بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد قضية أيوب عيسيو مجرد ملف تسليم بين الجزائر وإسبانيا. فكلما اقترب الرجل من احتمال العودة إلى الجزائر، تحولت قضيته إلى حملة سياسية وإعلامية عابرة للحدود، هدفها الواضح نقل المعركة من قاعة القضاء إلى الرأي العام الأوروبي، وإعادة تصنيع صورته من رجل تلاحقه أحكام وملفات مالية إلى «معارض» ينبغي إنقاذه من بلده. الأخطر أن هذا التحرك لم يأت من محامين يدافعون عن موكلهم فحسب، بل التحقت به شخصيات فرنسية معروفة بمواقفها المؤيدة لإسرائيل وبحضورها المتكرر في دوائر مثل المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا «CRIF»، ثم ظهر إلى جانبها بوعلام صنصال، ليضع اسمه مجددًا في حملة خارجية تستهدف هذه المرة مباشرة طلبًا قضائيًا جزائريًا. ومن هنا يصبح السؤال أكبر من عيسيو نفسه: لماذا كل هذا الاستنفار لمنع رجل مطلوب في ملفات مالية من المثول أمام القضاء الجزائري؟ ولماذا يجري إخفاء الأموال والشركات والتحويلات والتوكيلات خلف خطاب جاهز عن «المعارضة السياسية»؟

عملية تبييض سياسي قبل أن تقول مدريد كلمتها
لم ينتظر أنصار أيوب عيسيو انتهاء القضاء الإسباني من دراسة طلب تسليمه إلى الجزائر حتى بدأوا معركة أخرى في باريس. ففي 21 أوت 2026، تحولت قضية رجل موقوف في برشلونة بموجب مسار قضائي يتعلق بالتزوير واستعمال المزور وتبييض الأموال إلى رسالة سياسية مفتوحة تطالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بالتدخل لإطلاق سراحه وإعادته إلى فرنسا، بينما جرى اختزال ملفه أمام الجمهور الفرنسي في صورة «معارض» تقول العريضة إن مشكلته الحقيقية هي انتقاد السلطة الجزائرية.
هذه القفزة من القضاء إلى السياسة هي جوهر القضية الجديدة. فالجزائر لا تطلب من فرنسا تسليم عيسيو، ولم ترسل قوة أمنية وراءه؛ أودعت طلبًا رسميًا لدى إسبانيا، وتركته أمام الـAudiencia Nacional. القضاء الإسباني هو الذي أوقفه، وهو الذي وضعه رهن الحبس، وهو الذي رفض الإفراج عنه مؤقتًا، ومع ذلك ظهرت حملة في باريس تريد من السلطتين التنفيذيتين الفرنسية والإسبانية التدخل قبل أن تنتهي المحكمة من فحص الملف. ولذلك فإن ما يجري لم يعد مجرد دفاع قانوني عن متهم، بل محاولة واضحة لانتزاع القضية من وصفها المالي والقضائي وإعادة تصنيعها سياسيًا.
وتزداد حساسية التحرك لأن بين الأسماء التي تصدرت العريضة شخصيات ذات حضور معلن داخل الفضاء الفرنسي المؤيد لإسرائيل أو على صلة متكررة بأنشطة المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا «CRIF»، بينما ظهر بوعلام صنصال ضمن الموقعين ليضع اسمه، مرة أخرى، في حملة تخاطب سلطات أجنبية هذه المرة بهدف منع تنفيذ طلب قضائي صادر عن بلده.
لكن لفهم سبب تحول عيسيو إلى ملف سياسي بهذا الحجم، ينبغي العودة إلى ما تحاول العريضة المرور فوقه سريعًا: الأموال، الشركات، المشاريع، الأحكام القضائية، والتحويلات إلى الخارج.ى الجزائر.
عيسيو قبل أن يصبح «معارضًا»: المال والمشاريع والأحكام
أيوب عيسيو لم يظهر أصلًا في الحياة العامة بوصفه ناشطًا سياسيًا. كان يتحرك بصفة رجل أعمال في العقار والصناعة والاستيراد والإعلام، وارتبط اسمه بمشروعات وشركات توسعت خلال سنوات سابقة، قبل أن تفتح العدالة الجزائرية ملفاتها بعد سقوط منظومة الامتيازات التي ازدهرت في نهاية عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
توضح وثائق القضية التي وصلت إلى الصحافة الإسبانية أن طلب التسليم الحالي يستند إلى مذكرة توقيف دولية أصدرها قاضي تحقيق بالقطب الجزائي الاقتصادي والمالي في الجزائر في 9 أفريل 2026، ثم أحيل الطلب رسميًا إلى إسبانيا عبر السفارة الجزائرية في 3 جوان، قبل أن يوافق مجلس الوزراء الإسباني في 29 جوان على استمرار إجراءات التسليم.
وفي 25 جويلية، أوقف عيسيو في مطار برشلونة–إل برات، فيما تؤكد المصادر الإسبانية أنه كان قادمًا من الدار البيضاء، ثم وضع تحت الحبس المؤقت. ورفض القاضي سانتياغو بيدراز لاحقًا الإفراج عنه، فيما بقي دفاعه يطعن في المسار ويصفه بالملاحقة السياسية.
أما الوقائع التي قدمتها الجزائر في هذا الطلب فتختلف جذريًا عن الرواية المبسطة في عريضة Le JDD. فالتحقيق، وفق Diari de Tarragona، بدأ في ديسمبر 2025 ويتعلق بثلاثة توكيلات موثقة يشتبه في تزويرها، صدرت خلال فيفري وأفريل 2019، ويُشتبه في استخدامها لإدارة ممتلكات عقارية تعود لعيسيو وتحويل مداخيلها إلى الخارج. لذلك يشمل طلب التسليم شبهات التواطؤ في تزوير محررات رسمية، واستعمال المزور، وتبييض الأموال. دفاع عيسيو ينفي ذلك ويعتبر الملف سياسيًا، لكن المحكمة الإسبانية لم تتبنَّ حتى الآن هذا التوصيف.
وهنا يظهر أول تناقض ثقيل في حملة باريس: العريضة المنشورة في Le JDD تقول للقارئ إن «الجريمة المفترضة» للرجل هي انتقاد السلطة عبر قناته التلفزيونية، بينما وثائق المسار الإسباني تتحدث عن توكيلات وعقارات وأموال يُشتبه في تحويلها إلى الخارج.
يمكن لدفاع عيسيو أن يزعم أن هذه التهم صُنعت لمعاقبته سياسيًا؛ ذلك حقه. لكن تحويل هذا الدفع الدفاعي إلى حقيقة نهائية، ثم مطالبة ماكرون وسانشيز بالتصرف على أساسها، يعني عمليًا إصدار حكم سياسي قبل المحكمة الإسبانية نفسها.

ومن بين القضايا التي ظهرت أمام المحاكم مشروع عقاري بالقليعة، حيث تحدثت وقائع الجلسات عن أموال ضخمة دفعها مكتتبون مقابل سكنات لم تكتمل، وعن مبالغ قيل إنها حُولت لاحقًا إلى العملات الأجنبية ثم إلى الخارج. كما ارتبطت ملفات أخرى بمصنع الحديد في المسيلة، ومشروعات للحليب واستيراد الأبقار، ومشروعات فلاحية، وتجهيزات وأصول وشركات.
أي أننا أمام رجل ارتبط اسمه، بحسب الملفات القضائية، بشبكة مالية وتجارية معقدة. ومن ثم فإن عودته إلى الجزائر لا تعني فقط دخوله السجن لتنفيذ حكم؛ إنها تعني إمكانية إخضاعه مباشرة للتحقيق بشأن مسار الأموال، الشركات، المستفيدين، الوسطاء، التوكيلات، الأصول الموجودة خارج البلاد، ومن شاركه إدارة هذه الثروة بعد خروجه من الجزائر.
وهنا تحديدًا تصبح محاولة منع وصوله إلى الجزائر أكثر إثارة للأسئلة.
عشرون سنة.. وأكثر من مسار قضائي
والأهم أن طلب التسليم الجديد ليس الملف القضائي الوحيد الذي يواجهه عيسيو. ففي 17 ديسمبر 2025، أدانه القطب الجزائي الاقتصادي والمالي لمحكمة سيدي أمحمد غيابيًا بـ20 سنة حبس وغرامة قدرها ثمانية ملايين دينار في قضية تبييض أموال ضمن جماعة إجرامية منظمة وإخفاء عائدات متأتية من جرائم فساد، مع تثبيت مذكرة التوقيف الدولية بحقه. وفي 15 مارس 2026، أيد مجلس قضاء الجزائر العقوبة الأساسية.
وتعود ملفات أخرى إلى سنوات سابقة. ففي جانفي 2023، صدرت كذلك أحكام ثقيلة في قضية شملت الإخوة عيسيو ومجموعة شركات، مع اتهامات تضمنت مخالفة تشريع الصرف وحركة رؤوس الأموال، وتبييض الأموال، واستغلال التسهيلات المرتبطة بالنشاط التجاري، وإخفاء عائدات فساد، إلى جانب وقائع أخرى عرضتها النيابة أثناء المحاكمة.
وفي الملف الذي أكد مجلس القضاء أحكامه في مارس 2026، قالت التحقيقات إن شركات مرتبطة بالإخوة عيسيو استُخدمت، وفق الاتهام، لتحريك أموال ناتجة عن بيع معدات وأصول، من بينها تجهيزات مصنع للحديد في المسيلة ومعدات منشأة بأولاد شبل وتجهيزات لقناة «الجزائرية وان»، وإن قيمة الأموال محل التحويل أو الاختلاس تجاوزت 200 مليار سنتيم.
هذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن إسقاطها من السرد ثم تقديم صاحب الملف على أنه سُجن فقط لأنه انتقد الحكومة.
إضافة إلى ذلك، ظهر اسم عيسيو في قضية عقارية منفصلة مرتبطة بإقامة Jumeirah Building في القليعة. ووفق ما عرض خلال المحاكمة، دفع نحو ستين مكتتبًا أموالًا وقروضًا بلغت إجمالًا 1.73 مليار دينار، أي 173 مليار سنتيم، في مشروع قالت تقارير الجلسة إنه لم ينجز، فيما قيل أمام المحكمة إن المبلغ حُوِّل إلى العملة الصعبة عبر السوق الموازية ثم خرج إلى الخارج.
النتيجة ليست مجرد قائمة اتهامات. إنها ترسم الخلفية المالية التي يصبح معها استرداد عيسيو مهمًا للقضاء الجزائري لأسباب تتجاوز تنفيذ حكم حبس: التحقيق معه مباشرة في مسارات المال، ومن وقع، ومن استلم، وأين ذهبت الأصول، ومن بقي يديرها بعد مغادرته الجزائر.
وهذا بالتحديد هو الجانب الذي تكاد عريضة باريس تمحوه بالكامل
فرنسا.. حيث توجد الشركات وحيث يصبح التوقيع مفتاحًا
تكشف السجلات التجارية الفرنسية أن وجود عيسيو في فرنسا لم يقتصر على الإقامة.
حتى أوت 2026، تربطه قواعد البيانات الرسمية بأربع شركات رئيسية: REAL INVEST CORP، وONE INVEST CORP، وMY & DA، وSCI Les Jasmins، وهي كيانات تتحرك أساسًا في أنشطة الشركات القابضة والخدمات المالية والعقار. ويظهر عيسيو مسيرًا وشريكًا في REAL INVEST CORP، ورئيسًا لـONE INVEST CORP، ومسيرًا لـMY & DA، مع ارتباط بـSCI Les Jasmins.
وREAL INVEST CORP، التي يبلغ رأسمالها 100 ألف يورو، تظهر عيسيو مديرًا وشريكًا فيها منذ 2022 إلى جانب ياسمين عيسيو وبشير ولد زميرلي وكيان آخر. كما كانت الشركة مرتبطة بفندق Atelier Montparnasse Hotel في باريس، وقد ظهرت وثيقة محاسبية فرنسية مؤرخة في نوفمبر 2024 وموقعة باسم أيوب عيسيو نيابة عن REAL INVEST CORP بصفته رئيسًا، في قرار يتعلق بنتيجة مالية قدرها نحو 241.8 ألف يورو.
أما ONE INVEST CORP، التي يظهر عيسيو رئيسًا لها، فقد دخلت التصفية القضائية في مارس 2026، مع تحديد تاريخ التوقف عن الدفع في سبتمبر 2024.
هذه المعطيات تثبت شيئًا مهمًا: عيسيو كان ولا يزال، في سجلات فرنسية، صاحب صفات قانونية تسمح له بالإدارة والتوقيع داخل كيانات بعينها. لكنها لا تكشف أرصدة حساباته المصرفية ولا المستفيد الحقيقي من كل أصل.
وهنا تقع أكثر نقطة حساسية في المعلومات المحيطة بالملف.
فالمعطيات التي جرى تداولها بشأن شبكة عيسيو تتحدث عن أن وجوده وتوقيعه ضروريان لتحريك جانب من الثروة والأصول الموجودة في فرنسا، وأن إبقاءه خارج قبضة القضاء الجزائري يسمح بإعادة ترتيب هذه الأموال ونقل جزء منها إلى المغرب. كما تتحدث المعطيات نفسها عن تفاهم محتمل يقوم على الحماية مقابل التنازل عن أصول أو منح مصالح مالية لوسطاء أو أطراف مرتبطة بدوائر مؤيدة لإسرائيل.
هذه المعطيات شديدة الخطورة، لكنها لم تتحول بعد إلى حقيقة مصرفية قابلة للإثبات في المصادر المفتوحة التي راجعتها: لا توجد حتى الآن كشوف بنكية منشورة تثبت أن عيسيو هو الموقع الوحيد على جميع حساباته، ولا عقد منشور يثبت تعهده بمنح ثروته لدوائر صهيونية مقابل حمايته، ولا أمر تحويل منشور من بنك فرنسي إلى المغرب.
لكن غياب الوثيقة العلنية لا يجعل المسار المالي هامشيًا؛ العكس هو الصحيح. إنه يحدد بدقة ما ينبغي أن يبحث عنه التحقيق الجزائري والدولي: التوكيلات، الموقّعون، المستفيدون الفعليون، التحويلات التي تمت بعد مغادرته الجزائر، أي تغييرات طرأت على هياكل الشركات، وأي نقل لأصول جرى بعد صدور الأحكام أو مذكرة التوقيف.
فإذا ثبت أن توقيع عيسيو ضروري فعلًا لتحريك أصول محددة، يصبح منع وصوله إلى الجزائر مرتبطًا موضوعيًا كذلك ببقاء مفتاح التصرف في المال خارج يد القضاء الجزائري.
وإذا ثبت وجود تحويلات إلى المغرب أو إعادة توزيع للأصول تحت ضغط توقيفه، سينتقل الملف من قضية تسليم فرد إلى تحقيق عابر للحدود في تهريب وإخفاء الثروة.
المغرب يظهر في الطريق.. لا في الهامش
يزداد هذا المحور أهمية لأن عيسيو لم يوقف في إسبانيا قادمًا من فرنسا، وإنما من الدار البيضاء. وهذه الواقعة مثبتة في مصادر إسبانية وكذلك على موقع لجنة الدفاع عنه.
لا تثبت الرحلة وحدها أن المغرب كان قاعدة لحماية أمواله أو لترتيب لجوئه، لكن ربطها بالمعلومات المتداولة حول نقل أصول من فرنسا إلى المغرب يجعل التحقيق في المسار المغربي مشروعًا وضروريًا.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال ماليًا قبل أن يكون سياسيًا: هل توجد شركات مغربية مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة به؟ هل جرى نقل حصص أو عقارات أو أموال؟ هل أنشئت توكيلات جديدة؟ هل دخل وسطاء مغاربة إلى الهياكل المالية بعد بدء الملاحقات الجزائرية؟
حتى الآن، لم أعثر في السجلات المفتوحة على دليل يكفي للجزم بأن ثروته حُولت فعليًا إلى المغرب. ولذلك فإن تقديم ذلك كأمر واقع سيكون أضعف من بناء التحقيق على ما يمكن إثباته: توقيفه قادمًا من الدار البيضاء، وجود أصول وشركات في فرنسا، ملفات قضائية تتعلق أصلًا بتحويل المال إلى الخارج، ثم معلومات بحاجة إلى توثيق عن محاولة إعادة تموضع الثروة في المغرب.
هذه الحلقة، إذا دعمتها وثائق مصرفية لاحقًا، قد تصبح أهم بكثير من حملة Le JDD نفسها.
من هم الذين خرجوا فجأة لإنقاذه؟
في هذا التوقيت بالذات جاءت الرسالة المفتوحة.
المبادر بها هو دانيال سالفاتور شيفر، وبـ«تعاون نشط» من ماريك هالتر وحسن شلغومي، ووقعها عشرون اسمًا، بينهم باسكال بروكنر وإيلي شوراكي وأرنو كلارسفيلد وبرنار كوشنر وميكائيل برازان وبوعلام صنصال. ومطلبها ليس غامضًا: منع تسليم عيسيو إلى الجزائر وإطلاق سراحه كي يعود إلى فرنسا.
القائمة لا تحتاج إلى فحص أديان أصحابها حتى تظهر شبكة التقاطعات السياسية؛ السجل العلني كافٍ.
حسن شلغومي استُقبل رسميًا من لجنة العلاقات مع المسلمين في CRIF، وشارك في مؤتمر المجلس سنة 2025. ماريك هالتر استضافه «أصدقاء CRIF» في لقاء خاص، كما كان حاضرًا في جناح المجلس بمعرض باريس للكتاب في 2026 إلى جانب ميكائيل برازان.
أما بوعلام صنصال، فقد سبق أن استضافه «أصدقاء CRIF» في مؤتمر مخصص له سنة 2022، ثم تبنى المجلس نفسه لاحقًا بصورة علنية الدعوة إلى إطلاق سراحه عندما كان مسجونًا في الجزائر.
وهذا لا يثبت أن CRIF هو الذي نظم حملة عيسيو؛ العريضة نفسها تنسب المبادرة إلى شيفر وهالتر وشلغومي، ولا يظهر المجلس جهة موقعة. لكن من المستحيل أيضًا تجاهل أن مجموعة مؤثرة من الموقعين تتحرك داخل فضاء سياسي وإعلامي فرنسي مؤيد بقوة لإسرائيل أو قريب من مؤسساته.
وهنا يطرح السؤال نفسه بصورة أكثر صلابة: لماذا تدخل هذا الوسط تحديدًا في قضية رجل مطلوب من الجزائر في ملفات مالية؟
العريضة لا تقدم إجابة مقنعة لأنها تتجاوز جوهر الملف بدل مواجهته. فهي لا تقول: «الرجل متهم بالتزوير وتبييض الأموال لكننا نعتقد أن الاتهامات سياسية». بل تعيد كتابة القصة من البداية على أن خطيئته هي انتقاد النظام.
هذا ليس فارقًا أسلوبيًا؛ إنه تغيير للصفة القضائية.
وحتى المنصة الإعلامية لها وزن سياسي
اختيار Le Journal du Dimanche لنشر الرسالة يمنح الحملة قدرة تأثير أكبر.
فالصحيفة مملوكة ضمن Lagardère News، التي تقع داخل Louis Hachette Group. ويشير Le Monde صراحة إلى أن Le JDD من وسائل الإعلام التي يسيطر عليها فانسان بولوريه من خلال هذه البنية، فيما يؤكد موقع مجموعة بولوريه نفسه أن Lagardère News تضم Le Journal du Dimanche وJDNews وJDMag.
هذا لا يعني أن بولوريه أمر بنشر عريضة عيسيو؛ لا توجد وثيقة تثبت ذلك. لكنه يعني أن الملف وجد بسرعة منفذًا إلى منظومة إعلامية فرنسية ذات نفوذ سياسي واسع.
وبذلك تكاملت ثلاثة خطوط ضغط: محامون يطعنون أمام القضاء الإسباني، لجنة دعم تبني خطاب «المعارض المضطهد»، ثم شخصيات فرنسية ذات نفوذ تحاول نقل الملف مباشرة إلى ماكرون وسانشيز.
بل إن موقع لجنة الدعم يقول صراحة إن «الصمت يساعد التسليم، والظهور يحمي»، وهي عبارة تلخص الاستراتيجية: رفع الكلفة الإعلامية والسياسية على إسبانيا إذا قررت المحكمة قبول الطلب الجزائري
الصهيونية كشبكة مصالح.. لا كذريعة لإغلاق الملف
الأسئلة هنا لا تتعلق بدين الموقعين. تتعلق بمصالحهم ومواقفهم وصلاتهم.
فحين تتجمع شخصيات دافعت عن إسرائيل في أكثر من محطة، وتنشط داخل الفضاء الذي يمثله CRIF أو قريبًا منه، لتطالب حكومتين أوروبيتين بمنع تسليم مطلوب إلى الجزائر، فإن من حق الجزائر أن تسأل عما يجمع هذه الحملة.
هل هو الدفاع المجرد عن الحريات؟
إذا كان الأمر كذلك، لماذا حذف البعد المالي بالكامل تقريبًا من سردية العريضة؟
ولماذا لا تقول الرسالة للقارئ الفرنسي إن الرجل محكوم في قضايا مالية وإن هناك طلب تسليم قائمًا على اتهامات بالتزوير وغسل الأموال، ثم تضيف أن الموقعين يشككون فيها؟
لماذا تُلغى القضية المالية من البداية؟
لأن الاعتراف بها يضعف الصورة الجديدة التي يراد بناؤها للرجل.
إنها عملية تطهير سياسي للهوية القضائية: المطلوب يصبح معارضًا، الأحكام تصبح انتقامًا، الأموال تختفي من السرد، والمطالبة بالتسليم تتحول إلى اضطهاد.
وهذا بالضبط هو الدور الذي تلعبه شبكات الضغط حين تحاول تغيير إدراك الرأي العام قبل أن يتغير الواقع القانوني.
لماذا تخاف الحملة من القضاء الجزائري؟
إذا كان عيسيو بريئًا تمامًا كما تصوره الرسالة، فهناك طريق بسيط: يقدم دفاعه وثائقه أمام القضاء الإسباني، والطعن في التسليم يتم وفق القانون، والمحكمة تقرر.
لكن الحملة اختارت الضغط السياسي والإعلامي.
وهذا يفتح السؤال الحقيقي: هل الخوف من الحكم أم من التحقيق؟
فالحكم معروف في بعض الملفات.
أما التحقيق المباشر مع الرجل فقد يفتح أبوابًا أخرى.
من أين جاءت الأموال؟
إلى أين خرجت؟
من ساعد على تحويلها؟
ما البنوك التي استقبلتها؟
ما الشركات التي أخفت المستفيد الحقيقي؟
من وقع التوكيلات؟
من يملك العقارات؟
من هم الوسطاء؟
هل انتقلت أصول إلى المغرب؟
هل جرى تغيير الملكيات بعد بدء المتابعات؟
ومن المستفيد إذا تعذر على عيسيو العودة والتصرف فيها بنفسه؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تجعل رجوع الرجل إلى الجزائر مصدر قلق لأي شخص تتقاطع مصالحه مع المال الذي يحمله الملف.
وهذا أيضًا ما يجعل معلومة «المخول الوحيد بالتوقيع» شديدة الأهمية. فإذا أثبت التحقيق المالي أن عيسيو هو فعلًا صاحب التوقيع المنفرد الضروري لتحريك أصول بعينها، فإن ملف التسليم يكتسب بعدًا ماليًا جديدًا: منع وصوله إلى الجزائر يصبح كذلك إبقاء مفتاح الأموال خارج يد القضاء الجزائري.
وإذا أثبتت الوثائق أن أموالًا تحركت باتجاه المغرب أو أن توكيلات أعيدت صياغتها بعد توقيفه، فسيتعين حينها السؤال عمن كان يستعد لاستقبالها ولماذا.
فرنسا وإسبانيا أمام اختبار السيادة القضائية الجزائرية
في النهاية، الجزائر لا تطالب بإرسال فرقة أمنية إلى باريس أو مدريد لاعتقال الرجل.
قدمت طلب تسليم وفق مسار قضائي.
إسبانيا هي التي أوقفته.
قاضيها هو الذي أبقاه رهن الحبس.
ومحكمتها هي التي ستفحص الملف.
فمن الذي يحاول إذن تسييس القضية؟
الجزائر التي لجأت إلى اتفاقات التعاون القضائي، أم الشخصيات التي تطلب من ماكرون وسانشيز التدخل لمنع التسليم قبل أن ينهي القضاء الإسباني عمله؟
هذه هي المفارقة التي ينبغي قلبها في وجه الحملة.
الضغط على مدريد ليس دفاعًا عن استقلال القضاء؛ إنه محاولة لخلق كلفة سياسية على أي قرار يفضي إلى عودة عيسيو.
والضغط على باريس له وظيفة أخرى: تثبيت فرنسا بوصفها مظلة سياسية وقانونية للرجل، وإبقاء أمواله وشركاته وأصوله بعيدًا قدر الإمكان عن يد القضاء الجزائري.
وهنا يصبح الملف اختبارًا أيضًا لفرنسا. هل ستتعاون في استرداد الأصول إذا قدمت الجزائر أدلة قضائية كاملة؟ أم ستتحول مرة أخرى إلى ملجأ للأموال والأشخاص الذين راكموا الثروة خلال المرحلة التي تسميها الجزائر «زمن العصابة»؟













