بوابة الجزائر الإخبارية: 49.6% من تجارة الجزائر الخارجية استحوذ عليها الاتحاد الأوروبي خلال 2025، بينما بلغت حصة الجزائر نحو 12% من واردات الغاز الأوروبية في الربع الأول من 2026، في مؤشرين يكشفان حجم الترابط الاقتصادي والطاقوي الذي دفع العواصم الأوروبية إلى إدراك أن تجاوز الجزائر أصبح شبه مستحيل في ملفات الطاقة وأمن الساحل والهجرة.

هذا التحول هو الخلاصة الأساسية لتحليل نشرته منصة «TRT Français» التركية، في 11 سبتمبر 2026، بشأن استئناف الحوار بين الجزائر وفرنسا بعد واحدة من أشد الأزمات الدبلوماسية بين البلدين. ويرى التحليل أن التقارب الجاري لا يرتبط بملف الذاكرة وحده، بل يعكس إعادة تشكيل لموازين القوة في المتوسط والساحل تحت ضغط الحروب واضطراب إمدادات الطاقة وتراجع النفوذ الغربي في إفريقيا.
وبحسب المنصة، تحولت الجزائر إلى فاعل إقليمي لا غنى عنه بفضل اجتماع أربعة عناصر استراتيجية: احتياطات وإمكانات كبيرة من النفط والغاز، وموقع جغرافي يربط المتوسط بإفريقيا، واستقرار مؤسساتي وسط محيط مضطرب، وخبرة دبلوماسية وأمنية تراكمت عبر عقود من التعامل مع أزمات الساحل ومكافحة الإرهاب.
ثلاث أوراق تعيد أوروبا إلى الجزائر
تأتي الطاقة في مقدمة العوامل التي رفعت القيمة الاستراتيجية للجزائر. فقد قلّص الاتحاد الأوروبي اعتماده على الغاز الروسي بصورة حادة منذ بداية الحرب في أوكرانيا، لكن التخلص من تلك الإمدادات خلق فجوة لا يمكن سدها من دون موردين قريبين وموثوقين.
وتراجعت حصة روسيا من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب من نحو 40% في 2021 إلى قرابة 6% في 2025. أما عند جمع الغاز المنقول بالأنابيب والغاز الطبيعي المسال، فقد انخفضت الحصة الروسية من 45% قبل الحرب إلى نحو 12%، وفق بيانات المؤسسات الأوروبية.
وتوضح هذه الأرقام أن نسبة 8% التي أوردها تحليل «TRT Français» تعبر عن الاتجاه العام لتراجع الغاز الروسي، بينما تختلف القيمة الدقيقة بحسب الفترة وطريقة الاحتساب ونوع الإمدادات المشمولة.
وفي المقابل، تقدمت الجزائر داخل مزيج الإمدادات الأوروبية، مستفيدة من بنيتها التحتية القائمة وقربها الجغرافي. وتشمل هذه المنظومة خط «ترانسميد» الذي ينقل الغاز إلى إيطاليا عبر تونس، وخط «ميدغاز» المباشر نحو إسبانيا، إلى جانب منشآت تسييل الغاز في أرزيو وسكيكدة التي تمنح سوناطراك مرونة في توجيه الشحنات إلى أسواق متعددة.
وبلغت حصة الجزائر نحو 12% من إجمالي واردات الغاز الأوروبية خلال الربع الأول من 2026، ما وضعها ضمن أكبر موردي القارة. كما ظلت من أبرز مصادر الغاز المنقول عبر الأنابيب، إلى جانب النرويج وروسيا وأذربيجان وليبيا والمملكة المتحدة.
وتكتسب هذه الحصة وزنًا إضافيًا مع استعداد الاتحاد الأوروبي لإنهاء واردات الغاز الروسي تدريجيًا بحلول 2027، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغاز في مركز التداول الهولندي «TTF» إلى نحو 75 يورو للميغاواط ساعة، أي أكثر من ضعف مستوياتها المسجلة قبل عام.
وحذرت محكمة المدققين الأوروبية، في تقرير صدر يوم 9 سبتمبر 2026، من أن خطة الاستغناء عن الطاقة الروسية لا تزال تواجه ثغرات استثمارية ولوجستية. فالاتحاد قدّر احتياجات تنفيذ خطة «REPowerEU» بنحو 300 مليار يورو، بينما لم تتجاوز الأموال الملتزم بها فعليًا 54.3 مليار يورو.
ويعني ذلك أن أوروبا لا تحتاج إلى الغاز الجزائري بصفته بديلًا ظرفيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من أمنها الطاقوي طويل الأجل. فالجزائر تملك منشآت موجودة فعلًا وعقودًا مستقرة وخطوطًا مباشرة، ولا تحتاج إلى إنشاء مسارات توريد جديدة من الصفر.

باريس تعود إلى الحوار بعد أزمة استمرت منذ 2024
تتزامن هذه التحولات الطاقوية مع استئناف حذر للعلاقات الجزائرية–الفرنسية. وكانت الأزمة قد بدأت في جويلية 2024، عندما انحازت باريس رسميًا إلى المقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية، رغم تمسك الجزائر بمسار الأمم المتحدة وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وردت الجزائر بسحب سفيرها لدى فرنسا، قبل أن تتوسع الأزمة إلى ملفات الهجرة والتأشيرات والتعاون القنصلي والقضائي والأمني، إضافة إلى الخلافات التاريخية المرتبطة بجرائم الاستعمار الفرنسي.
وفي أفريل 2025، بلغت العلاقات مستوى جديدًا من التصعيد بعد طرد متبادل لـ24 موظفًا دبلوماسيًا، بواقع 12 من كل جانب، خلال 48 ساعة. كما تعثرت محاولات سابقة لإعادة التعاون بسبب استمرار الخلافات بشأن الصحراء الغربية والهجرة وعدد من الملفات القضائية.
غير أن سنة 2026 سجلت انعطافًا تدريجيًا. فقد زار وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز الجزائر يومي 16 و17 فيفري، والتقى الرئيس عبد المجيد تبون ومسؤولين جزائريين، في أول خطوة عملية لإعادة تشغيل التعاون الأمني والهجرة.
وفي 8 ماي، أعلنت باريس عودة سفيرها ستيفان روماتيه إلى ممارسة مهامه في الجزائر بعد غياب استمر أكثر من عام. وتزامن ذلك مع زيارة الوزيرة الفرنسية المنتدبة المكلفة بالقوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى سطيف والجزائر العاصمة.
وتواصل المسار بزيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان يومي 17 و18 ماي، والتي ركزت على التعاون القضائي وتسليم المطلوبين واسترجاع الممتلكات والأموال غير المشروعة. وفي 1 و2 جوان، انتقل وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل الجزائري سعيد سعيود إلى باريس لمواصلة المحادثات.
وأكدت الخارجية الفرنسية أن هذه اللقاءات رمت إلى استعادة التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك. غير أن عودة القنوات لا تعني انتهاء الخلافات أو تنازل الجزائر عن مطالبها، بل تعكس اقتناع باريس بأن إبقاء العلاقات مجمدة يهدد مصالحها الأمنية والاقتصادية.

الساحل يحول الجزائر إلى ضرورة أمنية
لا تنفصل عودة باريس عن التحولات العميقة في منطقة الساحل. فقد أدت الانقلابات المتعاقبة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب انسحاب القوات الفرنسية وتصاعد الحضور الروسي والصيني والتركي، إلى انهيار جزء كبير من منظومة النفوذ الغربي التقليدية.
وفي هذا المحيط، تمتلك الجزائر أطول حدود برية في إفريقيا وامتدادًا مباشرًا نحو مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا. كما تملك خبرة أمنية في مكافحة الإرهاب وشبكات التهريب، إضافة إلى علاقات تاريخية مع دول وشعوب المنطقة.
ويرى تحليل «TRT Français» أن تعثر المقاربات التدخلية الغربية أعاد الاعتبار إلى العقيدة الجزائرية القائمة على احترام سيادة الدول ورفض تغيير الأنظمة من الخارج والبحث عن تسويات سياسية تفاوضية.
وتحمل هذه المقاربة قيمة اقتصادية مباشرة؛ لأن اضطراب الساحل يهدد مشروعات استراتيجية عابرة للحدود، في مقدمتها أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، والطريق العابر للصحراء، وشبكات الألياف البصرية وممرات التجارة المرتبطة بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
كما يؤدي اتساع النشاط المسلح إلى تعطيل الاستثمارات وزيادة الهجرة غير النظامية ورفع كلفة النقل والتأمين. ولذلك أصبح التعاون مع الجزائر ضرورة أوروبية لحماية الحدود الجنوبية للمتوسط ومعالجة الضغوط قبل انتقالها إلى السواحل الأوروبية.

نصف تجارة الجزائر مع أوروبا ولكن ميزان القوة تغير
تؤكد بيانات المفوضية الأوروبية عمق المصالح الاقتصادية بين الطرفين؛ إذ استحوذ الاتحاد الأوروبي على 49.6% من إجمالي تجارة الجزائر الخارجية خلال 2025، وظل شريكها التجاري الأول، بينما جاءت الجزائر في المرتبة الـ26 بين شركاء الاتحاد.
وتتركز الصادرات الجزائرية إلى السوق الأوروبية في الغاز والنفط الخام والمنتجات النفطية والأسمدة، بينما تشمل الواردات من أوروبا الآلات والمعدات الصناعية ووسائل النقل والمنتجات الصيدلانية والسلع الوسيطة.
ولا يعني اعتماد الجزائر على السوق الأوروبية أن ميزان التفاوض يميل تلقائيًا إلى بروكسل. فالدول الأوروبية تحتاج بدورها إلى موارد طاقوية قريبة ومستقرة، في وقت تتصاعد فيه المخاطر المرتبطة بروسيا والشرق الأوسط ومضيق هرمز.
كما نجحت الجزائر في تنويع شراكاتها مع إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وتركيا والصين والولايات المتحدة، بالتوازي مع توسيع حضور شركاتها في إفريقيا وفتح أسواق جديدة أمام منتجاتها الطاقوية في آسيا.
وأظهرت التحركات الجزائرية خلال 2026 أن سوناطراك لم تعد تحصر توسعها في الأسواق التقليدية. فقد فتحت محادثات بشأن إمدادات مستقبلية مع ألمانيا وسلوفاكيا وبنغلاديش، كما عززت صادرات النافثا وغاز البترول المميع نحو كوريا الجنوبية والهند.
وبالتالي، فإن العلاقات مع فرنسا لم تعد البوابة الوحيدة لانفتاح الجزائر على أوروبا والعالم. وهذا التنويع يمنح الدولة الجزائرية هامشًا أوسع للتفاوض، ويقلص قدرة أي عاصمة منفردة على استخدام التجارة أو الاستثمار أداة للضغط السياسي.
الذاكرة خارج المقايضة الاقتصادية
ورغم عودة الحوار، يظل ملف الذاكرة حاضرًا بقوة. فالجزائر لا تفصل علاقاتها مع فرنسا عن مسؤولية الاستعمار الذي استمر 132 سنة، وعن الجرائم المرتكبة خلال الاحتلال وحرب التحرير بين 1954 و1962.
غير أن إدارة هذا الملف تقوم على مسارين متوازيين: التمسك بالحقوق التاريخية وعدم السماح بطمس الجرائم الاستعمارية، ومواصلة التعاون في المجالات الاقتصادية والطاقوية والجامعية والأمنية عندما يخدم المصالح الجزائرية.
ويعكس ذلك انتقال الجزائر إلى سياسة خارجية أكثر ثقة في مواردها وموقعها وقدرتها على تنويع شركائها. فهي لا تغلق باب الحوار مع باريس، لكنها ترفض أن يكون التعاون بديلًا عن الندية أو ثمنًا للتنازل عن السيادة والذاكرة والمواقف الإقليمية.
وتخلص قراءة «TRT Français» إلى أن الحروب الدولية وتراجع الإمدادات الروسية وأزمات الساحل والهجرة أعادت تشكيل الطريقة التي تنظر بها أوروبا إلى الجزائر. فلم تعد الأخيرة مجرد شريك في الضفة الجنوبية للمتوسط، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في أمن القارة واستقرار جوارها وتزويد صناعاتها بالطاقة.
وعليه، لا تتمثل المسألة اليوم في رغبة فرنسا أو أوروبا في التعاون مع الجزائر، وإنما في الكلفة الاقتصادية والأمنية التي قد تترتب على محاولة تجاوزها. فالغاز، واستقرار الساحل، والهجرة، وممرات التجارة والطاقة الإفريقية، باتت ملفات تجعل الجزائر شريكًا محوريًا لا يمكن بناء استراتيجية أوروبية متماسكة من دونه
























