بوابة الجزائر الإخبارية: 6.78 مليار يورو بلغ حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا خلال النصف الأول من 2026، فيما قفزت صادرات الآلات والمعدات الإيطالية إلى السوق الجزائرية بنسبة 52.6%، في مؤشر على انتقال الشراكة من معادلة الغاز مقابل السلع إلى تمويل مباشر لتحديث القاعدة الإنتاجية الجزائرية.

وأظهرت بيانات «يوروستات» التي عالجتها الوكالة الإيطالية للتجارة «ICE» واطلعت عليها وكالة «نوفا» أن الصادرات الإيطالية إلى الجزائر ارتفعت 7.5% على أساس سنوي، لتبلغ 1.56 مليار يورو بين جانفي وجوان 2026.
في المقابل، بلغت الواردات الإيطالية من الجزائر 5.22 مليارات يورو، بانخفاض محدود قدره 4.8% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مع احتفاظ الغاز الطبيعي بموقعه أكبر سلعة تشتريها روما من السوق الجزائرية.
وبهذه النتائج، حققت الجزائر فائضًا تجاريًا مع إيطاليا يناهز 3.66 مليارات يورو خلال ستة أشهر، فيما غطت صادراتها أكثر من 3.3 مرات قيمة مشترياتها من المنتجات الإيطالية.
كما استحوذت السلع الجزائرية على قرابة 77% من إجمالي المبادلات الثنائية، مقابل نحو 23% للصادرات الإيطالية، ما يعكس الثقل الذي تحمله الجزائر داخل أمن الطاقة والميزان التجاري الإيطالي.
الغاز الجزائري يؤمّن 82% من مشتريات إيطاليا
استحوذ الغاز الطبيعي على أكثر من 4.3 مليارات يورو، أي ما يزيد على 82% من إجمالي واردات إيطاليا من الجزائر خلال النصف الأول من 2026.
وظلت قيمة مشتريات الغاز مستقرة تقريبًا، مسجلة انخفاضًا طفيفًا لا يتجاوز 0.06% على أساس سنوي. ويعني ذلك أن التراجع المسجل في إجمالي الواردات الإيطالية لم يمس جوهر العلاقة الطاقوية ولا المكانة المركزية للجزائر داخل منظومة الإمداد الإيطالية.
وجاءت المنتجات الناتجة عن تكرير النفط في المركز الثاني بقيمة 442 مليون يورو، بانخفاض 0.05%، ثم النفط الخام بقيمة 327 مليون يورو، متراجعًا 0.7%.
وبجمع الغاز الطبيعي والنفط الخام والمنتجات المكررة، بلغت قيمة مشتريات الطاقة الإيطالية من الجزائر نحو 5.07 مليارات يورو، بما يعادل أكثر من 97% من إجمالي وارداتها من السوق الجزائرية.
كما مثل الغاز الجزائري وحده نحو 63.4% من إجمالي التجارة بين البلدين خلال الفترة، وهو رقم يوضح أن الجزائر لا تزال تحمل الجزء الأثقل من أمن الطاقة الإيطالي.
ولا تقتصر أهمية الجزائر على قيمة التدفقات، بل تشمل طبيعة الإمدادات؛ إذ يصل الغاز مباشرة إلى إيطاليا عبر أنبوب «ترانسميد»، من الحقول الجزائرية مرورًا بتونس وقناة صقلية، ما يمنح روما مصدرًا قريبًا ومستقرًا وأقل تعرضًا لتقلبات سوق الغاز الطبيعي المسال.
وكانت إيطاليا قد استوردت نحو 20.1 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري خلال 2025، وفق تحليل سابق لوكالة «نوفا» استند إلى بيانات القطاع، بما رسخ الجزائر ضمن كبار الموردين للسوق الإيطالية.
وتكشف استمرارية التدفقات أن الشراكة التي قادها الرئيس عبد المجيد تبون لم تُبنَ على استغلال ظرفي لأزمة الغاز الأوروبية، بل على تثبيت الجزائر موردًا سياديًا وموثوقًا داخل البنية الطاقوية للضفة الشمالية للمتوسط.
الآلات تستحوذ على 40% من صادرات إيطاليا إلى الجزائر
في الاتجاه المقابل، تصدرت الآلات والمعدات قائمة الصادرات الإيطالية إلى الجزائر بقيمة تقارب 650 مليون يورو، مستحوذة على أكثر من 40% من إجمالي المبيعات الإيطالية.
وسجل القطاع نموًا سنويًا قدره 52.6%، بينما ارتفعت صادرات الآلات ذات الاستخدام العام بنسبة 154.5% إلى 280 مليون يورو.
وتشمل هذه الفئة التوربينات والمضخات والضواغط والمعدات الهيدروليكية، وهي تجهيزات ترتبط مباشرة بمشروعات الصناعة والطاقة والمياه وتحديث المنشآت الإنتاجية.
كما بلغت صادرات الفئة الأخرى من الآلات العامة 186 مليون يورو، بزيادة 29.1%. وتضم معدات الرفع والمناولة والتعبئة والتغليف، إضافة إلى التجهيزات المستخدمة في الصناعات الكيميائية والبتروكيماوية.
ووصلت صادرات الآلات المخصصة للاستعمالات الخاصة إلى 159 مليون يورو، مرتفعة 10.8%، وتشمل معدات الورشات والمحاجر والصناعات الغذائية وتحويل البلاستيك والطباعة.
وتوضح هذه التركيبة أن الجزء الأسرع نموًا من الواردات الجزائرية القادمة من إيطاليا لا يتمثل في المنتجات الاستهلاكية، بل في وسائل الإنتاج والتكنولوجيا والمعدات التي ترفع قدرات المصانع.
وبالتالي، فإن ارتفاع الواردات من الآلات لا يعكس توسعًا استهلاكيًا، وإنما يقدم مؤشرًا على تسارع دورة الاستثمار التي أطلقتها الجزائر لتطوير الصناعة والمناجم والطاقة والفلاحة والصناعات التحويلية.
النفط المكرر يرتفع والمواد الكيميائية تتراجع
خارج قطاع الآلات، ارتفعت صادرات المنتجات النفطية المكررة الإيطالية إلى الجزائر بنسبة 19%، لتبلغ 231 مليون يورو خلال النصف الأول.
أما المنتجات الكيميائية ومشتقاتها فتراجعت 14.4% إلى 112 مليون يورو، بينما هبطت صادرات المعادن الأساسية 34.3% إلى 92 مليون يورو.
وبلغت صادرات المنتجات المعدنية المصنعة، باستثناء الآلات والمعدات، نحو 70 مليون يورو، بانخفاض 9.2%. كما تراجعت المواد الكيميائية الأساسية والأسمدة 25.3% إلى 46 مليون يورو.
ويمكن قراءة انخفاض بعض الفئات في ضوء توسع الطاقات المحلية الجزائرية في الحديد والصلب والأسمدة والصناعات الكيميائية؛ إذ تتجه الدولة إلى تعويض جزء متزايد من الواردات بالإنتاج الوطني، مع توجيه النقد الأجنبي نحو المعدات التي لا تزال الصناعة تحتاج إليها.
ولا يكفي تزامن الانخفاض مع توسع الإنتاج المحلي لإثبات علاقة سببية مباشرة، لكنه ينسجم مع سياسة الجزائر القائمة على تقليص استيراد السلع التي يمكن تصنيعها محليًا، مع الإبقاء على استيراد التكنولوجيا والتجهيزات الضرورية للاستثمار.
سياسة تبون تحوّل السوق الجزائرية إلى ورشة إنتاج
يقدم النمو القوي لصادرات المعدات الإيطالية انعكاسًا رقميًا للإصلاحات التي تبنتها الجزائر بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، من خلال قانون الاستثمار الجديد، والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والشباك الوحيد، والضمانات المتعلقة بحرية الاستثمار وتحويل الأرباح واستقرار الإطار القانوني.
وتهدف هذه السياسة إلى الانتقال من اقتصاد يستورد المنتج النهائي إلى اقتصاد يستورد الآلة والخبرة، ثم ينتج ويوظف ويصدر من داخل الجزائر.
ويظهر الفرق في طبيعة التدفقات الإيطالية بوضوح: أكثر من 40% من صادرات إيطاليا إلى الجزائر أصبحت آلات ومعدات، فيما سجلت فئة التوربينات والمضخات والضواغط نموًا تجاوز 154%.
وهذه ليست معدات للاستهلاك المؤقت، بل أصول إنتاجية تدخل في المصانع وخطوط التحويل ومحطات الطاقة والمنشآت المائية والمجمعات البتروكيماوية، وتبقى آثارها الاقتصادية ممتدة لسنوات.
كما تستفيد الجزائر من المنافسة بين الموردين الدوليين للحصول على التكنولوجيا وشروط التمويل ونسب الإدماج الأفضل، مع إعطاء الأولوية للشراكات التي تنشئ نشاطًا صناعيًا محليًا بدل الاكتفاء بتحويل السوق إلى منفذ للسلع الأجنبية.
40 اتفاقًا أرست قاعدة الشراكة الجديدة
تأتي أرقام النصف الأول من 2026 بعد القمة الجزائرية–الإيطالية التي احتضنتها روما في 23 جويلية 2025، وترأسها الرئيس تبون ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وأسفرت القمة ومنتدى الأعمال عن توقيع نحو 40 اتفاقًا، بينها قرابة 30 اتفاقًا تجاريًا ومؤسساتيًا وعشرة اتفاقات ثنائية، وفق ما أعلنته ميلوني في ختام المنتدى. رئاسة الحكومة الإيطالية
وشارك في المنتدى أكثر من 400 مؤسسة، بينما قدرت الحكومة الإيطالية حجم استثمارات روما في الجزائر آنذاك بنحو 8.5 مليارات يورو.
وقالت ميلوني إن العلاقات الثنائية بلغت مستوى من «الكثافة والصلابة» لم تصل إليه من قبل. أما الرئيس تبون، فأكد أن الاتفاقات الموقعة فتحت آفاقًا واسعة لبناء نموذج شراكة استراتيجية يعكس عمق العلاقات بين البلدين.
وشملت الاتفاقات الطاقة والاتصالات والصناعة والفلاحة والبنية التحتية، بينها عقد بين «سوناطراك» و«إيني» بقيمة 1.3 مليار دولار لتطوير وإنتاج المحروقات، واتفاق أولي لإنجاز كابل بحري جديد بين الجزائر وإيطاليا.
وتُظهر أرقام 2026 أن هذه القمة لم تتوقف عند البيانات السياسية؛ إذ بدأت آثارها تظهر في ارتفاع تدفقات الآلات والتجهيزات إلى المشروعات الجزائرية.
15 شركة زراعية إيطالية تتجه إلى الجزائر
تستعد الوكالة الإيطالية للتجارة لتنظيم بعثة أعمال إلى الجزائر يومي 28 و29 سبتمبر 2026، بالتعاون مع اتحاد مصنعي الآلات الزراعية «FederUnacoma».
وتضم البعثة 15 شركة إيطالية متخصصة في المعدات الزراعية وأنظمة الري والتكنولوجيات المستخدمة في تحديث الإنتاج، وفق البرنامج الرسمي لوكالة «ICE».
وتستهدف المبادرة عقد لقاءات مع المتعاملين الجزائريين وبحث فرص توريد المعدات وإقامة شراكات في المكننة الزراعية والري ورفع الإنتاجية.
وتكتسب البعثة أهمية خاصة في ظل توجه الجزائر نحو توسيع الزراعة في الجنوب، وزيادة المساحات المسقية، وإطلاق مشروعات كبرى للحبوب والحليب والمحاصيل الاستراتيجية.
وكان البلدان قد وقعا في جويلية 2024 اتفاقًا زراعيًا بقيمة تقارب 420 مليون يورو، يعادل نحو 455 مليون دولار، لتطوير مشروع متكامل لإنتاج القمح والعدس والفاصولياء ومحاصيل أخرى في الجنوب الجزائري.
ويكشف هذا المسار أن الجزائر لا تريد استبدال التبعية الغذائية بتبعية تكنولوجية جديدة، بل تستخدم الخبرة الإيطالية لبناء قدرة إنتاج محلية تستهدف الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وتقليص فاتورة الاستيراد.
فائض جزائري وشراكة تتجاوز المحروقات
تحتفظ الجزائر بفائض تجاري كبير يبلغ 3.66 مليارات يورو، وتوفر لإيطاليا أكثر من خمسة مليارات يورو من الطاقة خلال ستة أشهر. وفي المقابل، تستورد أساسًا آلات وتجهيزات تدخل في تحديث الاقتصاد.
وتعكس هذه المعادلة تكاملًا يخدم الاستراتيجية الجزائرية: تصدير مورد تتمتع فيه البلاد بميزة تنافسية، وتوجيه جانب من العائدات إلى اقتناء وسائل إنتاج ترفع القدرة الصناعية والزراعية.
غير أن الاختبار المقبل يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي للمعدات، ورفع الإدماج، ونقل التكنولوجيا، وتحويل المؤسسات الإيطالية من مصدرين إلى مستثمرين داخل الجزائر.
وستُقاس جودة الشراكة بعدد المصانع المقامة، والوظائف المستحدثة، ونسب المكونات المحلية، وحجم الصادرات المصنعة من الجزائر، وليس بقيمة المبادلات وحدها.
وتدخل الجزائر هذه المرحلة من موقع قوة؛ فهي أكبر شريك تجاري لإيطاليا في إفريقيا، ومورد مركزي للطاقة، وسوق استثمارية تستقطب الآلات والتكنولوجيا بدل الاكتفاء بالسلع النهائية.
وبذلك تؤكد أرقام «يوروستات–ICE» أن الرؤية الاقتصادية للرئيس تبون بدأت تغير طبيعة العلاقة مع الشريك الإيطالي: الغاز الجزائري يحمي أمن الطاقة في روما، بينما تتحول الآلات الإيطالية إلى مصانع ومزارع وقدرات إنتاجية داخل الجزائر























