بوابة الجزائر الإخبارية : تزامنا مع بروز دور الجزائر المتنامي في محيطها الاقليمي أعادت مدريد توجيه بوصلتها نحو الجزائر، وبدعوة من الملك الإسباني فيليبي السادس ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز أكدت وسائل إعلام إسبانية، من بينها صحيفة «إل إندبندينتي»، أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سيجري خلال أكتوبر المقبل زيارة دولة إلى إسبانيا في محطة يُنتظر أن تشكل تتويجًا لمسار استعادة العلاقات الثنائية عقب سنوات من القطيعة السياسية والتوتر.
وتأتي الزيارة في سياق عودة الدفء إلى العلاقات الجزائرية الإسبانية،والتي تُوّجت بزيارة العمل والصداقة التي أجراها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو الماضي. وأكد سانشيز خلال الزيارة أن مدريد تنظر إلى الجزائر باعتبارها «شريكًا استراتيجيًا وصديقًا عزيزًا»، مشددًا على أن الزيارة تجسد “الإرادة الراسخة في تعميق هذه الصداقة وتوسيع التعاون الثنائي الذي يتوجه نحو المستقبل”.
ومن المنتظر انعقاد الاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني الثامن في أكتوبرالمقبل ، الذي يعد الأول من نوعه منذ عام 2018.، وتشكل هذه المحطة الإطار المؤسساتي الرئيسي لمسار التقارب الجاري بين البلدين.
وكان الرئيس تبون قد أكد عقب محادثات جمعته مع سانشيز أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر تمثل محطة جوهرية ومهمة في التحضير للدورة الثامنة للاجتماع الجزائري الإسباني رفيع المستوى، المزمع عقدها خلال شهر أكتوبر المقبل، وتعكس الإرادة السياسية المشتركة لإعطاء الدفع اللازم لشراكة جزائرية إسبانية ذات منافع مؤكدة للبلدين الصديقين
زيارة تبون إلى مدريد لا تبدو مجرد محطة دبلوماسية بروتوكولية، بل تحمل دلالة سياسية واقتصادية أوسع، باعتبارها تتويجًا لمسار ذوبان الجليد بين البلدين بعد أزمة عميقة اندلعت إثر التحول المفاجئ في موقف حكومة سانشيز من قضية الصحراء الغربية.
فعقب دعم مدريد لخطة المغرب للحكم الذاتي المزعومة في الصحراء الغربية ، تم تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، ودخلت العلاقات الثنائية مرحلة من الجمود السياسي والتوتر الاقتصادي. لكن المشهد تغير تدريجيًا، لتعود الاتصالات رفيعة المستوى بين البلدين، وصولًا إلى التحضير لعقد الاجتماع الحكومي المشترك وزيارة الرئيس تبون المرتقبة.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي والاستراتيجي للجزائر بالنسبة إلى إسبانيا، ولا سيما في قطاع الطاقة. فالجزائر لا تزال موردًا رئيسيًا للغاز إلى السوق الإسبانية، فيما تسعى مدريد إلى توسيع تعاونها مع الجزائر في مجالات الطاقة والطاقات المتجددة، في وقت تعيد فيه أوروبا ترتيب أمنها الطاقوي وتبحث عن شراكات أكثر استقرارًا على الضفة الجنوبية للمتوسط.
لكن الرهان لم يعد محصورًا في الغاز. فعودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي تفتح الباب أمام توسيع التعاون ليشمل الاستثمارات، والطاقة المتجددة، والأمن، والهجرة، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، والتعاون القضائي.
مدريد تعيد حساباتها في المغرب العربي
وتأتي عودة التقارب الجزائري الإسباني في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى مدريد، التي شهدت علاقاتها مع الرباط خلال الفترة الأخيرة توترات متزايدة، رغم أن التقارب مع المغرب شكل منذ عام 2022 أحد أبرز مرتكزات السياسة الإسبانية في منطقة المغرب العربي.
قد تكرّس زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى إسبانيا عودة العلاقات بين الجزائر ومدريد إلى مسارها البراغماتي، من دون أن تعني بالضرورة طيّ الخلافات القائمة، وفي مقدمتها الموقف من قضية الصحراء الغربية. وبالنسبة إلى مدريد، تمثل الزيارة فرصة لتحويل التقارب الذي بدأ مع الجزائر إلى شراكة أكثر استدامة، في وقت تدخل فيه علاقاتها مع المغرب مرحلة جديدة من التوتر و التصعيد.
ويأتي الانفتاح الإسباني على الجزائر في ظرف تشهد فيه العلاقات بين مدريد والرباط اضطرابات متنامية، ترافقت مع تصاعد التحذيرات الصادرة عن مسؤولين إسبان تجاه المغرب. فقد باتت مدريد تنتقد بصورة أكثر وضوحًا ما تعتبره ممارسات مزعزعة للاستقرار وتوظيفًا لملفات حساسة في الضغط على إسبانيا، في حين وجّه مسؤولون إسبان رسائل صريحة مفادها أن أي تحرك يستهدف المصالح الإسبانية لن يمر من دون رد.
وبذلك، باتت مدريد أمام تحدي يرتبط بمدى استعدادها لإعادة ترتيب أولوياتها والدفاع بصورة أكثر صرامة عن مصالحها، خصوصًا في مواجهة ضغوظ واستفزازات متكررة من الجانب المغربي
























