورا بيبرز” التي قادها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين عن تحويلات مالية مرتبطة بشركة النفط الأنغولية الحكومية إلى شركة مرتبطة بها في دبي، قبيل انكشاف القضية.
كما تناولت منظمة الشفافية الدولية قضية عائلة غوبتا في جنوب إفريقيا، التي وُجهت إليها اتهامات بالتورط في شبكة نفوذ وفساد مرتبطة بعهد الرئيس السابق جاكوب زوما، وبالاستفادة من صفقات وأموال عمومية، بينها صفقة مرتبطة بقطاع السكك الحديدية.
فجوات في تجارة الذهب بين إفريقيا والإمارات
وفي تقرير آخر بعنوان “تدفقات الذهب غير المشروعة من وسط وشرق إفريقيا”، وثقت منظمة الشفافية الدولية وجود فجوات بين كميات الذهب التي أعلنت دول إفريقية تصديرها والكميات التي أعلنت الإمارات استيرادها منها.
وتشير هذه الفجوات، بحسب التقرير، إلى احتمال وجود عمليات تهريب أو تلاعب في تسجيل مصدر الذهب ومساراته التجارية.

ورصد التقرير عددًا من المسارات التي يسلكها الذهب القادم من مناطق إفريقية باتجاه الإمارات، من بينها مسارات تربط جمهورية الكونغو الديمقراطية بأوغندا ورواندا وبوروندي، وأخرى تربط جمهورية إفريقيا الوسطى بالكاميرون وتشاد والسودان، إضافة إلى مسارات من جنوب السودان عبر أوغندا ورواندا.
ولا تقتصر تداعيات هذه التجارة، وفق المنظمة، على الخسائر المالية، بل تشمل كذلك أضرارًا بيئية وانتهاكات محتملة لحقوق الإنسان، فضلًا عن مخاطر تمويل الجماعات المسلحة في مناطق النزاع وتقويض اقتصادات الدول المنتجة للذهب.
الرقابة الدولية.. تحسن في التصنيف وتحذيرات مستمرة
على المستوى الرسمي الدولي، كانت الإمارات قد أُدرجت على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF).
كما اتخذ الاتحاد الأوروبي لاحقًا قرارًا بإزالة الإمارات من قائمته للدول عالية المخاطر في مجال غسل الأموال، وهو القرار الذي أثار انتقادات من جهات رقابية وبرلمانية أوروبية.

وترى منظمة الشفافية الدولية أن رفع الإمارات من هذه القوائم لا ينبغي اعتباره “شهادة حسن سيرة”، داعية إلى مواصلة تطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتعزيز الملاحقات القضائية في قضايا الجرائم المالية، خصوصًا تلك المرتبطة بشخصيات سياسية أجنبية بارزة.
العقارات.. ملاذ للأموال المشبوهة
ويُعد قطاع العقارات في دبي أحد أبرز القطاعات التي أثيرت بشأنها مخاوف مرتبطة بغسل الأموال، نظرًا إلى حجم الاستثمارات الأجنبية الضخم في السوق العقارية وتنوع المستثمرين.
ووفق تقارير متخصصة في الجرائم المالية، يمثل شراء العقارات الفاخرة وسيلة محتملة لإخفاء مصادر الثروات غير المشروعة، خصوصًا عندما تُستخدم هياكل شركات معقدة أو وسطاء لإخفاء هوية المستفيد الحقيقي.
وفي محاولة لتعزيز الرقابة، فرضت السلطات الإماراتية متطلبات للإبلاغ عن معاملات عقارية معينة، بما في ذلك المعاملات التي تتجاوز قيمًا محددة، ضمن آليات تهدف إلى رصد الأنشطة المشبوهة وتعزيز قدرة الجهات المختصة على تتبع مصادر الأموال.

في ضوء ما تكشفه تقارير منظمات دولية وبحثية متخصصة، تبدو الإمارات، وتحديدًا دبي، وقد تحولت إلى واحدة من أبرز الوجهات العالمية التي تستقطب الأموال المشبوهة والثروات المتأتية من الفساد والجريمة المنظمة، عبر العقارات والذهب والشركات والخدمات المالية.
ومع استمرار تسجيل تحذيرات وانتقادات من جهات دولية بشأن ثغرات في منظومة الرقابة وتتبع مصادر الثروات، تبرز صورة أكثر وضوحًا للإمارات باعتبارها عاصمة عالمية لتبييض الأموال، وملاذًا مفضلًا لتدوير الثروات غير المشروعة القادمة من إفريقيا ومناطق أخرى.































