بوابة الجزائر الإخبارية: 1086 كيلومترًا من محور المنيعة–إن صالح–تمنراست شملتها مهمة مشتركة لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية والبنك الإسلامي للتنمية، في خطوة لتقييم الإمكانات الاقتصادية للممر الحديدي نحو الجنوب الجزائري. وقد أعادت مؤسسة «Proshare» النيجيرية إبراز المشروع في تقريرها الأسبوعي المنشور يوم 23 أكتوبر 2026، بوصفه بنية أساسية يمكن أن تدعم تنويع الاقتصاد وتوسيع المبادلات مع النيجر وغرب إفريقيا.
وجرت المهمة بين 21 سبتمبر وأول أكتوبر، بمشاركة تسعة خبراء متعددي التخصصات، وفق بيان نشره البنك الإفريقي للتنمية في 19 أكتوبر. وقادها ممثل البنك في الجزائر عبد القادر دليتا، ومدير المركز الإقليمي للبنك الإسلامي للتنمية لشمال إفريقيا أحمد آغ أبو بكرين، وشملت مشاورات مع وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية والوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية «أنسريف».
ويضع تناول المشروع في تقرير اقتصادي صادر من نيجيريا امتداده الإفريقي في الواجهة؛ إذ تتركز الفرصة المطروحة على تسهيل وصول المنتجات الزراعية والموارد المنجمية والسلع الصناعية إلى الأسواق والموانئ، مع دعم الروابط التجارية بين الجزائر وعمقها الإفريقي. غير أن هذا الأفق لا يعني وجود خط حديدي عامل حاليًا يصل تمنراست بالنيجر، بل يتعلق بالتكامل المنتظر بين الممر الجزائري وشبكات النقل القائمة والمبرمجة.
وفي هذا السياق، شدد دليتا على ضرورة تحويل خط الجزائر–تمنراست إلى ممر اقتصادي يقرب مناطق الإنتاج من الأسواق، ويعزز الاندماج مع النيجر وغرب إفريقيا. كما بحثت المهمة قضايا الاستدامة والقدرة على مواجهة الظروف البيئية، بعدما قطعت أكثر من ألفي كيلومتر برًا عبر عشر ولايات للاطلاع على التحديات الميدانية للمشروع.
اقتصاديًا، تعالج هذه المقاربة إحدى حلقات الربط بين الاستثمار والإنتاج والتسويق. فالمشروع الزراعي أو المنجمي يحتاج، إلى جانب التمويل والتجهيزات، إلى وسيلة منتظمة لنقل المدخلات وتصريف المنتجات. وكلما تحسنت موثوقية النقل، أمكن للمؤسسات التخطيط للتوريد والتخزين والتسليم بدرجة أكبر من الدقة.
وتبرز أهمية السكك الحديدية خصوصًا في نقل الشحنات الكبيرة عبر مسافات طويلة. لكن قدرتها على خفض التكاليف ستتوقف على حجم البضائع المنقولة، وتعريفات الشحن، وتواتر الرحلات، وكفاءة محطات المناولة، ومدى اتصالها بالمناطق الإنتاجية والموانئ. ولذلك، لا يمكن تحويل الأثر الاقتصادي المتوقع إلى نسبة محددة لتراجع كلفة النقل قبل نشر دراسات التشغيل والطلب.
وبالتوازي مع المشاورات الخاصة بالامتداد نحو تمنراست، يمتلك محور الأغواط–غرداية–المنيعة، البالغ طوله 495 كيلومترًا، مسارًا تمويليًا موثقًا. ففي ديسمبر 2025، أعلن البنك الإفريقي للتنمية الموافقة على قرض بقيمة 747.32 مليون يورو لتمويل المرحلة الأولى من المشروع. ثم أعلن في جويلية 2026 الموافقة على تمويل بقيمة 878.09 مليون دولار للمرحلة الثانية. وهذان قراران سابقان يخصان هذا المحور، ويختلفان عن المهمة الاستكشافية التي تناولها تقرير أكتوبر.
وتوضح وثيقة البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية أن مشروع الأغواط–غرداية–المنيعة مصمم لنقل المسافرين والبضائع، مع مراعاة إمكانية الكهرباء وتوسعة القدرة مستقبلًا. كما تعرض هيكلة تمويل تجمع موارد وطنية ومساهمة البنك الإفريقي للتنمية ودعمًا مطلوبًا من البنك الآسيوي، الذي يدرج المشروع ضمن المشروعات المقترحة.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين المؤسسات والمراحل: فالبنك الإسلامي للتنمية شارك في المهمة المشتركة نحو تمنراست، بينما يظهر البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في ملف تمويل محور الأغواط–غرداية–المنيعة. ولا يتضمن بيان المهمة المنشور في 19 أكتوبر إعلانًا عن قرض جديد أو قيمة تمويل معتمدة للامتداد الجنوبي.
وعلى مستوى التحضير الوطني، سبقت المهمة وتزامنت معها اجتماعات لمتابعة تنفيذ المشروع. فقد خصصت وزارة الأشغال العمومية اجتماعًا في 22 سبتمبر لترتيبات إطلاق الربط نحو تمنراست، بمشاركة «أنسريف» ومؤسسات إنجاز ومكاتب دراسات، بينها شركات من مجمع كوسيدار و«إنفرافر» و«إنفرا رايل»، إلى جانب ممثلين عن الشركتين الصينيتين «CRCC» و«CCECC». ويعكس هذا الترتيب تعدد الجوانب التي يتطلب تنسيقها بين الدراسات والأشغال والمتابعة الفنية.
أما البعد الإقليمي، فيرتبط بإمكان جعل تمنراست نقطة اتصال بين النقل الحديدي داخل الجزائر والنقل البري المتجه جنوبًا. ومن شأن هذا التكامل أن يفتح مجالات للمخازن ومنصات تجميع البضائع والصيانة والخدمات اللوجستية، شريطة توافر الطلب التجاري وانتظام العبور والخدمات الحدودية.
وبالنسبة إلى المؤسسات الجزائرية، فإن القيمة المحتملة للممر تكمن في توسيع نطاق الأسواق التي تستطيع خدمتها بكلفة وآجال تنافسية. كما يمكن أن يدعم تزويد مناطق الجنوب بالمعدات والمدخلات الصناعية، ثم نقل منتجاتها نحو الشمال، بما يمنح الخط حركة اقتصادية في الاتجاهين.
غير أن الربط المادي وحده لا يضمن توسع الصادرات. فالمبادلات مع أسواق الساحل وغرب إفريقيا تتطلب أيضًا ترتيبات للدفع والتأمين والتخليص الجمركي ومطابقة المنتجات، إلى جانب شبكات توزيع وشركاء تجاريين. وتحدد هذه العناصر مدى قدرة المؤسسات على تحويل تحسن النقل إلى عقود ومبيعات مستمرة.
وفي ما يتعلق بحجم الشبكة الوطنية، أورد بيان البنك الإفريقي للتنمية، ونقل عنه تقرير «Proshare»، هدف الانتقال من نحو 6000 إلى 15 ألف كيلومتر بحلول 2030. ويقتضي استخدام هذا الرقم نسبته إلى مصدره، لأن وثيقة البنك الآسيوي الخاصة بالممر المركزي تعرض إطارًا مختلفًا، يبدأ من نحو 7000 كيلومتر ويستهدف 15 ألف كيلومتر بحلول 2035. ولا تسمح الوثيقتان وحدهما بحسم سبب اختلاف خط الأساس والأفق الزمني.
وتنقل المهمة المشتركة النقاش حول خط الجزائر–تمنراست إلى سؤال اقتصادي مباشر: كيف تُربط الأشغال الحديدية باستثمارات إنتاجية وحركة شحن قابلة للاستمرار؟ وستتحدد الإجابة من خلال تقدم الإنجاز، وتجهيز محطات الشحن، ووضوح نموذج التشغيل، ثم قدرة المؤسسات الزراعية والمنجمية والصناعية على استخدام الممر للوصول إلى أسواق أوسع.
















