بوابة الجزائر الإخبارية: فتحت تنزانيا الباب أمام الشركات الجزائرية لإقامة مشاريع استثمارية في الزراعة وصناعة الأسمدة والتكنولوجيات الزراعية وتربية المواشي والصناعات الغذائية، في تحرك اقتصادي يستهدف استقطاب الخبرة الصناعية الجزائرية إلى أسواق شرق إفريقيا. وتأتي هذه الدعوة بعد سلسلة اتصالات مباشرة أجرتها السفارة التنزانية مع مؤسسات جزائرية خلال أكتوبر 2026، شملت مصانع ومعارض متخصصة في الإنتاج الزراعي والتحويل الغذائي، بما يعكس انتقال التعاون الثنائي من الترويج للفرص إلى البحث عن شراكات إنتاجية واستثمارات ميدانية.
وجاءت الدعوة على لسان سفير تنزانيا لدى الجزائر، موبهاري ماتيني، خلال لقاء إعلامي نظمته السفارة بالجزائر العاصمة يوم 2 نوفمبر 2026، خصص لاستعراض نتائج الاتصالات الاقتصادية التي أجريت خلال أكتوبر، وتحديد القطاعات التي ترغب دار السلام في استقطاب المستثمرين الجزائريين إليها.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ديلي نيوز» التنزانية وموقع «Tanzania Insight» في 3 نوفمبر، فإن السلطات التنزانية تمنح أولوية لاستثمارات الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي وأنظمة الري وتربية المواشي وإنتاج الأسمدة، مع تشجيع المؤسسات الجزائرية على تأسيس مشاريع مباشرة أو الدخول في شراكات مع متعاملين محليين.
وتعكس هذه المبادرة توجهًا اقتصاديًا يستهدف الاستفادة من القدرات الجزائرية في الصناعات الغذائية والتجهيزات الفلاحية والمدخلات الزراعية، مقابل إتاحة فرص استثمار في سوق إفريقية تسعى إلى رفع إنتاجيتها وتطوير الصناعات المرتبطة بالموارد الزراعية.
وتكتسب الدعوة أهمية خاصة بالنسبة إلى صناعة الأسمدة، بالنظر إلى الخبرة الجزائرية في الصناعات الكيماوية المرتبطة بالغاز الطبيعي والفوسفات، وإمكانات توظيفها في مشاريع صناعية إفريقية تستهدف تلبية احتياجات الإنتاج الزراعي.
غير أن الفرص المطروحة لا تقتصر على توريد الأسمدة أو المعدات من الجزائر، وإنما تشمل إمكانية إقامة وحدات إنتاج وتحويل داخل تنزانيا، بما يسمح للشركات الجزائرية بالانتقال من تصدير المنتجات إلى الاستثمار المباشر في سلاسل القيمة الزراعية.
وفي هذا السياق، كشف السفير التنزاني عن اتصالات أجرتها البعثة الدبلوماسية مع شركات جزائرية متخصصة في تقنيات تربية المواشي وصناعة الأعلاف والأسمدة وأنظمة الري والتغليف، بهدف التعرف على إمكاناتها الصناعية وتشجيعها على دراسة فرص الاستثمار في بلاده.
وقد شكلت المعارض الاقتصادية المنظمة بالجزائر خلال أكتوبر منصة لهذه الاتصالات، بداية بمعرض التكنولوجيا والاستثمار الفلاحي في عنابة، الذي أقيم من 13 إلى 15 أكتوبر بمشاركة 117 عارضًا، حيث التقت السفارة مؤسسات ناشطة في صحة الحيوان وتغذيته وصناعة الأسمدة والتجهيزات الزراعية.
وشملت اللقاءات المؤسسة العمومية «ألفيار» المتخصصة في اللحوم الحمراء، وشركة «Biotec-In» العاملة في مجالات صحة الحيوان وتغذيته وتكاثره، إلى جانب مؤسسات لإنتاج الأسمدة، ضمن مساعٍ لربط الخبرة الجزائرية باحتياجات القطاع الزراعي التنزاني.
وانتقلت الاتصالات إلى ولاية البليدة، حيث شاركت السفارة في المعرض التجاري للصناعات الغذائية «صنع في الجزائر» يوم 17 أكتوبر، الذي جمع أكثر من 100 عارض من القطاعين العام والخاص، وقدم منتجات وتجهيزات مرتبطة بالتحويل الغذائي والتصنيع المحلي.
ولم تقتصر المشاركة على اللقاءات داخل أجنحة العرض، إذ أجرى السفير التنزاني يوم 21 أكتوبر زيارات ميدانية إلى منشآت صناعية تابعة لمجمع «بلات» المتخصص في تحويل وتغليف منتجات اللحوم والدواجن، ومجمع «عمور» الناشط في تحويل الطماطم والفلفل.
وهدفت هذه الزيارات إلى الاطلاع على التقنيات المستخدمة في التصنيع والتغليف، وبحث إمكان نقل الخبرات وإقامة أنشطة مماثلة في تنزانيا، حيث يمثل تطوير الصناعات التحويلية الزراعية أحد المحاور الأساسية لاستراتيجية رفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
كما امتدت التحركات إلى قسنطينة، من خلال معرض «Agrest Expo» المنظم بين 28 و31 أكتوبر بمشاركة 130 مؤسسة في التكنولوجيا الزراعية والصناعات الغذائية، حيث شملت الاتصالات شركات متخصصة في التغليف والأعلاف والتحويل الغذائي.
وتكشف هذه الزيارات عن طبيعة الفرص التي تستهدفها دار السلام، والتي تقوم على تطوير منظومة إنتاج متكاملة تشمل المدخلات الزراعية والتجهيزات والتصنيع والتعبئة، بدل الاقتصار على زيادة الإنتاج الأولي للمحاصيل.
وتندرج الدعوة الجديدة ضمن مسار أوسع بدأ يحقق نتائج تجارية ملموسة بين البلدين. ففي الأول من أكتوبر، أعلنت السفارة التنزانية تقدم التعاون الثنائي في خمسة مجالات رئيسية تشمل الصناعات الصيدلانية والطاقة والتعليم العالي والتجارة الزراعية وتربية النحل.
ومن أبرز التطورات التي كشف عنها السفير استثمار شركة «Anacard’Or» الجزائرية في منشأة لتخزين الكاجو بمنطقة متوارا التنزانية، بهدف توجيه المنتجات نحو السوق الجزائرية، بالتوازي مع التحضير لإنشاء وحدة لتحويل الكاجو محليًا.
ويمثل هذا المشروع مثالًا على إمكانية تطوير استثمارات جزائرية تجمع بين تأمين مصادر التوريد وإقامة نشاط صناعي في بلد المنشأ، بما يتيح التحكم بصورة أفضل في مراحل التخزين والتحويل والتجارة.
كما أشار السفير إلى تعاون مرتقب مع شركة «CAM Sarl» الجزائرية المتخصصة في تصنيع معدات التحويل والتغليف الزراعي والصيدلاني، بهدف دعم تجهيز المؤسسات التنزانية بآلات تسمح برفع القيمة المضافة للمنتجات قبل تسويقها في الأسواق الدولية.
ولا يقتصر التوسع الاقتصادي بين الجزائر وتنزانيا على النشاط الزراعي، إذ شملت التحركات الأخيرة قطاعات المحروقات والصناعات الصيدلانية والبناء والتجهيزات الصناعية.
فخلال معرض ومؤتمر الطاقة والهيدروجين «ناباك 2026»، المنظم بوهران بين 5 و7 أكتوبر، شارك وفد من شركة «TANOIL» التنزانية، التابعة للمؤسسة الوطنية لتطوير البترول، في مباحثات مع سوناطراك ونفطال بشأن فرص التعاون التقني وتبادل الخبرات في أنشطة النفط والغاز وتوزيع المنتجات البترولية.
وفي قطاع الصناعات الصيدلانية، جرت اتصالات بين مؤسسات جزائرية، بينها مجمع صيدال وشركة «فراتر رازس»، وهيئات ومتعاملين تنزانيين، لبحث فرص التعاون التنظيمي والتجاري والاستثماري.
كما استهدفت الاتصالات قطاع البناء، بعد مشاركة السفير التنزاني في معرض «Bati-Est Expo» بقسنطينة منتصف أكتوبر، حيث جرى عرض فرص الاستثمار المرتبطة بتطوير البنية التحتية والعمران والمنشآت الصناعية في تنزانيا.
وتمنح هذه التحركات الدعوة الزراعية الجديدة بعدًا اقتصاديًا أوسع، إذ تسعى تنزانيا إلى الاستفادة من القدرات الصناعية الجزائرية في قطاعات متعددة، بينما تتيح للشركات الجزائرية فرصًا لتنويع أسواقها خارج المحيط التجاري التقليدي.
وتبرز أهمية الموقع التنزاني باعتباره منفذًا إلى أسواق شرق ووسط وجنوب إفريقيا، وهي مناطق أشار السفير إلى أنها تمثل مجتمعة فضاءً اقتصاديًا يضم أكثر من 500 مليون نسمة، ما يمنح الاستثمارات الصناعية والتجارية فرصًا تتجاوز الطلب المحلي التنزاني.
ومن شأن الاستثمار في وحدات تصنيع الأسمدة أو معدات الري أو الصناعات الغذائية أن يتيح للشركات الجزائرية إمكانية تطوير منتجات تستهدف الأسواق الإقليمية، مع الاستفادة من فرص التكامل التجاري التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وفق شروط النفاذ والقواعد التنظيمية المعمول بها.
كما يمكن أن يفتح التعاون الزراعي المجال أمام تطوير شراكات في تخزين المحاصيل وتحويلها وتغليفها، وهي أنشطة تساعد على تقليص الفاقد بعد الحصاد وتحسين قابلية المنتجات للتسويق والتصدير.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن هذه الفرص تتقاطع مع توجهها نحو تنويع الاقتصاد الوطني وتوسيع الصادرات خارج المحروقات، من خلال تشجيع المؤسسات الصناعية على دخول أسواق جديدة والاستفادة من الطلب الإفريقي على التجهيزات والمنتجات والخدمات.
غير أن الانتقال من الدعوات الدبلوماسية إلى استثمارات فعلية يتطلب تحديد المشاريع القابلة للإنجاز، وحجم رؤوس الأموال المطلوبة، وطبيعة الشراكات المحلية، إضافة إلى دراسة تكاليف الإنتاج والنقل والتمويل والبيئة التنظيمية.
ولم تتضمن التصريحات الأخيرة إعلانًا عن عقود استثمار جديدة موقعة في مجالات الأسمدة أو الري أو تربية المواشي، كما لم تُحدد مبالغ مالية للمشاريع المقترحة أو جداول زمنية لإنجازها، ما يجعل المبادرة في مرحلتها الحالية عرضًا رسميًا للفرص الاستثمارية مدعومًا باتصالات مباشرة مع المؤسسات الجزائرية.
وتعود أهمية هذا التحرك أيضًا إلى وجود توجيه سياسي مشترك لتعزيز التعاون الاقتصادي، بعدما أكد السفير ماتيني، خلال عرضه السابق في أكتوبر، أن الرئيسين عبد المجيد تبون وسامية صولوحو حسن شددا على ضرورة ترجمة العلاقات الثنائية إلى مشاريع عملية تحقق منافع اقتصادية للبلدين.
وبذلك، تضع تنزانيا الشركات الجزائرية أمام فرصة لتوسيع حضورها الاستثماري في شرق إفريقيا، انطلاقًا من قطاعات تمتلك فيها الجزائر خبرات صناعية وإنتاجية، خصوصًا الأسمدة والتجهيزات الزراعية والتحويل الغذائي. وبينما أسفرت الاتصالات الأخيرة عن تحديد مؤسسات ومجالات تعاون محتملة، ستكون الخطوة الحاسمة في تحويل هذه الفرص إلى مشاريع مشتركة وعقود استثمار تعزز موقع الصناعة الجزائرية داخل سلاسل الإنتاج والتجارة الإفريقية.








