الجمعة, 23 أكتوبر 2026 • 14:51 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
آلاف الأبقار الأمريكية تعبر الأطلسي .. الجزائر تستعد لثورة في إنتاج الحليب تفويت رحلة واحتجاز داخل المطار.. ما الذي حدث لجزائريين في نيجيريا؟ رفض المعارضة للحوار في توغو يعمّق الأزمة السياسية على خلفية حكم “إيكواس” صوت القارة في مركز القرار.. الجزائر تعيد رسم توازنات مجلس الأمن ​من المبادئ التوجيهية إلى القرار 2719.. كيف تقود الجزائر صياغة الأمن والاستقرار المستدام في إفريقيا؟ معادلة الغاز الجزائري: طفرة إنتاجية تقترب من 10 مليارات قدم مكعبة 12 قتيلًا في كمين دموي بالنيجر.. هل أشعل الذهب فتيل المواجهة على طرق الساحل؟ الجزائر تدعو إلى إصلاح عاجل لمجلس الأمن ومنح إفريقيا مقعدين دائمين على الأقل من امتصاص الصدمة إلى الردع الهجومي.. المقاربة الإيرانية لإفشال العدوان الأمريكي-الصهيوني غضب النقابات يحاصر حكومة فرنسا: إضراب عام يوم 5 نوفمبر ومطالب بزيادة الأجور 10%
شارك المقال

«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار

• الكاتب(ة): عبد الجبار.ب • 0 تعليق • 120 مشاهدة
«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار

بوابة الجزائر الإخبارية: دخلت المؤسسة الجزائرية «إيناتال» مشروع «كينشاسا كيا مونا» الممتد على 43.3 ألف هكتار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ضمن كونسورتيوم إفريقي سيعمل على إنشاء وحدة لتجميع وإنتاج المعدات الرقمية ومركز للابتكار والتكوين في الإلكترونيات والاتصالات والأمن السيبراني وأنظمة الدفع والذكاء الاصطناعي.

ووقعت التنسيقية الدائمة للجنة الاستراتيجية للإشراف على مشروع توسعة مدينة كينشاسا، في 30 أوت 2026، مذكرة تفاهم مع كونسورتيوم يضم «PGS Africa» و«INATEL» الجزائرية و«DABYAN»، بحضور سفير الجزائر لدى جمهورية الكونغو الديمقراطية نسيم قواوي.

«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار

وأعلن الاتفاق في الأول من سبتمبر، ضمن توجه كونغولي لربط مشروع المدينة الجديدة ببنية صناعية ورقمية، بدل حصره في التوسع العمراني والسكني.

ويشمل البرنامج إنشاء وحدة لإنتاج وتجميع المعدات الرقمية محليًا تحت علامة «صنع في جمهورية الكونغو الديمقراطية»، إلى جانب مركز للابتكار والتميز التكنولوجي، وبرامج للتكوين ونقل المهارات والصيانة والهندسة والبحث والتطوير.

غير أن الوثيقة الموقعة تمثل مذكرة تفاهم وليست عقد إنجاز نهائيًا. ولم تعلن الأطراف حتى الآن قيمة الاستثمار أو نسب ملكية الشركاء أو قدرة المصنع أو مصادر التمويل أو رزنامة البناء ودخول المنشآت الخدمة.

«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار

وسيحتاج المشروع إلى استكمال الدراسات التقنية والاقتصادية، وتحديد طبيعة المعدات التي ستنتج محليًا، ونسب الإدماج، ومصادر المكونات، وحجم الطلب المتوقع من المؤسسات الحكومية والبنوك وشركات الاتصالات والسوق الخاصة.

ويمثل هذا التمييز عنصرًا أساسيًا في تقييم الصفقة؛ إذ يمنح الاتفاق الأطراف إطارًا للتفاوض وإعداد المشروع، لكنه لا يعني انطلاق الأشغال أو صدور التزامات رأسمالية نهائية.

وحدة لتجميع المعدات الرقمية ومركز للتميز التكنولوجي

يرتكز المشروع على إنشاء قدرة إنتاجية محلية تشمل أجهزة الدفع الإلكتروني والموزعات الآلية وأجهزة الحاسوب ومعدات الاتصال والربط الشبكي، مع توفير خدمات التركيب والصيانة والدعم التقني.

ويهدف هذا النموذج إلى تقليص اعتماد السوق الكونغولية على استيراد المنتجات الرقمية الجاهزة، وإحلال جزء من التجميع والتصنيع والصيانة داخل البلاد.

كما يتيح إنشاء المصنع تطوير شبكة مناولة محلية في المكونات البلاستيكية والمعدنية والتغليف والنقل والخدمات اللوجستية والبرمجيات، إذا تضمنت الصيغة النهائية للمشروع نسبًا واضحة للإدماج المحلي.

أما مركز الابتكار والتميز التكنولوجي، فسيتولى تكوين الكفاءات في المعلوماتية والإلكترونيات والاتصالات والأمن السيبراني وأنظمة الدفع والذكاء الاصطناعي التطبيقي، إلى جانب البحث والتطوير والصيانة.

ويعالج هذا المكون إحدى العقبات الأساسية أمام توطين الصناعات الرقمية في إفريقيا، والمتمثلة في نقص المهارات القادرة على تشغيل المعدات وصيانتها وتحديث برامجها، بدل الاكتفاء باستيراد خطوط إنتاج تعتمد بصورة دائمة على الخبرة الأجنبية.

كما يمكن للمركز أن يدعم المؤسسات المالية وشركات الاتصالات والإدارات العمومية في مجالات تأمين المعاملات والمدفوعات وحماية البيانات وتشغيل الشبكات، وهي قطاعات مرشحة لزيادة الطلب في السوق الكونغولية.

ويجمع الكونسورتيوم ثلاث مؤسسات ذات أنشطة متكاملة. فشركة «PGS Africa» السنغالية تنشط في البنية التحتية الرقمية والحلول التكنولوجية، بينما تعمل «DABYAN» في أنظمة الدفع والتكنولوجيا البنكية والبرمجيات وتنمية الموارد البشرية.

أما «إيناتال»، وهي مؤسسة عمومية جزائرية يقع مقرها في تلمسان، فتملك خبرة في صناعة تجهيزات الاتصالات والإلكترونيات المهنية وأنظمة الأمن والتحكم، إضافة إلى الدراسات والتركيب والصيانة.

ويمنح هذا التوزيع «إيناتال» موقعًا مرتبطًا بالمكون الصناعي والهندسي للمشروع، بينما يغطي الشريكان الآخران أنظمة الدفع والخدمات الرقمية والبنية التكنولوجية.

ومن شأن الانتقال إلى التنفيذ أن يفتح أمام المؤسسة الجزائرية سوقًا لتوريد خطوط التجميع أو المكونات أو الأنظمة، إضافة إلى عقود الهندسة والإشراف والتكوين والصيانة.

غير أن العائد الاقتصادي بالنسبة إلى الجزائر سيعتمد على حصة الأعمال التي ستنفذها «إيناتال»، وقيمة المنتجات والخدمات المصدرة، وعدد الخبراء الجزائريين المشاركين، ونسبة المعدات التي ستصنع أو تجهز في الجزائر قبل توجيهها إلى الكونغو الديمقراطية.

«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار

مدينة جديدة تستهدف 2500 مصنع ومليون وظيفة

يمتد مشروع «كينشاسا كيا مونا» في بلدية مالوكو على مساحة تتجاوز 43.3 ألف هكتار، أي ما يعادل 433 كيلومترًا مربعًا.

وبحسب المخطط الرسمي، تخصص 19.511 ألف هكتار للتوسع الحضري، و9.2 آلاف هكتار للأنشطة الصناعية، و8.66 آلاف هكتار للزراعة، إلى جانب ثلاثة آلاف هكتار للمساحات الخضراء.

ويستهدف المشروع إنشاء قطب اقتصادي وعمراني جديد لتخفيف الضغط عن كينشاسا، التي تقدر السلطات المشرفة على البرنامج عدد سكانها بنحو 20 مليون نسمة، مع استمرار توسعها الديمغرافي والعمراني.

ويتضمن التصور طويل الأجل استيعاب نحو خمسة ملايين نسمة داخل المدينة الجديدة، وتطوير قدرة كهربائية تصل إلى ألف ميغاواط، واستقطاب ما يصل إلى 2500 مصنع.

كما تتحدث الجهة المشرفة عن طموح لإنشاء نحو مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة على المدى الطويل، من خلال الأنشطة الصناعية والعقارية والزراعية والتكنولوجية والخدماتية.

ولا تخص هذه الأهداف الاتفاق الموقع مع «إيناتال»، بل تمثل مؤشرات للمشروع الكامل بمختلف مكوناته. كما أن تحقيقها يبقى مرتبطًا بتعبئة الاستثمارات وإنجاز الطرق والطاقة والمياه والاتصالات والمرافق العمومية.

وتبرز المنطقة الصناعية، التي خصص لها 9200 هكتار، بوصفها أحد أكبر مكونات المشروع، إذ يفترض أن تستقبل مصانع في مجالات متعددة، وتسمح بربط الإنتاج المحلي بسوق كينشاسا وبقية أقاليم جمهورية الكونغو الديمقراطية.

أما تخصيص 8660 هكتارًا للزراعة، فيعكس محاولة الجمع بين التوسع الحضري والإنتاج الغذائي، في وقت تعتمد فيه كينشاسا على تدفقات كبيرة من المواد الغذائية القادمة من مناطق بعيدة أو من الواردات.

ويتطلب تشغيل المصانع الرقمية المقترحة توفير كهرباء مستقرة واتصالات عالية التدفق وخدمات لوجستية وأنظمة دفع فعالة، ما يجعل تنفيذها مرتبطًا بتقدم البنى التحتية الأساسية للمدينة.

وفي 23 فيفري 2026، وقعت الجهة المشرفة على «كينشاسا كيا مونا» مذكرة تفاهم مع شركة «داسو سيستام» الفرنسية لاستخدام أدوات النمذجة الثلاثية الأبعاد والتوأم الرقمي في تخطيط المشروع وإدارة مراحله.

كما أبرمت، في 11 أوت 2026، مذكرة مع مجموعة «فينغروب» الفيتنامية لبحث فرص المشاركة في تطوير المدينة، ضمن عملية استقطاب شركاء دوليين في قطاعات البنية التحتية والعقار والصناعة والتكنولوجيا.

وتشير تقارير كونغولية سابقة إلى تقديرات قد تصل إلى 50 مليار دولار لتطوير المشروع بكامل مكوناته ومراحله. غير أن هذا الرقم لا يمثل قيمة عقد ممول نهائيًا، كما لا يرتبط باستثمار الكونسورتيوم الذي تشارك فيه «إيناتال».

ومن ثم، يبقى المؤشر المالي الأهم في المرحلة المقبلة هو الإعلان عن عقود تنفيذ محددة، وقيمة كل حزمة استثمارية، ومصادر تمويلها، والضمانات الحكومية أو التجارية المرتبطة بها.

«إيناتال» تختبر تصدير الصناعة والخدمات الجزائرية إلى إفريقيا

يختلف دخول «إيناتال» إلى مشروع كينشاسا عن عمليات تصدير الأجهزة الجاهزة، لأنه يقوم على الجمع بين التصنيع والهندسة والتكوين والصيانة ونقل المعرفة.

ويوفر هذا النموذج للمؤسسة الجزائرية إمكانية تحقيق إيرادات متكررة من الخدمات الفنية والتحديث والصيانة، بدل حصر العائد في بيع المعدات مرة واحدة.

كما يفتح المشروع منفذًا نحو سوق وسط إفريقيا، بالنظر إلى موقع جمهورية الكونغو الديمقراطية وعدد سكانها واتساع الطلب المتوقع على الاتصالات والخدمات المالية الرقمية وأجهزة الدفع والمعدات المعلوماتية.

وقد تستفيد مؤسسات جزائرية أخرى من المشروع عن طريق المناولة أو توريد المكونات والبرمجيات والخدمات الهندسية، إذا نصت العقود النهائية على مشاركة الموردين الجزائريين.

ويمثل التكوين بدوره نشاطًا اقتصاديًا قابلًا للتصدير، لأن إنشاء مركز للتميز يحتاج إلى برامج تدريب ومدربين ومنصات رقمية ومخابر وتجهيزات ومناهج تشغيل وصيانة.

«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار

كما يمكن أن يؤدي نجاح المشروع إلى منح «إيناتال» مرجعية تنفيذية خارج الجزائر، تساعدها على الترشح لمناقصات ومشروعات مماثلة في أسواق إفريقية أخرى.

غير أن نجاح التوسع الخارجي يتطلب ضبط المخاطر المالية والتجارية، خصوصًا مخاطر التمويل والتحويلات وسعر الصرف وضمان الدفع وتغير تكاليف النقل والتجهيز.

ويتعين كذلك تحديد نموذج ملكية المصنع: هل ستدخل «إيناتال» مساهمًا في رأس المال، أم موردًا للتكنولوجيا والمعدات، أم مقاولًا للهندسة والتجهيز، أم مشغلًا ومقدمًا لخدمات الصيانة والتكوين؟

ويترتب على كل صيغة مستوى مختلف من المخاطر والعوائد. فالمساهمة الرأسمالية تمنح المؤسسة حصة من الأرباح، لكنها تتطلب تمويلًا طويل الأجل، بينما يتيح عقد التوريد تحقيق إيرادات أسرع مع تعرض أقل لمخاطر التشغيل.

كما يرتبط نجاح الوحدة بوجود طلب مؤكد. ولذلك سيكون من الضروري توقيع عقود شراء مع البنوك وشركات الاتصالات والإدارات والمؤسسات المحلية، قبل تحديد الحجم النهائي لخطوط الإنتاج.

وسيحدد مستوى الإدماج المحلي طبيعة المشروع اقتصاديًا. فإذا اقتصر النشاط على تركيب مكونات مستوردة بالكامل، سيكون أثره الصناعي محدودًا، بينما يؤدي رفع حصة المكونات والخدمات المحلية تدريجيًا إلى تطوير شبكة موردين ونقل المعرفة وخلق وظائف أكثر استدامة.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فلن يقاس العائد بعدد الاتفاقات الموقعة، بل بقيمة صادرات المعدات والخدمات، وحصة «إيناتال» من المشروع، وعدد المؤسسات الجزائرية المشاركة، والعقود اللاحقة التي يمكن الحصول عليها داخل الكونغو الديمقراطية والمنطقة.

ويعكس الاتفاق توجهًا أوسع نحو نقل حضور المؤسسات الجزائرية في إفريقيا من التجارة إلى الاستثمار والخدمات والمشروعات الصناعية. كما ينسجم مع مساعي توظيف الخبرة الوطنية في الاتصالات والإلكترونيات والأشغال والهندسة داخل الأسواق الإفريقية.

لكن تحويل هذا التوجه إلى تدفقات مالية يتطلب استكمال مذكرة التفاهم بعقود تحدد قيمة الاستثمار والطاقة الإنتاجية ومصادر التمويل والرزنامة ونسب الملكية والمحتوى المحلي وضمانات الشراء.

وبذلك ستكون المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد طبيعة دخول «إيناتال» إلى مشروع «كينشاسا كيا مونا»: شراكة صناعية طويلة الأجل تمنح الجزائر موطئ قدم في سوق التكنولوجيا بوسط إفريقيا، أم اتفاق تمهيدي يحتاج إلى وقت إضافي قبل الانتقال إلى التنفيذ.

«إيناتال» الجزائرية تدخل مشروع مدينة كينشاسا الجديدة على مساحة 43.3 ألف هكتار
#إيناتال#كينشاسا
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

5.6 ملايين متر مكعب يوميًا في 2030.. الجزائر تنقل تحلية المياه إلى قلب الاقتصاد

5.6 ملايين متر مكعب يوميًا في 2030.. الجزائر تنقل تحلية المياه إلى قلب الاقتصاد

بوابة الجزائر الإخبارية: نحو 5.6 ملايين متر مكعب يوميًا تستهدف الجزائر إنتاجها من مياه البحر المحلاة بحلول 2030، مقابل قدرة حالية تُقدّر بـ3.76 ملايين متر مكعب، ما يرفع التحلية من وسيلة لتأمين مياه الشرب إلى استثمار اقتصادي يؤثر مباشرة في استهلاك الغاز والكهرباء، ونفقات الدعم، وتوزيع مياه السدود، وكلفة النشاط الصناعي والزراعي.

5.6 ملايين متر مكعب يوميًا في 2030.. الجزائر تنقل تحلية المياه إلى قلب الاقتصاد

وتشغل الجزائر حاليًا 19 محطة كبرى بطاقة سنوية تقارب 1.37 مليار متر مكعب، إضافة إلى 21 وحدة صغيرة أحادية الكتلة بطاقة إجمالية تبلغ 57.5 ألف متر مكعب يوميًا. وتوفر هذه المنظومة نحو 40% إلى 42% من احتياجات مياه الشرب، بحسب تاريخ احتساب القدرات التي دخلت الخدمة فعليًا.

وتعني هذه الأرقام أن كل عشرة لترات تقريبًا تُوزع للاستهلاك المنزلي، يأتي منها أكثر من أربعة لترات من مياه البحر بعد معالجتها. وبذلك لم تعد الإمدادات الحضرية في الشريط الساحلي مرتبطة كليًا بمخزون السدود ودورات الأمطار.

وكان المخطط الوطني لتهيئة الإقليم الصادر سنة 2010 قد استهدف بلوغ 15 محطة بطاقة 938 مليون متر مكعب سنويًا في أفق 2025. غير أن القدرة الحالية تجاوزت ذلك التقدير بنحو 432 مليون متر مكعب سنويًا، أي بنسبة تقارب 46%.

كما انتقلت الاستثمارات من محطات محدودة أُنشئت في بداية الألفية إلى برامج واسعة تولت تنفيذها شركات جزائرية. ووفق تصريحات سابقة للرئيس المدير العام للشركة الجزائرية للطاقة لوكالة «رويترز»، استثمرت البلاد نحو 2.1 مليار دولار في هذا النشاط، مع التخطيط لضخ 2.4 مليار دولار أخرى لتنفيذ البرنامج الممتد إلى 2030. رويترز

ويضيف البرنامج الجاري ثلاث محطات كبرى في تلمسان والشلف ومستغانم، بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميًا لكل واحدة. ومن شأن تشغيلها إضافة 900 ألف متر مكعب يوميًا، أو 328.5 مليون متر مكعب سنويًا، إلى منظومة الإنتاج.

وانطلقت أشغال محطة عين عجرود بمرسى بن مهيدي في تلمسان في نوفمبر 2025، ثم مشروع محطة المرسى بالشلف في ديسمبر، بالتزامن مع استكمال الإجراءات الخاصة بمحطة مستغانم. كما أطلقت «سوناطراك» في جويلية 2026 مشروع محطة بن مهيدي في سكيكدة بطاقة 140 ألف متر مكعب يوميًا، منها 100 ألف لمياه الشرب و40 ألفًا للقطاع الصناعي.

5.6 ملايين متر مكعب يوميًا في 2030.. الجزائر تنقل تحلية المياه إلى قلب الاقتصاد

غير أن إضافة المحطات الثلاث إلى الطاقة الحالية ترفع القدرة النظرية إلى نحو 4.66 ملايين متر مكعب يوميًا فقط. وبالتالي، يحتاج الوصول إلى هدف 5.6 ملايين متر مكعب إلى توفير 940 ألف متر مكعب أخرى، من خلال منشآت جديدة أو توسعة المحطات القائمة ورفع إنتاجيتها.

ولا تمثل القدرة الاسمية وحدها مقياسًا كافيًا للأمن المائي، لأن المياه المنتجة تحتاج إلى خطوط ضخ وخزانات ومحطات رفع وربط بشبكات التوزيع. كما ترتفع التكلفة كلما نُقلت المياه إلى مسافات أبعد أو مناطق أعلى من مستوى الساحل.

ويقدر البنك الدولي أن نقل المياه أفقيًا لمسافة 100 كيلومتر أو رفعها عموديًا بنحو 100 متر يضيف قرابة 0.05 إلى 0.06 دولار إلى تكلفة المتر المكعب. ولذلك فإن توسيع نطاق الإمداد بالمياه المحلاة من الولايات الساحلية إلى مناطق تبعد 150 كيلومترًا، ثم 250 كيلومترًا، يفرض استثمارات إضافية في الأنابيب والضخ والطاقة والصيانة.

وتقدر تكلفة إنتاج المتر المكعب عند مخرج محطة التحلية بما يتراوح بين 0.55 و0.9 دولار، وفق التقنية وحجم المنشأة وسعر الكهرباء وعمر الأغشية ونفقات الصيانة. وعند إدراج النقل والمعالجة النهائية والتخزين والتوزيع، قد ترتفع الكلفة إلى ما بين دولار و1.5 دولار عند وصول المياه إلى المستهلك.

وبحساب تشغيل القدرة الحالية، البالغة 3.76 ملايين متر مكعب يوميًا، تتراوح قيمة الإنتاج النظرية عند مخرج المحطات بين 2.07 و3.38 ملايين دولار يوميًا، بما يعادل ما بين 755 مليونًا و1.24 مليار دولار سنويًا.

أما بعد تشغيل المحطات الثلاث ذات الطاقة الإجمالية البالغة 900 ألف متر مكعب يوميًا، فقد ترتفع الكلفة النظرية السنوية لإنتاج 4.66 ملايين متر مكعب يوميًا إلى نطاق يتراوح بين 936 مليونًا و1.53 مليار دولار، قبل احتساب نفقات إيصال المياه إلى شبكات المستهلكين.

ولا تعكس هذه الحسابات إنفاقًا حكوميًا معلنًا، لأنها تفترض تشغيل المنشآت بكامل طاقتها وثبات تكلفة الإنتاج طوال السنة. لكنها تكشف أن التحدي المقبل لا يتعلق بتمويل البناء فقط، بل بتوفير الموارد اللازمة للصيانة والكهرباء والأغشية والمواد الكيميائية خلال عمر المحطات.

كما تُظهر أن تسعير المياه سيصبح أحد الملفات الاقتصادية المركزية. فاستمرار بيع المياه بأسعار إدارية منخفضة يعني تحمل الخزينة والمؤسسات العمومية فرق التكلفة، بينما يمكن أن يؤدي رفع التعريفة بصورة موحدة إلى الضغط على القدرة الشرائية.

ويقتضي الحل الفصل بين الاستهلاك المنزلي الأساسي، الذي يحتاج إلى دعم اجتماعي، والاستهلاكات المرتفعة والاستخدامات الصناعية والتجارية. كما يتطلب قياسًا دقيقًا للكميات وفوترة فعلية وتقليل التوصيلات غير القانونية والخسائر التجارية.

ويتصل ذلك مباشرة بحالة شبكات التوزيع. فكل متر مكعب يُنتج بالطاقة والمواد المستوردة ثم يتسرب قبل الوصول إلى المستهلك يمثل خسارة مزدوجة في المياه والمال. ولذلك قد يكون إصلاح الشبكات، في بعض المناطق، أقل كلفة من إضافة قدرة إنتاج جديدة بالحجم نفسه.

أما الطاقة، فتمثل أحد أكبر بنود تشغيل المحطات. وتستهلك تقنية التناضح العكسي المستخدمة أساسًا في الجزائر نحو 2.5 إلى 3.5 كيلوواط ساعي لكل متر مكعب، بحسب كفاءة المنشأة ونوعية مياه البحر.

5.6 ملايين متر مكعب يوميًا في 2030.. الجزائر تنقل تحلية المياه إلى قلب الاقتصاد

وعند اعتماد متوسط ثلاثة كيلوواط ساعي للمتر المكعب، تحتاج الطاقة الحالية إلى قرابة 11.28 غيغاواط ساعي يوميًا، أي نحو 4.12 تيراواط ساعي سنويًا. ويرتفع الاحتياج إلى قرابة 6.13 تيراواط ساعي سنويًا عند الوصول إلى هدف 5.6 ملايين متر مكعب يوميًا.

ويعادل الفرق بين الوضع الحالي وهدف 2030 نحو مليوني متر مكعب إضافي يوميًا، بما يتطلب قرابة 2.2 تيراواط ساعي من الكهرباء سنويًا وفق الافتراض نفسه. ومن ثم، فإن برنامج التحلية يتحول أيضًا إلى برنامج طاقوي يحتاج إلى قدرات توليد ونقل وضمان تشغيل مستمر.

ويمنح إدماج الطاقة الشمسية والرياح فرصة لخفض استهلاك الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء. فكل كمية من الغاز لا تُحرق لتشغيل المحطات يمكن توجيهها إلى التصدير أو الصناعات التحويلية، ما يخلق عائدًا اقتصاديًا غير مباشر من الاستثمار في الكهرباء المتجددة.

غير أن تشغيل المحطات على مدار الساعة يمنع الاعتماد الكلي على مصدر متقطع. ولذلك يحتاج النموذج إلى مزيج يجمع بين الشبكة الكهربائية والطاقات المتجددة وأنظمة التخزين، مع عقود طويلة الأجل لشراء الكهرباء وضمان استقرار التردد والإمدادات.

ويأتي ذلك متوافقًا مع المساهمة المناخية الجزائرية المحدثة المودعة لدى الأمم المتحدة في جوان 2026، التي تستهدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 14% بحلول 2035 بالإمكانات الوطنية، وبنسبة تصل إلى 31% في حال توفر تمويل دولي.

وفي المقابل، لا يقتصر الأثر الاقتصادي للتحلية على مياه الشرب. فتعويض مياه السدود داخل المدن الساحلية يسمح بإعادة توجيه جانب من الموارد التقليدية نحو المحيطات الفلاحية، ما يوفر قناة غير مباشرة لدعم إنتاج الحبوب والخضر والأشجار المثمرة والمحاصيل الصناعية.

وتتفادى هذه المقاربة استخدام المياه المحلاة مباشرة في الزراعة، حيث لا تستطيع معظم المحاصيل تحمل كلفتها. وبدلًا من ذلك، تحصل المدن على مياه مستقرة من البحر، بينما تستعيد السدود تدريجيًا وظيفتها في الري.

لكن هذا التحويل لا يتم تلقائيًا؛ إذ يحتاج إلى شبكات سقي وصيانة منشآت التخزين وتحديد حصص قابلة للقياس، إلى جانب توجيه المياه إلى المنتجات الأعلى عائدًا اقتصاديًا وغذائيًا. كما ينبغي احتساب كمية الإنتاج الزراعي المحققة مقابل كل متر مكعب، لا المساحة المسقية وحدها.

وبالتوازي، يطرح توسع التحلية تحديًا بيئيًا يتعلق بالمحلول الملحي الناتج عن فصل الأملاح. وتشير بيانات دولية إلى أن إنتاج 95.37 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا كان يولد نحو 141.5 مليون متر مكعب من المحلول الملحي، أي قرابة 1.5 متر مكعب من المخلفات لكل متر مكعب منتج في المتوسط.

ويختلف الحجم الفعلي للمخلفات حسب نسبة استرجاع المياه وتقنية المحطة وملوحة المصدر. غير أن زيادة القدرة الجزائرية تعني ارتفاع الكميات المصرفة في البحر، ما يفرض مراقبة الملوحة والحرارة والمواد الكيميائية عند نقاط التصريف.

وفي 15 جوان 2026، وقعت الشركة الجزائرية لتحلية المياه ثلاث اتفاقيات مع المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة والمديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي وجامعة قاصدي مرباح بورقلة، وليس بسكرة كما ورد في النص الفرنسي الأصلي.

وتشمل الاتفاقيات المراقبة البيئية والبحث التطبيقي وتطوير تقنيات تثمين الأملاح والمواد المعدنية الناتجة عن التحلية. ويمكن لهذا المسار أن يفتح أنشطة مرتبطة باستخراج الملح والمغنيسيوم والبوتاسيوم ومركبات أخرى، شريطة إثبات جدواها مقارنة بكلفة الفصل والطاقة والنقل.

5.6 ملايين متر مكعب يوميًا في 2030.. الجزائر تنقل تحلية المياه إلى قلب الاقتصاد

ولا يعني توقيع اتفاقيات البحث أن الجزائر شرعت في إنتاج المعادن تجاريًا من المحلول الملحي؛ إذ ما يزال الانتقال إلى الصناعة مرتبطًا بالدراسات والتجارب وتحديد التقنيات والأسواق المستهدفة. لكنه ينقل معالجة المخلفات من بند بيئي إلى مجال محتمل للبحث والاستثمار.

وبذلك، تتحدد القيمة الاقتصادية لخطة 2030 في القدرة على التحكم في خمسة متغيرات مترابطة: تكلفة إنتاج المتر المكعب، واستهلاك الكهرباء، وخسائر شبكات التوزيع، وحجم مياه السدود المحررة للزراعة، وكلفة معالجة المحلول الملحي.

أما رفع الإنتاج إلى 5.6 ملايين متر مكعب يوميًا، فيبقى هدفًا ضروريًا لكنه غير كافٍ بمفرده. فالنتيجة الفعلية ستقاس بكمية المياه التي تصل إلى المستهلك، وكلفة كل متر مكعب مفوتر، واستقرار التموين، وحجم المياه التقليدية التي يعاد توجيهها إلى الاقتصاد المنتج.

#الجزائر#تحلية المياه
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

براءة اختراع دولية تضع جامعة “جيلالي اليابس” الجزائرية في واجهة الابتكار التكنولوجي

براءة اختراع دولية تضع جامعة “جيلالي اليابس” الجزائرية في واجهة الابتكار التكنولوجي

بوابة الجزائر الإخبارية  : سجّلت جامعة “جيلالي ليابس” بولاية سيدي بلعباس إنجازاً تكنولوجياً بارزاً بحصولها على براءة اختراع دولية لتطبيق ذكي ومبتكر يحمل تسمية “Smart Lab TP”

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2096242333415030806?s=46

يهدف هذا النظام الرقمي إلى إحداث ثورة في طريقة إجراء التجارب المخبرية والتطبيقية، وتحويلها إلى بيئة رقمية آمنة ومتطورة تواكب مساعي تحديث قطاع التعليم العالي حيث يأتي هذا الابتكار كثمرة لجهود الكفاءات التقنية داخل الحرم الجامعي، متماشياً مع الرؤية الاستراتيجية الهادفة إلى تحويل الجامعات الجزائرية إلى أقطاب منتجة للتكنولوجيا، ومساهمة فاعلة في التنمية الاقتصادية من خلال تشجيع الابتكار، دعم حاضنات الأعمال، وتسويق المعرفة.

يرتكز تطبيق “Smart Lab TP” على منظومة تقنية متكاملة تبدأ بضمان الحماية المزدوجة والموثوقية عبر تأمين سلامة المستخدمين وحماية المعدات الدقيقة من التلف والحد من أخطاء التعامل مع المواد الكيميائية، مروراً بتقديم توجيه تفاعلي مستمر يزود الطلبة بإرشادات رقمية لحظية تعزز التعلم الذاتي وتخفف العبء عن المؤطرين، وصولاً إلى توفير تقييم آلي دقيق يعتمد على التحليل الفوري للبيانات لقياس كفاءة الطالب واستيعابه الميداني بموضوعية تامة.

يتجاوز هذا الابتكار حدوده الأكاديمية البحتة ليصبح منتجاً تكنولوجياً جاهزاً للتسويق والاستثمار. وتتسع دائرة استغلاله لتشمل قطاع التعليم العالي بهدف تحديث المخابر الجامعية وفق المعايير العالمية، وقطاع التربية الوطنية لإثراء الجانب التطبيقي بمدارس التعليم المتوسط والثانوي. كما يمثل إضافة نوعية لقطاع التكوين والتعليم المهنيين، حيث يتيح تدريب المتربصين على تشغيل المعدات والآلات الصناعية بأعلى مستويات الأمان.

يرسخ هذا التتويج الدولي موقع جامعة سيدي بلعباس ضمن طليعة المؤسسات الوطنية الراعية للملكية الفكرية، ويؤكد قدرة الباحثين والطلبة على تحويل الأبحاث والمشاريع العلمية إلى حلول عملية تدعم السوق وتسرّع من وتيرة نقل التكنولوجيا.

#التكنولوجيا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الإقتصاد الجزائري يفرض إيقاعه في إفريقيا: “سوناطراك” في الصدارة الإقليمية وشركات وطنية تزاحم كبار القارة

الإقتصاد الجزائري يفرض إيقاعه في إفريقيا: “سوناطراك” في الصدارة الإقليمية وشركات وطنية تزاحم كبار القارة

بوابة الجزائر الإخبارية : في تأكيد جديد على الثقل الاقتصادي المتنامي للجزائر في القارة السمراء، كشف التصنيف السنوي لمجلة “جون أفريك” (Jeune Afrique) لأكبر 500 شركة إفريقية لعام 2026، عن حضور جزائري وازن يعكس متانة القاعدة الصناعية والخدماتية للبلاد. وتواصل المجمعات والشركات الجزائرية، بشقيها العام والخاص، تثبيت أقدامها ضمن النخبة الاقتصادية الإفريقية، مقودةً بقطاعات استراتيجية حيوية تشمل الطاقة، الصناعات التحويلية، البنية التحتية، والاتصالات.

الإقتصاد الجزائري يفرض إيقاعه في إفريقيا: “سوناطراك” في الصدارة الإقليمية وشركات وطنية تزاحم كبار القارة

هيمنة طاقوية مطلقة

على رأس هذا المشهد، تتربع شركة سوناطراك (Sonatrach) على عرش الشركات الإفريقية بلا منازع، محتلة المرتبة الأولى قاريًا بإيرادات ضخمة تجاوزت عتبة 64.8 مليار دولار. هذا الرقم لا يعكس فقط القوة التصديرية للجزائر، بل يؤكد دورها كفاعل رئيسي في أمن الطاقة الإقليمي والدولي. وإلى جانبها، يواصل قطاع الطاقة الجزائري فرض سيطرته عبر شركة نفطال (Naftal) التي جاءت في المرتبة 41 كفاعل أساسي في توزيع المحروقات، وسونلغاز (Sonelgaz) في المرتبة 46، مما يرسخ استقلالية الجزائر وقدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة لإنتاج وتوزيع الطاقة.

الإقتصاد الجزائري يفرض إيقاعه في إفريقيا: “سوناطراك” في الصدارة الإقليمية وشركات وطنية تزاحم كبار القارة

القطاع الخاص يصنع الفارق

ولم يقتصر التألق الجزائري على الشركات الحكومية الكبرى، بل أثبت القطاع الخاص قدرته على المنافسة القارية المفتوحة. فقد برز مجمع سيفيتال (Cevital) كقوة صناعية مهمة ، محتلاً المرتبة 73 إفريقيًا والأولى محليًا في القطاع الخاص، ليؤكد ريادة الجزائر في مجال الصناعات الغذائية والتحويلية.
اما عن القطاع الصحي، سجل مجمع بيوفارم (Biopharm) حضوره في المرتبة 254 قاريًا، كأبرز مجمع صيدلاني خاص، وهو ما يعكس الخطوات المتقدمة التي تقطعها الجزائر نحو تحقيق الأمن الدوائي وتصدير الخبرات الطبية.

بنية تحتية متينة وسوق اتصالات حيوي

في قطاع الإنشاءات الذي يُعد عصب التنمية، يبرز مجمع كوسيدار (Cosider) في المرتبة 115 إفريقيًا، ليؤكد مكانته كقاطرة وطنية للبناء وتطوير البنية التحتية، جاهزة لتصدير خبراتها نحو الأسواق الإفريقية الناشئة. من جهة أخرى، أظهر قطاع الاتصالات ديناميكية عالية ومنافسة شرسة عكستها الأرقام؛ حيث تصدرت موبيليس (Mobilis) المشهد المحلي باحتلالها المرتبة 147 قاريًا، متبوعة بـ جيزي (Djezzy) في المرتبة 239، ثم أوريدو (Ooredoo) في المرتبة 251.

الإقتصاد الجزائري يفرض إيقاعه في إفريقيا: “سوناطراك” في الصدارة الإقليمية وشركات وطنية تزاحم كبار القارة

إن هذه المؤشرات والأرقام لعام 2026 ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي انعكاس حقيقي لمحركات نمو الاقتصاد الوطني. إنها تمثل الركيزة الأساسية لاستراتيجية الجزائر الجديدة الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، وتوسيع دائرة الاستثمارات والصادرات خارج المحروقات نحو العمق الإفريقي، لتؤكد الجزائر مجددًا أنها ليست مجرد بوابة لإفريقيا، بل قوة اقتصادية قادرة على صياغة مستقبل القارة.

#افريقيا#اقتصاد#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار للخزينة سنويا ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

بوابة الجزائر الإخبارية: يدخل مشروع «بلدنا الجزائر» لإنتاج الحليب ومشتقاته في ولاية أدرار مرحلة التنفيذ الثقيل باستثمار إجمالي يناهز 3.5 مليارات دولار، في أكبر مشروع فلاحي وصناعي متكامل للألبان في إفريقيا والعالم العربي، وأحد أضخم المشروعات من نوعه عالميًا. ولا تقف قيمته عند إنتاج مسحوق الحليب، بل تمتد إلى بناء منظومة تبدأ بزراعة الأعلاف وتربية الأبقار، وتعبر عبر الحلب والتحويل الصناعي، لتصل في مراحلها اللاحقة إلى إنتاج الأجبان واللبن والرايب والياغورت ومنتجات غذائية أخرى ذات قيمة مضافة.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

ويغطي المشروع مساحة تبلغ 117 ألف هكتار في ولاية أدرار، وهي مساحة تجعل المنشأة الجزائرية أكبر بكثير من قاعدة «بلدنا» القائمة في قطر. وعلى مستوى القطيع تحديدًا، يستهدف المشروع الجزائري الوصول إلى نحو 270 ألف بقرة، مقابل قرابة 23 ألفًا في منشآت الشركة القطرية الحالية، أي ما يقارب 12 ضعفًا. ومن ثم، فإن وصف مشروع أدرار بأنه أكبر بنحو عشر مرات من تجربة «بلدنا» في الدوحة يصبح أقرب إلى الدقة عند القياس بحجم القطيع والطاقة الزراعية والصناعية، وليس بمجرد المقارنة الشكلية بين المساحات.

وتكشف هذه الأرقام أن الجزائر لا تستنسخ تجربة قطر في تحقيق الاكتفاء من الحليب فحسب، وإنما تنقلها إلى مستوى أوسع يناسب سوقًا يتجاوز عدد سكانها 47 مليون نسمة، ويمتلك طلبًا مرتفعًا على مسحوق الحليب ومشتقاته. ويقوم المشروع على ثلاثة أقطاب متكاملة، يضم كل واحد منها مزرعة لإنتاج الحبوب والأعلاف، ووحدة لتربية الأبقار وإنتاج الحليب واللحوم، ومصنعًا لتحويل الحليب الخام إلى مسحوق ومنتجات مصنعة.

وتنفذ العملية عبر شركة «بلدنا الجزائر» المملوكة بنسبة 51% لمجموعة «بلدنا» القطرية و49% للدولة الجزائرية ممثلة في الصندوق الوطني للاستثمار. ويمنح هذا الهيكل الجزائر موقع الشريك داخل رأس المال، بدل الاكتفاء بمنح الأرض والتسهيلات لمتعامل أجنبي، كما يسمح بتوجيه المشروع لخدمة الاحتياجات الوطنية وربطه بسياسة الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الواردات.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

ويجسد هذا النموذج أحد أبرز ملامح الانفتاح الاقتصادي الذي يقوده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والقائم على استقطاب الاستثمار الأجنبي الذي ينشئ أصولًا إنتاجية وينقل التكنولوجيا ويوطن الخبرة، بدل فتح السوق أمام عمليات الاستيراد وإعادة البيع. فالشريك القطري لن يكتفي بتسويق منتجات «بلدنا» في الجزائر، وإنما يستثمر مليارات الدولارات في الأرض والمياه والمزارع والمصانع والتجهيزات والقطيع، بينما تدخل مؤسسات جزائرية في عمليات الإنجاز والمناولة والخدمات.

وبذلك تنتقل العلاقة مع رأس المال الأجنبي من منطق السوق الاستهلاكية إلى منطق القاعدة الإنتاجية. وهذا التحول هو جوهر السياسة الاستثمارية الجديدة للجزائر في عهد الرئيس تبون؛ إذ تُربط الامتيازات والعقار والتسهيلات بإنجاز مشروعات ملموسة، وتوظيف اليد العاملة، ورفع الإنتاج المحلي، وتقليل التبعية للخارج.

وأكدت شركة «بلدنا» القطرية، في أحدث إفصاح مالي وتشغيلي لها، أن الأشغال في أدرار تقدمت خلال النصف الأول من 2026، مع توسيع منشآت المياه الجوفية وشبكات الري، وبدء الأنشطة الزراعية في موسم الربيع، وزراعة الذرة العلفية والذرة الرفيعة السودانية، فضلًا عن تسجيل أولى عمليات حصاد الشعير والقمح.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

كما تقدمت الأشغال المدنية المتعلقة بمزارع الأبقار ومرافق التحويل، بالتوازي مع أعمال التصميم والهندسة الخاصة بالمصانع والخدمات المشتركة. ويعني ذلك أن المشروع انتقل من الدراسات والعقود إلى تكوين قاعدته الإنتاجية الفعلية، بعدما بدأت الأرض في إنتاج الأعلاف المخصصة للقطيع قبل وصول أولى دفعات الأبقار.

وصنفت المجموعة القطرية مشروع الجزائر بأنه حجر الزاوية في توسعها الدولي وأحد أهم محركات نموها طويل الأجل خارج السوق القطرية. وهذه المكانة لا تعكس جاذبية السوق الجزائرية فقط، بل تؤكد نجاح السلطات في تحويل الأمن الغذائي إلى قطاع قادر على استقطاب رؤوس الأموال والخبرات العالمية. إفصاح «بلدنا» للنصف الأول من 2026

وقد بلغ مجموع الحزمتين الأوليين من العقود التنفيذية أكثر من 1.135 مليار دولار. وتجاوزت قيمة الحزمة الأولى، الموقعة في جويلية 2025، حاجز 500 مليون دولار، وغطت معدات الزراعة والري وحفر الآبار والهياكل المعدنية ومنظومات الحلب والتصنيع، إلى جانب الهندسة والاستشارة وإدارة المشروع.

أما الحزمة الثانية، التي وُقعت في أفريل 2026، فتجاوزت قيمتها 635 مليون دولار، وشملت الأشغال المدنية والمنشآت الزراعية والمرافق السكنية ومحطات الخرسانة وتسوية الأراضي وتوسيع شبكات الري، فضلًا عن برنامج شراء الأبقار الحلوب ونقلها إلى الجزائر.

وتظهر تركيبة هذه العقود أن المشروع لا يقوم على شركة أجنبية واحدة تنجز كل الأشغال ثم تغادر، بل على شبكة من المؤسسات الجزائرية والدولية. فقد أسندت عقود إلى شركات وطنية تنشط في حفر الآبار والأشغال العمومية وتسوية الأراضي وبناء الهياكل والمساكن، بينما انخرطت مؤسسات محلية أخرى في المناولة المرتبطة بالكهرباء والنقل والأخشاب والتجهيز والصيانة والخدمات اللوجستية.

وتسمح هذه المناولة بتوزيع الأثر الاقتصادي على نطاق أوسع من حدود الشركة المشتركة. فكل مزرعة أو مصنع يحتاج إلى شبكات كهربائية، وطرق داخلية، ومنشآت تخزين وتبريد، ووسائل نقل، وهياكل معدنية وخشبية، وخدمات صيانة ومراقبة وأمن وإطعام وإيواء. ومن ثم، تتحول قيمة الاستثمار إلى طلبيات وأجور وعقود تستفيد منها مؤسسات جزائرية صغيرة ومتوسطة، بدل تسرب كامل الإنفاق نحو موردي المعدات في الخارج.

كما ستوفر مرحلة التشغيل طلبًا دائمًا على الأطباء البيطريين والمهندسين الزراعيين وتقنيي الري والحلب والتبريد والتحويل الغذائي، إلى جانب سائقي الشاحنات وعمال المخابر والصيانة والتغليف والتخزين. وتتحدث التقديرات الأساسية عن نحو خمسة آلاف منصب دائم، بينما ترتفع التقديرات إلى أكثر من 15 ألف فرصة عند احتساب وظائف البناء والمناولة وسلاسل التوريد والخدمات غير المباشرة.

وعليه، لا يُختزل أثر المشروع في عدد العمال داخل المزارع والمصانع، بل يمتد إلى بناء اقتصاد محلي جديد في أدرار. فالولاية التي ارتبط نشاطها تاريخيًا بالفلاحة الصحراوية والخدمات تتحول تدريجيًا إلى قطب يجمع الزراعة الصناعية وتربية الأبقار والتحويل الغذائي والخدمات اللوجستية، ما يرفع الطلب على السكن والنقل والتكوين والصيانة والمؤسسات المساندة.

وسيبدأ المشروع في نوفمبر 2026 تنفيذ برنامج جوي لاستقدام 30 ألف بقرة حلوب من سلالة «هولشتاين فريزيان» من الولايات المتحدة. وتُنقل الأبقار عبر 109 رحلات على امتداد عشرة أشهر، بمعدل يقارب 300 رأس في الرحلة الواحدة ونحو عشر رحلات شهريًا.

وسيأتي القطيع من تسع ولايات أميركية، هي أريزونا ونيو مكسيكو وتكساس وكولورادو وأيداهو وكاليفورنيا وكانساس وآيوا وإنديانا. وتتراوح القيمة المقدرة لبرنامج الشراء والنقل والخدمات اللوجستية بين 250 و300 مليون دولار، بما يكشف ضخامة العملية وتعقيدها البيطري واللوجستي. تفاصيل برنامج استقدام الأبقار

وفي المقابل، تتولى شركة «GEA» الألمانية توفير الحلقة التكنولوجية الأساسية لمنظومة الحلب والتصنيع، ضمن عقد تتراوح قيمته بين 140 و170 مليون يورو، صنفته المجموعة الألمانية ضمن أكبر الطلبات المنفردة التي حصلت عليها في تاريخ عدد من فروعها.

وتشمل تجهيزات الشركة محالب آلية كبيرة، وأنظمة فصل وترشيح ومعالجة حرارية، ووحدات التبخير والتجفيف بالرذاذ، وخطوط التعبئة والأتمتة، فضلًا عن تجهيزات إنتاج دهن الحليب اللامائي. وبهذا تمتد التكنولوجيا من التعامل مع الحليب فور خروجه من المزرعة إلى تحويله وتعبئته منتجًا نهائيًا قابلًا للتخزين والتوزيع.

وتصف «GEA» المنشأة بأنها الأكبر عالميًا من نوعها، وحددت نهاية 2027 موعدًا لبدء أول إنتاج من مسحوق الحليب، قبل رفع الأحجام تدريجيًا. كما قدرت قدرة الوحدة الصناعية المشمولة بعقدها بنحو 100 ألف طن سنويًا، في حين تحدد التصورات الكاملة للمشروع، عبر أقطابه ومراحله المختلفة، هدفًا يصل إلى قرابة 194 ألف طن سنويًا. بيان «GEA» الرسمي

ومن الضروري هنا الفصل بين طاقة أول منشأة تدخل التشغيل والقدرة النهائية لجميع مكونات المشروع. فكمية 194 ألف طن لن تتحقق فور تشغيل المصنع الأول، وإنما بعد اكتمال المراحل وارتفاع عدد الأبقار وتوسع إنتاج الأعلاف ودخول وحدات إضافية حيز الخدمة. أما الهدف الاستراتيجي المثبت، فيتمثل في تغطية ما يصل إلى 50% من احتياجات الجزائر من مسحوق الحليب.

وتقدر فاتورة استيراد مسحوق الحليب، وفق اختلاف السنوات والأسعار والكميات، بما يتراوح عادة بين 800 مليون دولار وأكثر من مليار دولار. كما بلغت قيمة واردات بعض فئات الحليب المركز والمجفف مستويات تجاوزت 1.2 مليار دولار في سنوات ارتفاع الأسعار.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

لذلك، لا يعني تشغيل المشروع أن الخزينة ستحصل تلقائيًا على 1.2 مليار دولار إيرادات سنوية، وإنما أن الجزائر تستطيع، عند بلوغ الطاقات المستهدفة، الاحتفاظ بجزء معتبر من النقد الأجنبي الذي كان يوجه إلى شراء مسحوق الحليب من الخارج. وبما أن المشروع يستهدف تغطية قرابة نصف الطلب، فإن الوفر المباشر سيُحتسب على أساس قيمة الواردات التي يجري تعويضها فعليًا، بعد خصم تكاليف التشغيل والمعدات والمدخلات المستوردة.

ومع ذلك، فإن المكسب الاقتصادي أوسع من مجرد خفض الفاتورة. فالمبلغ الذي كان يغادر البلاد لشراء منتج نهائي سيُعاد تدوير جزء منه داخل الاقتصاد الوطني في صورة أجور وعقود نقل وكهرباء وصيانة وأعلاف وتغليف وخدمات. كما ستتكون أصول زراعية وصناعية دائمة، بدل استهلاك العملة الصعبة في واردات تنتهي قيمتها بمجرد توزيعها.

ولا يتوقف المشروع عند مسحوق الحليب. فالتركيبة المتكاملة للقطيع والمصانع تفتح المجال، في المراحل اللاحقة، لإنتاج الحليب المبستر واللبن والرايب والياغورت والأجبان والزبدة والقشدة ومكونات غذائية أخرى. كما يرتقب أن يرفد السوق باللحوم الحمراء ويسهم في تنمية القطيع الوطني.

ويمثل التوسع في هذه المنتجات المرحلة الأعلى من حيث القيمة المضافة، لأن إنتاج الجبن والياغورت ومشتقات الحليب يسمح بزيادة العائد المحقق من كل لتر، وبناء علامات تجارية محلية، وتقليل واردات منتجات مصنعة أخرى، وفتح إمكانية التصدير إلى أسواق الساحل وغرب إفريقيا عند تحقيق فائض تنافسي.

كما يمنح موقع أدرار المشروع منفذًا طبيعيًا نحو الأسواق الإفريقية جنوب الجزائر. فإذا نجحت مرحلة تلبية الطلب الوطني وارتفعت الكفاءة الإنتاجية، يمكن تحويل الولاية إلى قاعدة لتصدير مسحوق الحليب ومنتجات طويلة الحفظ نحو دول الساحل التي تعتمد بدورها على الواردات وتعاني ضعف صناعة الألبان المحلية.

أما في فرنسا، فلا توجد معطيات رسمية موثوقة تسمح بالقول إن الحكومة الفرنسية أعلنت رفضها للمشروع. غير أن آثاره التجارية لا يمكن أن تريح المصدرين التقليديين للحليب الأوروبي، ومن بينهم الشركات الفرنسية، لأن تغطية نصف الطلب الجزائري تعني انكماش سوق خارجية كبيرة كانت تستوعب مئات آلاف الأطنان سنويًا.

فالجزائر تُعد من أكبر أسواق مسحوق الحليب عالميًا، وقد تراوحت وارداتها خلال السنوات الماضية بين 350 و440 ألف طن سنويًا. وأظهر تقرير لوزارة الزراعة الأميركية أن البلاد استوردت نحو 419 ألف طن في 2022 وكمية مماثلة تقريبًا في 2023، بقيمة سنوية كانت تقدرها وزارة الفلاحة عند نحو 800 مليون دولار قبل احتساب موجات ارتفاع الأسعار اللاحقة. تقرير سوق الحليب في الجزائر

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

وعندما تنتقل الجزائر من استيراد الكميات إلى إنتاج جزء كبير منها محليًا، فإن الخسارة لا تقع على مورد واحد فقط، بل على منظومة من المصدرين وشركات الوساطة والنقل والتأمين. ولهذا يصبح الانزعاج التجاري مفهومًا لدى الجهات التي اعتادت النظر إلى السوق الجزائرية باعتبارها منفذًا دائمًا لفوائض الصناعة الأوروبية.

وتكمن قوة المقاربة التي يقودها الرئيس تبون في أن الرد لم يأت عبر شعارات أو قرارات منع معزولة، وإنما عبر بناء بديل إنتاجي. فالجزائر لا تستبدل المورد الفرنسي بمورد أجنبي آخر فحسب، بل تستبدل تدريجيًا الحليب المستورد بمزارع ومصانع وقطيع وإنتاج فوق أرضها.

ومع ذلك، يبقى نجاح المشروع مرتبطًا بكفاءة إدارة المياه الجوفية، ومردودية الأعلاف، وصحة القطيع، وقدرة المنشآت على العمل في الظروف المناخية الصحراوية، فضلًا عن التحكم في كلفة الإنتاج. كما يتطلب ضمان إدماج المؤسسات الجزائرية في الصيانة والتصنيع والتغليف، حتى لا تتحول التبعية من استيراد مسحوق الحليب إلى استيراد دائم للتجهيزات وقطع الغيار والخدمات التقنية.

ويظهر المسار المسجل حتى الآن أن المشروع يتقدم وفق تسلسل إنتاجي واضح: حفر الآبار وإنجاز الري، ثم زراعة الأعلاف وحصاد أولى المحاصيل، وبعدها بناء المزارع والمصانع، قبل استقبال القطيع والشروع في الإنتاج نهاية 2027. وهذا التسلسل يمنح المشروع أساسًا ميدانيًا لا يتوفر في مشروعات تظل لسنوات عند مستوى مذكرات التفاهم.

وفي المحصلة، لا يمثل «بلدنا الجزائر» مزرعة أبقار عملاقة فقط، بل مشروعًا لإعادة هيكلة سوق الحليب وبناء صناعة غذائية جديدة في الجنوب. فهو الأكبر في إفريقيا والعالم العربي من حيث نطاقه المتكامل المعلن، ويتجاوز بأضعاف تجربة الشركة الأم في قطر، ويوجه أكثر من 3.5 مليارات دولار إلى الزراعة والتربية والتحويل والخدمات.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

كما يعيد المشروع تموقع أدرار على الخريطة الاقتصادية، ويوفر آلاف الوظائف، ويفتح سوقًا واسعة أمام شركات المناولة الجزائرية في الكهرباء والنقل والأخشاب والبناء والصيانة، ويهيئ للانتقال من مسحوق الحليب إلى الأجبان والياغورت واللبن والرايب وبقية المشتقات.

والأهم أن المشروع يقدم ترجمة عملية لانفتاح الرئيس عبد المجيد تبون على الاستثمار الأجنبي المنتج: شراكة تحتفظ فيها الدولة بنسبة 49%، وتأتي بالتمويل والخبرة العالمية، وتبني القدرات داخل الجزائر، وتواجه فاتورة استيراد ثقيلة بأداة أكثر استدامة من القيود الإدارية. فإذا احترمت آجال نهاية 2027 وارتفعت الطاقات تدريجيًا إلى مستوياتها المستهدفة، ستكون الجزائر قد حولت أحد أكبر بنود تبعيتها الغذائية إلى صناعة وطنية، وحرمت الموردين التقليديين من سوق ظل لسنوات مصدرًا ثابتًا لمداخيلهم

#الجزائر قطر#مشروع بلدنا
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

بوابة الجزائر الإخبارية: بينما يندفع مستوردون كبار إلى شراء القمح الأسترالي والأرجنتيني بأسعار تصل إلى 330 دولارًا للطن لتعويض تعطل شحنات البحر الأسود، تدخل الجزائر موجة الاضطراب بتحصينات بُنيت قبل اشتداد الأزمة: محصول حبوب متوقع عند 5 ملايين طن، ومناقصة مبكرة أمّنت ما يصل إلى 720 ألف طن بنحو 289 دولارًا للطن، وقاعدة موردين واسعة تسمح بتحويل الطلب من الموانئ الروسية عالية المخاطر إلى رومانيا وبلغاريا. وتعكس هذه العناصر رؤية استباقية كرّسها الرئيس عبد المجيد تبون، تقوم على الجمع بين رفع الإنتاج الوطني وتأمين الواردات بدل ترك غذاء الجزائريين رهينة منشأ واحد أو طريق بحري مضطرب.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

لم تنتظر الجزائر وصول ارتدادات حرب البحر الأسود إلى مخزوناتها حتى تبدأ التحرك، ولم تتعامل مع وفرة القمح في الأسواق العالمية باعتبارها ضمانًا دائمًا للأمن الغذائي. فقد بُنيت المقاربة المعتمدة خلال السنوات الأخيرة على معادلة أكثر صرامة: إنتاج محلي أكبر، ومخزون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، ومناقصات مفتوحة أمام مناشئ متعددة، وشراء مبكر يأخذ في الحسبان مخاطر الشحن والتأمين، لا السعر الاسمي وحده.

وتتضح قيمة هذه المقاربة اليوم، بعدما تسببت الهجمات المتبادلة على السفن ومرافق تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية في تأخير أو إلغاء عشرات الشحنات خلال ذروة الموسم، وأجبرت مستوردين آسيويين على التوجه بصورة عاجلة نحو أستراليا والأرجنتين، متحملين فارقًا سعريًا بلغ في بعض الحالات 70 دولارًا للطن مقارنة بشحنات البحر الأسود.

ولا يعني ذلك أن الجزائر أصبحت بمنأى كامل عن ارتفاع الأسعار؛ فهي لا تزال مستوردًا رئيسيًا للقمح، خاصة القمح اللين الموجه إلى صناعة الدقيق والخبز. غير أن البلاد تدخل الصدمة من وضع أفضل نسبيًا، بعدما رفعت إنتاجها المتوقع، ووسعت خياراتها التجارية، ووجهت أحدث مشترياتها نحو مناشئ أوروبية أقل تعرضًا في الوقت الراهن لمخاطر الموانئ الروسية والأوكرانية.

كما لا توجد، حتى الآن، معطيات رسمية عن نقص في المخزون أو اضطراب في تموين السوق الجزائرية. ويتمثل الخطر المباشر في ارتفاع كلفة الشراء والشحن والتأمين إذا طال أمد الأزمة، لا في انقطاع فوري للإمدادات.

الجزائر اشترت قبل القفزة العالمية

في مناقصة دولية أُغلقت مطلع أوت 2026، اشترى الديوان الجزائري المهني للحبوب كمية من القمح اللين تراوحت تقديراتها بين 540 ألفًا و720 ألف طن، بأسعار دارت حول 289 إلى 290 دولارًا للطن شاملة كلفة الشحن.

ورجح متعاملون أوروبيون أن تكون رومانيا وبلغاريا أبرز مصدري الكميات، رغم تقديم عروض روسية أقل سعرًا. ويعكس هذا الترجيح تغيرًا مهمًا في طريقة تقييم العروض؛ إذ لم يعد السعر الأدنى على الورق كافيًا عندما ترتفع احتمالات تأخر السفن أو تعطل التحميل أو زيادة أقساط التأمين.

فقد يتحول العرض الروسي الأرخص إلى صفقة أعلى كلفة إذا تأخرت الناقلة، أو اضطرت إلى تغيير الميناء، أو تحملت رسوم انتظار، أو أُعيدت برمجة الشحنة. ولذلك منح توجيه المشتريات نحو رومانيا وبلغاريا أفضلية لاستقرار التسليم، حتى وإن كان سعر القمح أعلى قليلًا من بعض العروض المنافسة.

وتبدو أهمية هذا القرار أوضح عند مقارنته بما واجهه المشترون الآسيويون بعد أسابيع قليلة فقط. فقد كشف تقرير لـرويترز، نُشر في 3 سبتمبر، أن مستوردين في آسيا اشتروا ما لا يقل عن 500 ألف طن من القمح الأسترالي والأرجنتيني خلال فترة تراوحت بين أسبوع و10 أيام، لتعويض شحنات روسية وأوكرانية لم تصل في مواعيدها.

ودفع المشترون ما بين 315 و330 دولارًا للطن، شاملًا الشحن، مقابل القمح الأسترالي الممتاز، وما بين 310 و315 دولارًا للقمح الأرجنتيني. في المقابل، كانت شحنات البحر الأسود قد حُجزت سابقًا بأسعار تراوحت بين 260 و280 دولارًا للطن.

وبذلك جاء سعر المناقصة الجزائرية الأخيرة أقل بما بين 20 و41 دولارًا للطن من مستويات الصفقات البديلة التي اضطر مستوردون آسيويون إلى إبرامها خلال سبتمبر. وتظل المقارنة تقريبية بسبب اختلاف الجودة ونسبة البروتين والموانئ ومواعيد التسليم، لكنها تظهر بوضوح القيمة التي حققها التوقيت الجزائري المبكر.

فلو اشترت الجزائر 720 ألف طن بسعر وسطي قدره 289.5 دولار للطن، فإن القيمة الحسابية للشحنة تناهز 208.4 ملايين دولار شاملة الشحن. ولو جرى شراء الكمية نفسها عند 315 دولارًا للطن، لارتفعت الكلفة بنحو 18.4 مليون دولار، بينما يصل الفارق إلى قرابة 29.2 مليون دولار عند سعر 330 دولارًا.

ولا تمثل هذه الحسابات قيمة العقد الرسمية، لأن الحجم النهائي والشروط التفصيلية لم يعلنا، لكنها تكشف مقدار الحساسية المالية التي قد تنتج من فارق بضعة أسابيع في توقيت المشتريات.

وكانت الجزائر قد اشترت قرابة 700 ألف طن في مناقصة أغلقت نهاية مارس بنحو 272 دولارًا للطن شاملًا الشحن. وعلى هذا الأساس، ارتفع سعر مناقصة أوت بنحو 17 إلى 18 دولارًا للطن، أي قرابة 6.4%، لكنه بقي دون الأسعار التي فرضتها موجة الشراء الطارئة من أستراليا والأرجنتين.

وهنا تظهر كفاءة التحوط التجاري: الجزائر لم تمنع ارتفاع السعر العالمي، لكنها قلصت درجة تعرضها للقفزة الحادة عبر الشراء قبل بلوغ السوق مستوياتها الجديدة، واختارت موردين أقرب نسبيًا وأكثر قابلية لضمان مواعيد التسليم.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

محصول 2026 يمنح الجزائر خط الدفاع الأول

تزامن التحوط في الاستيراد مع تحسن قوي في الإنتاج الوطني. فقد توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» أن يبلغ محصول الحبوب في الجزائر خلال 2026 نحو 5 ملايين طن، أي أعلى بنحو 30% من المتوسط، ليسجل أكبر حصيلة منذ 2019.

ولا يمثل هذا الرقم إنجازًا زراعيًا معزولًا، بل خط دفاع اقتصاديًا في مواجهة سوق تتعرض لضغوط جيوسياسية ومناخية ولوجستية متلاحقة. فكل طن يُنتج ويُجمع محليًا يقلل الكميات التي يتعين شراؤها بالدولار، ويحد من انتقال ارتفاع الأسعار الخارجية إلى فاتورة الواردات.

ويعكس التحسن نتائج التوجه الذي وضع الأمن الغذائي ضمن أولويات الدولة تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، عبر توسيع المساحات المسقية، وتشجيع الزراعات الاستراتيجية في الجنوب، واستصلاح الأراضي، واستقطاب الاستثمارات الزراعية الكبرى، وتعزيز التخزين وجمع المحاصيل.

وتقوم النظرة الاستشرافية في هذا المسار على عدم اختزال الأمن الغذائي في موسم ممطر أو محصول استثنائي، بل الانتقال تدريجيًا من زراعة شديدة الارتباط بالتساقطات إلى إنتاج يستند بدرجة أكبر إلى الري والتكنولوجيا والبذور المحسنة والتسيير الدقيق للمياه.

فالجزائر لا تستطيع التحكم في حرب البحر الأسود، ولا في أسعار بورصة شيكاغو، ولا في أقساط التأمين البحري. لكنها تستطيع التحكم في مساحة الأراضي المسقية، ووتيرة إنجاز مخازن الحبوب، ومستوى تجميع الإنتاج، ومردودية الهكتار، وتوقيت المناقصات، وعدد الموردين المؤهلين.

وتكتسب زيادة الإنتاج أهميتها القصوى إذا جرى جمع المحصول بكفاءة وتوجيهه إلى المطاحن وشبكات التخزين. فالإنتاج الموجود في الحقول لا يتحول تلقائيًا إلى أمن غذائي ما لم ترافقه قدرة على الحصاد والنقل والتجميع والتخزين والمحافظة على النوعية.

كما أن تقليص خسائر ما بعد الحصاد يمكن أن يضيف كميات فعلية إلى المعروض من دون توسيع المساحات المزروعة. ولذلك تمثل الصوامع ومراكز التجميع والنقل المتخصص حلقة لا تقل أهمية عن الإنتاج نفسه.

ومع ذلك، ينبغي الفصل بدقة بين محصول الحبوب الإجمالي وإنتاج القمح اللين. فتقدير 5 ملايين طن يشمل القمح الصلب والقمح اللين والشعير ومحاصيل أخرى، بينما تتركز حاجة الجزائر الخارجية أساسًا في القمح اللين المستخدم في صناعة الخبز.

ولهذا لن يلغي تحسن المحصول الاستيراد، لكنه يمنح الدولة قدرة أفضل على خفض الكميات المطلوبة، وتوزيع المشتريات زمنيًا، وانتظار فرص سعرية أكثر ملاءمة بدل الاضطرار إلى الشراء تحت ضغط الحاجة الفورية.

توقعات الواردات القديمة لا تعكس محصول 2026

قدرت وزارة الزراعة الأميركية في تقرير صدر سنة 2025 واردات الجزائر من القمح بنحو 9.2 ملايين طن خلال الموسم التسويقي 2025-2026، بالتزامن مع توقعها إنتاجًا محليًا للقمح عند نحو 3 ملايين طن.

لكن هذه الأرقام تسبق التقييم الأحدث لمنظمة الأغذية والزراعة، الذي يتوقع وصول محصول الحبوب الجزائري في 2026 إلى 5 ملايين طن. كما أن رقم 9.2 ملايين طن يخص موسمًا تسويقيًا محددًا، ولا يمكن نقله تلقائيًا إلى موسم 2026-2027 أو اعتباره فاتورة استيراد ثابتة.

وسيكون مقدار التراجع الممكن في الواردات مرتبطًا بحصة القمح داخل محصول الحبوب، ونسبة القمح اللين منه، والكميات التي يجمعها الديوان، وحجم المخزون المرحّل، ومستوى الاستهلاك، واحتياجات المطاحن.

غير أن الاتجاه العام واضح: كلما ارتفع الإنتاج الوطني القابل للتسويق، اتسعت قدرة الجزائر على تقليص الانكشاف على السوق الدولية، أو على الأقل إدارة المشتريات بمرونة أكبر.

وتعزز هذه المرونة قدرة الدولة على حماية نظام دعم الخبز من الصدمات الخارجية. فإذا ارتفعت الأسعار العالمية بصورة حادة، تستطيع الخزينة امتصاص جزء من الزيادة، لكن ذلك يرفع تكلفة الدعم ويضغط على ميزان المدفوعات. أما رفع الإنتاج المحلي، فيعالج أصل الانكشاف بدل الاكتفاء بتغطية آثاره المالية.

كما أن الأمن الغذائي لا يقاس بنسبة الاكتفاء الذاتي وحدها. فقد يكون الاستيراد جزءًا طبيعيًا من توازن السوق، لكن الخطر يظهر عندما يعتمد بلد على مورد واحد أو ممر واحد أو توقيت شراء ضيق. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين الإنتاج الوطني وتنويع المناشئ وإدارة المخزون.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

تنويع الموردين يكسر سلاح المنشأ الواحد

اكتسب قمح البحر الأسود حضورًا متزايدًا في السوق الجزائرية بعد تعديل شروط الاستيراد منذ 2020، بما سمح للموردين الروس بالمنافسة بصورة أوسع وقلص الهيمنة التقليدية للقمح الفرنسي.

كما ارتفعت صادرات أوكرانيا إلى الجزائر بقوة، إذ بلغت نحو 1.6 مليون طن بين جويلية 2025 وفيفري 2026، لتصبح الجزائر ثاني أكبر وجهة للقمح الأوكراني خلال تلك الفترة بعد مصر.

ولا يعني اتساع حصة روسيا وأوكرانيا استبدال تبعية قديمة بتبعية جديدة؛ لأن مناقصات الديوان تتيح التوريد من مناشئ اختيارية متعددة، وفق السعر والجودة وشروط التسليم.

وتستطيع الجزائر المفاضلة بين روسيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وألمانيا ودول البلطيق وكندا والأرجنتين وأستراليا، إلى جانب أي منشأ آخر يستجيب للمواصفات. وهذه القدرة ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل أداة سيادية لحماية التموين.

فعندما ترتفع مخاطر الموانئ الروسية، يمكن توجيه الطلب إلى رومانيا وبلغاريا. وإذا تراجع المحصول الأوروبي أو ارتفعت أسعار المنطقة، يمكن توسيع المنافسة لتشمل أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا. كما تستطيع الجزائر تقسيم المشتريات على فترات وشحنات مختلفة لتجنب وضع كامل الكميات تحت خطر سعري أو لوجستي واحد.

ويعكس هذا المسار تحرر القرار التجاري الجزائري من الارتباط التاريخي بمورد بعينه. فالمعيار أصبح مصلحة السوق الوطنية: السعر، والجودة، وسرعة التسليم، وكلفة الشحن والتأمين، وقدرة المصدر على الوفاء بالتزاماته.

وتنسجم هذه البراغماتية مع رؤية الرئيس تبون لبناء قرار اقتصادي أكثر استقلالًا. فالسيادة الغذائية لا تعني إغلاق السوق أمام الواردات، بل امتلاك القدرة على اختيار المورد والتوقيت والكمية من دون الخضوع لاحتكار أو ضغط سياسي.

البحر الأسود يرفع كلفة المخاطر قبل كلفة القمح

شهدت السوق العالمية تغيرًا حادًا منذ نهاية جوان، إذ ارتفعت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو بنحو 35% حتى مطلع سبتمبر، مدفوعة بنقص الإمدادات واضطراب حركة الشحن في البحر الأسود.

وتصاعدت المخاطر بعد استهداف سفن ومرافق تصدير روسية وأوكرانية. كما أعلنت مجموعة «ADM» الأميركية أن ضربة بطائرة مسيرة في 31 أوت ألحقت أضرارًا بمحطتها لتصدير الحبوب في ميناء أوديسا الأوكراني.

وأصبح مالكو السفن أكثر تحفظًا تجاه الرسو في الموانئ المعرضة للهجمات، ما أدى إلى تأجيل التحميل أو إلغائه ورفع كلفة التأمين. كما اضطرت بعض السفن التجارية إلى استخدام وسائل بدائية للحماية من الطائرات المسيرة، في مؤشر على انتقال المخاطر العسكرية مباشرة إلى سلاسل الغذاء العالمية.

وفي روسيا، بدأت شركات تصدير الحبوب تحويل بعض الشحنات نحو بحر البلطيق بعد تعرض منشآت البحر الأسود وبحر آزوف لتهديدات متزايدة. غير أن قدرة هذا المسار البديل تبقى محدودة.

فقد تعاملت موانئ البحر الأسود وبحر آزوف مع نحو 46.3 مليون طن من صادرات الحبوب الروسية خلال الموسم السابق، بما يعادل قرابة 90% من الشحنات المنقولة بحرًا. في المقابل، لم تتجاوز صادرات الحبوب عبر موانئ البلطيق الروسية نحو مليون طن، بينما تقدر طاقتها القصوى بنحو 7 ملايين طن سنويًا.

وبذلك لا يستطيع البلطيق تعويض المسار الجنوبي إذا طال الاضطراب، ما يعني أن المشكلة لا تتعلق بتغيير ميناء التحميل فقط، بل باختناق محتمل في قدرة التصدير الروسية نفسها.

وتزيد هذه المعادلة من أهمية قرب الجزائر من رومانيا وبلغاريا وموانئ أوروبا، إذ تستطيع الحصول على شحنات بديلة من مسافات أقصر نسبيًا من تلك التي تفصل أستراليا أو الأرجنتين عن المشترين الآسيويين.

كما تقلل مرونة المنشأ من تعرضها لسيناريو دفع أسعار طارئة مرتفعة. فالجزائر لا تنتظر وصول السفن المتأخرة ثم تبحث عن بديل بأي سعر، بل تستخدم المناقصة لخلق منافسة بين عدة مناطق إنتاج.

كم يمكن أن تكلف صدمة الأسعار الجزائر؟

إذا افترضنا، لأغراض الحساب فقط، استيراد 9 ملايين طن، فإن ارتفاع السعر الوسطي بمقدار 10 دولارات للطن يضيف 90 مليون دولار إلى الفاتورة. وإذا بلغت الزيادة 30 دولارًا، ترتفع التكلفة الإضافية إلى 270 مليون دولار، بينما تعني زيادة 50 دولارًا نحو 450 مليون دولار.

ولا تمثل هذه الأرقام توقعًا للفواتير الجزائرية؛ فهي تفترض انتقال الزيادة إلى جميع الكميات، في حين يشتري الديوان الحبوب على دفعات وبأسعار ومواعيد ومناشئ مختلفة، كما أن جزءًا من الاحتياجات قد يكون مؤمنًا بعقود سابقة أو مغطى بالمخزون والإنتاج المحلي.

ويستطيع محصول 2026 تخفيف أثر الأسعار بطريقتين. تتمثل الأولى في خفض الحجم المطلوب من الخارج، بينما تتعلق الثانية بمنح الديوان وقتًا أوسع لاختيار توقيت المناقصات بدل الشراء العاجل.

فإذا أدى تحسن الإنتاج المحلي، على سبيل المثال، إلى تقليص الواردات بمليون طن، فإن ذلك يوفر قيمة مشتريات تصل إلى 300 مليون دولار عند سعر 300 دولار للطن، قبل احتساب تكاليف التخزين الداخلي وجمع المحصول. ويظل هذا المثال حسابيًا، لأن الخفض الفعلي سيتحدد وفق تركيبة الإنتاج والمخزون والاستهلاك.

ومهما كان الرقم النهائي، فإن الاتجاه الاقتصادي ثابت: الاستثمار في الإنتاج المحلي والتخزين أقل تعرضًا للمفاجآت من تغطية كامل الطلب عبر سوق تتحكم فيها الحروب والمناخ والشحن وأسعار العملات.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

رؤية تبون تنقل الأمن الغذائي من رد الفعل إلى الاستباق

تكشف أزمة البحر الأسود القيمة العملية للرؤية التي وضعها الرئيس تبون لقطاع الفلاحة، والقائمة على التعامل مع الحبوب بوصفها مسألة سيادة وطنية، لا مجرد نشاط موسمي تحدده الأمطار.

فالتوسع الزراعي في الجنوب، ورفع المساحات المسقية، وتشجيع الاستثمارات الكبرى، وتطوير التخزين، وفتح المنافسة بين الموردين، ليست ملفات منفصلة؛ بل عناصر ضمن منظومة واحدة هدفها حماية السوق الوطنية من الصدمات الخارجية.

كما تُظهر الأزمة أن القرار الصحيح لا يكون دائمًا شراء العرض الأرخص، بل اختيار العرض الأكثر أمانًا عند احتساب جميع المخاطر. وهذا ما تعكسه مناقصة أوت، إذ رجح المتعاملون توجه الكميات نحو رومانيا وبلغاريا رغم وجود عروض روسية أقل سعرًا.

ومن هذه الزاوية، لم تدفع الجزائر علاوة غير مبررة، بل اشترت قدرًا أكبر من اليقين في وقت كانت فيه مخاطر البحر الأسود تتصاعد. وبعد أسابيع، اضطرت أسواق أخرى إلى دفع أسعار بلغت 330 دولارًا للطن للحصول على بدائل عاجلة.

وتمنح حصيلة متوقعة عند 5 ملايين طن البلاد خط دفاع داخليًا، بينما توفر مناقصات المنشأ الاختياري خط دفاع خارجيًا. أما المخزون وقدرات الجمع والتخزين، فيمثلان الحلقة التي تربط الإنتاج بالمستهلك وتمنع الصدمة العالمية من التحول إلى اضطراب محلي.

ومع ذلك، تظل المرحلة المقبلة حاسمة. فنجاح الموسم لن يقاس بحجم المحصول المقدر فقط، وإنما بالكميات التي جرى جمعها فعليًا، ونوعية الحبوب، وقدرة الصوامع على استيعابها، ومدى وصولها إلى المطاحن، وحجم الانخفاض الذي يمكن تحقيقه في الواردات.

كما ستتحدد كلفة الأزمة وفق نتائج المناقصات الجديدة، وتطور أسعار الشحن والتأمين، ومدة تعطل موانئ روسيا وأوكرانيا، ومدى قدرة رومانيا وبلغاريا والموردين الآخرين على توفير الكميات المطلوبة.

غير أن المؤشرات المتاحة حتى الآن تمنح الجزائر موقعًا أكثر أمانًا من كثير من المستوردين. فلا يوجد إعلان رسمي عن نقص أو اضطراب في التموين، في حين يتجه المحصول إلى أعلى مستوى منذ سبع سنوات، وتملك الدولة حرية الانتقال بين موردين متعددين، وقد سبقت موجة الأسعار بشراء كمية كبيرة قبل اشتداد الاضطراب.

وبذلك، لا تواجه الجزائر أزمة البحر الأسود برد فعل ظرفي، بل بمنظومة تحوط تجمع الأرض والمخزون والمناقصة والتوقيت. وهي مقاربة تعكس استشرافًا اقتصاديًا أدرك مبكرًا أن القمح لم يعد سلعة تجارية فقط، بل ورقة جيوسياسية، وأن الدولة التي تريد حماية قرارها لا تترك خبز مواطنيها رهينة حرب بعيدة أو ميناء واحد أو مورد يحتكر شروط البيع.

#الحصاد#القمح#عبد المجيد تبون
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

بوابة الجزائر الإخبارية : في إطار تجسيد مخرجات الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية–النيجرية، المنعقدة بنيامي شهر مارس المنصرم ، واستكمالا لما تم الاتفاق عليه خلال زيارة وزير التجهيز والبنية التحتية لجمهورية النيجر، ساليسو ماهامان ساليسو، إلى الجزائر شهر جوان ، استقبل وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، وفدا هاما يقوده الأمين العام لوزارة التجهيز والبنية التحتية لجمهورية النيجر، عبد الله أوما أحمد، مرفوقا بمديرين عامين لمخابر قطاع التجهيز والبنية التحتية بجمهورية النيجر.

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

وقد خُصص هذا اللقاء لتبادل وجهات النظر حول سبل تجسيد بروتوكول التعاون الموقّع بنيامي ، ومتابعة تنفيذ مذكرات التفاهم بين الهيئة الوطنية للرقابة التقنية للأشغال العمومية (CTTP) والمخبر المركزي للأشغال العمومية (LCTP)، ونظيرتيهما بجمهورية النيجر، بالإضافة إلى بحث آفاق توسيع مجالات الشراكة وتعزيز القدرات التقنية بين الجانبين.

https://twitter.com/algatedz/status/2095568614594085045

وفي ذات السياق، تم التطرق إلى جملة من البرامج المزمع التوقيع عليها، لاسيما مشروع اتفاقية خاصة بين الهيئة الوطنية للرقابة التقنية للأشغال العمومية (CTTP) ومركز جودة الأشغال العمومية للنيجر (CPTP)، ومشروع مخطط عمل بين المؤسستين، إلى جانب مشروع اتفاقية للتكوين وإعادة التأهيل بين المخبر المركزي للأشغال العمومية (LCTP) والمخبر الوطني للأشغال العمومية والبناء بالنيجر (LNTPB)، فضلًا عن مشروع برنامج لتكوين الإطارات التقنية لجمهورية النيجر.

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

وقد تُوّجت سلسلة المشاورات بالتوصل إلى توقيع اتفاقيات خاصة بين المخابر المذكورة، وكذا اعتماد الصيغة النهائية لمخطط العمل، ومباشرة الانطلاق الفعلي في تجسيده ميدانيا، لا سيما في مجال نقل الخبرات والتكوين التقني في مختلف مجالات قطاع الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، بما يعزز التعاون وتبادل الخبرات ويرتقي بالعلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين.

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر وقطر على خط تثمين سبل الشراكة…لقاء إقتصادي يفتح ٱفاقا جديدة أمام رجال الأعمال !

الجزائر وقطر على خط تثمين سبل الشراكة…لقاء إقتصادي يفتح ٱفاقا جديدة أمام رجال الأعمال !


بوابة الجزائر الإخبارية : استقبل وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، البروفيسور كمال رزيق، اليوم ، وفدًا من رجال الأعمال القطريين برئاسة الشيخ محمد بن فهد محمد آل ثاني، وذلك في إطار تعزيز التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين، وبحث سبل تطوير التعاون والشراكة بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والقطريين.


وشكل اللقاء مناسبة لاستعراض مختلف فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري المتاحة بين البلدين، لاسيما في المجالات ذات الأولوية، بما من شأنه دعم المبادلات التجارية وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات ورجال الأعمال من الجانبين.

الجزائر وقطر على خط تثمين سبل الشراكة…لقاء إقتصادي يفتح ٱفاقا جديدة أمام رجال الأعمال !


كما تم التطرق إلى أهمية تعزيز الشراكات بين المؤسسات الجزائرية والقطرية، وتشجيع المبادرات الاقتصادية المشتركة التي من شأنها خلق قيمة مضافة ودعم المصالح الاقتصادية للبلدين.


ويأتي هذا اللقاء في سياق الجهود الرامية إلى ترقية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجزائر وقطر، وتكثيف التواصل بين رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين، بما يساهم في بناء شراكات مثمرة ومستدامة وخلق فرص جديدة للتعاون والاستثمار.

#الجزائر#قطر
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل الجزائر اجتماع الدول السبع المحورية في تحالف «أوبك+»، المقرر الأحد 6 سبتمبر، وهي تدافع عن معادلة دقيقة: حماية قيمة البرميل من أي ضخ متسرع، والمحافظة في الوقت نفسه على كامل قدرتها الإنتاجية تمهيدًا للاستحقاق الأكبر المتعلق بإعادة ضبط خطوط أساس الإنتاج لعام 2027.

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

فالاجتماع المرتقب لا يتعلق بكمية إضافية عابرة فحسب، بل يأتي عند نقطة تحول داخل التحالف، بعدما انتهت في سبتمبر عملية إعادة 1.65 مليون برميل يوميًا من التخفيضات الطوعية التي بدأت سنة 2023. وبذلك تنتقل الجزائر، إلى جانب السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان وعُمان، من إدارة الزيادات الشهرية إلى مواجهة أكثر حساسية: من يملك القدرة الحقيقية على الإنتاج، وكم برميلًا سيُسمح لكل دولة بضخه مستقبلًا؟

وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة تحدثت إلى «رويترز»، يتجه الاجتماع الافتراضي، الذي يُنتظر انطلاقه عند منتصف النهار بتوقيت الجزائر، إلى تثبيت سياسة الإنتاج خلال أكتوبر. غير أن هذا السيناريو يظل مرهونًا بالمداولات النهائية وبتقييم بيانات العرض والطلب والمخزونات وحركة الشحن العالمية.

تثبيت أكتوبر.. مكسب جزائري بلا براميل مجانية للسوق

بالنسبة إلى الجزائر، يمثل وقف الزيادات خلال أكتوبر الخيار الأكثر اتزانًا في المرحلة الحالية. فهو يجنب السوق موجة إمدادات جديدة قد تضغط على الأسعار، من دون أن يفرض على البلاد تنازلًا إنتاجيًا إضافيًا أو يقلص قدرتها على الاستفادة من المستويات السعرية المرتفعة.

وكانت الدول السبع قد أقرت رفع أهداف إنتاج سبتمبر بنحو 188 ألف برميل يوميًا، مستكملة بذلك التراجع التدريجي عن التخفيض الطوعي البالغ 1.65 مليون برميل يوميًا. لكن الزيادة المدرجة في الجداول لا تعني أن الكمية نفسها وصلت إلى المشترين؛ إذ بقي الإنتاج الفعلي دون المستويات الاسمية نتيجة اضطراب التدفقات الخليجية عبر مضيق هرمز، وتضرر منشآت روسية، وتعطل جانب من صادرات كازاخستان.

وهنا تبرز صلابة المقاربة التي تدافع عنها الجزائر داخل التحالف: السوق لا تحتاج إلى أرقام مرتفعة على الورق، وإنما إلى براميل قابلة للإنتاج والنقل والتسليم. وأي قرار يتجاهل أمن الممرات وقدرات الدول الفعلية قد يؤدي إلى قراءة خاطئة للمعروض، ثم إلى تصحيح حاد ومكلف في الأسعار.

وقد بلغ خام برنت 95.63 دولارًا للبرميل عند تسوية جلسة الأربعاء، مقابل 91.01 دولارًا لخام غرب تكساس الوسيط، قبل أن يتراجع قليلًا في تعاملات الخميس مع استمرار المخاطر المرتبطة بالمواجهة الأميركية الإيرانية واضطراب الملاحة عبر هرمز.

وعند هذه المستويات، تصبح حماية السعر أحيانًا أكثر جدوى من مطاردة زيادة محدودة في الكميات. فكل دولار إضافي في متوسط سعر البرميل يرفع الإيراد الإجمالي النظري لمبيعات مليون برميل بمليون دولار، قبل احتساب تكاليف الإنتاج والنقل وشروط العقود وفروق الجودة.

كما أن إنتاج عشرة آلاف برميل يوميًا عند سعر 95 دولارًا يعادل رقم أعمال نظريًا يقارب 347 مليون دولار سنويًا. لذلك فإن إدارة البرميل الجزائري لا تُختزل في عدد الوحدات المنتجة، بل في أفضل توازن بين الكمية والسعر والقدرة على التصدير.

وتظهر هنا قيمة وجود الجزائر داخل النواة التنفيذية المصغرة لـ«أوبك+». فهي ليست دولة تتلقى القرارات بعد اكتمالها، وإنما طرف حاضر في المداولات التي تضبط إيقاع الإمدادات، وتراقب الالتزام، وتحدد توقيت إضافة البراميل أو حجبها عن السوق.

معركة 2027.. كل برميل في خط الأساس يساوي مئات ملايين الدولارات

إذا كان قرار أكتوبر مكسبًا تكتيكيًا، فإن تحديد خطوط أساس 2027 يمثل المعركة الاقتصادية والاستراتيجية الأثقل. فهذا الخط ليس حصة إنتاج جاهزة، لكنه المستوى المرجعي الذي تُحسب انطلاقًا منه التخفيضات والزيادات المستقبلية، ولذلك يمكن لأي تعديل فيه أن يوسع أو يضيّق المساحة الإنتاجية المتاحة للدولة لسنوات.

وتخضع القدرات المستدامة للدول الأعضاء حاليًا لمراجعة فنية تتولاها شركة «DeGolyer and MacNaughton» الأميركية المتخصصة في تقييم الاحتياطات والطاقة الإنتاجية. ومن المنتظر تسليم النتائج إلى «أوبك» بنهاية سبتمبر، قبل فتح مفاوضات يُرجح أن تكون من أعقد جولات التفاوض داخل التحالف.

وبالنسبة إلى الجزائر، لا يتعلق الملف بمكانة رمزية على جدول الحصص، بل بأصل اقتصادي وسيادي قابل للتحويل مباشرة إلى إنتاج وصادرات وإيرادات.

فإضافة عشرة آلاف برميل يوميًا إلى الحصة المستقبلية تعادل 3.65 ملايين برميل سنويًا، بقيمة إجمالية نظرية تبلغ نحو 328.5 مليون دولار عند سعر 90 دولارًا للبرميل، وترتفع إلى قرابة 346.8 مليون دولار عند سعر 95 دولارًا.

أما خمسون ألف برميل يوميًا، فتمثل 18.25 مليون برميل في السنة، بقيمة نظرية تقارب 1.64 مليار دولار عند سعر 90 دولارًا. وهذه الحسابات لا تمثل أرباحًا صافية أو توقعًا مسبقًا لما ستحصل عليه الجزائر، لكنها تكشف لماذا تتحول بضعة آلاف من البراميل في مفاوضات خطوط الأساس إلى ملف مالي بالغ الحساسية.

ولا تدخل الجزائر هذه المفاوضات بالشعارات، بل بملف يرتكز على الاستثمار في المنبع، وحفر الآبار، وتحسين مردودية الحقول، واسترجاع الإنتاج المتراجع، وتحديث منشآت المعالجة والنقل. فالقدرة التي سيعترف بها التحالف يجب أن تكون مستدامة وقابلة للقياس، لا مجرد طاقة تصميمية غير مستخدمة.

ولهذا تمثل النتائج الميدانية لاستثمارات «سوناطراك» وشركائها ورقة التفاوض الأهم. فكل بئر تدخل الإنتاج، وكل حقل يستعيد جزءًا من طاقته، وكل انخفاض في فترات التوقف، يتحول إلى دليل فني يدعم حق الجزائر في خط أساس يعكس إمكاناتها الجديدة.

وتنسجم هذه المقاربة مع السياسة الطاقوية التي ترسخت بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، والقائمة على إعادة الاعتبار للاستثمار المنتج، وتجديد الاحتياطات، وتوسيع نشاط الاستكشاف، وتعزيز السيادة على القرار الطاقوي. فحماية الحصة داخل «أوبك+» تبدأ من الحقول الجزائرية، قبل أن تنتقل إلى طاولة المفاوضات الدولية.

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

تراجع قدرات منتجين كبار يمنح الجزائر وزنًا إضافيًا

تجري مراجعة خطوط الأساس في وقت تظهر فيه فجوة متزايدة بين الحصص النظرية والقدرات الفعلية لبعض المنتجين الكبار. وقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن إنتاج بلاده سيتراجع قليلًا خلال 2026، عازيًا ذلك جزئيًا إلى أعمال صيانة غير مقررة في المصافي.

كما خفضت مسودة حكومية روسية تقديرات الإنتاج للفترة بين 2026 و2029 بما يتراوح بين 16 و20 مليون طن مقارنة بتوقعات ماي. وتراجع تقدير إنتاج 2026 إلى 494.2 مليون طن، أو نحو 9.88 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى متوقع منذ 17

ويمنح هذا التراجع أهمية أكبر للدول التي تستطيع إثبات قدرتها على تشغيل حصصها بانتظام. فداخل سوق مضطربة، تصبح الموثوقية جزءًا من القوة التفاوضية: الدولة القادرة على الإنتاج والتسليم والمحافظة على منشآتها تختلف عن عضو يملك حصة اسمية لا يستطيع تحويلها إلى براميل فعلية.

وتستفيد الجزائر هنا من عناصر قوة متراكمة: منشآت إنتاج ونقل وتخزين وتصدير قائمة، قطاع خدمات نفطية متطور، خبرة تشغيلية تمتد عقودًا، وموقع قريب من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن استقرار مؤسساتي يجعل الإمدادات الجزائرية أكثر قابلية للتوقع.

كما تتيح السياسة الجزائرية القائمة على تنويع الشراكات، مع الإبقاء على «سوناطراك» في مركز القرار، جلب التكنولوجيا ورأس المال والخبرة من دون التفريط في السيادة على الموارد. وهذه المعادلة تمنح الجزائر قدرة على توسيع الإنتاج، وفي الوقت نفسه إبقاء قرار الاستثمار والتسويق منسجمًا مع مصالحها الوطنية.

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

الجزائر تفاوض على قيمة البرميل لا على عدده فقط

لن تكون مصلحة الجزائر في الحصول على أعلى حصة ممكنة مهما كان الثمن. فالاندفاع الجماعي نحو رفع خطوط الأساس قد يتحول إلى سباق إنتاج يضعف تماسك «أوبك+» ويفتح الباب أمام وفرة تهوي بالأسعار، فتربح الدول براميل إضافية على الورق وتخسر مليارات الدولارات في السوق.

لهذا تبدو المعادلة الجزائرية أكثر نضجًا: الدفاع عن خط أساس عادل يعكس القدرة الحقيقية، مع المحافظة على الانضباط الذي يصون قيمة النفط. فالبرميل الذي يباع بسعر مستقر ومجزٍ أكثر فائدة من زيادة كمية تؤدي إلى انهيار السعر.

ويظل تثبيت أكتوبر، إذا أقره اجتماع الأحد، رسالة إلى السوق بأن الدول السبع لن تضخ إمدادات إضافية لمجرد أن الجداول تسمح بذلك. كما يمنح التحالف وقتًا لقياس أثر عودة التخفيضات السابقة، ومراقبة حركة هرمز، وتقييم الإنتاج الروسي والكازاخستاني، قبل اتخاذ خطوة جديدة.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن الاجتماع يمثل مرحلة أولى في مسار تفاوضي أكبر. فهي مطالبة بحماية ثلاثة مكاسب مترابطة: سعر يمنح صادراتها قيمة عادلة، وحصة تسمح باستغلال طاقتها الإنتاجية، وخط أساس لعام 2027 يعترف بالاستثمارات والقدرات التي راكمتها.

وبذلك تدخل الجزائر غرفة قرار «أوبك+» لا بوصفها منتجًا هامشيًا ينتظر تسويات الكبار، بل دولة طاقوية ذات صوت محسوب، وخبرة تفاوضية، وقرار سيادي تدعمه رؤية الرئيس تبون لإعادة تثبيت البلاد قوةً موثوقة في هندسة أمن الطاقة العالمي.

فتثبيت إنتاج أكتوبر قد يحمي السوق لشهر واحد، أما معركة خطوط الأساس فستحدد وزن الجزائر النفطي لسنوات. وبين القرارين، تتمسك البلاد بالقاعدة الأذكى في إدارة الثروة: ليست القوة في ضخ أكبر عدد من البراميل، بل في امتلاك البرميل، وتوقيت إنتاجه، والدفاع عن قيمته.

#أوبك#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

إنجاز تكنولوجي عالمي: الذكاء الاصطناعي الجزائري يتربع على عرش الصدارة عبر تطبيق “Ayor AI”

إنجاز تكنولوجي عالمي: الذكاء الاصطناعي الجزائري يتربع على عرش الصدارة عبر تطبيق “Ayor AI”

في خطوة تؤكد الكفاءة العالية للكوادر الجزائرية وقدرتها على المنافسة والابتكار في أقوى المحافل التكنولوجية الدولية، حقق تطبيق “Ayor AI” الجزائري إنجازاً تاريخياً بانتزاعه المرتبة الأولى في التحدي العالمي “Agentic AI landing page creation” حيث تمكن التطبيق الجزائري من التفوق بجدارة على 752 تطبيقاً ومنصة متخصصة في الذكاء الاصطناعي من مختلف أرجاء العالم , ويعكس هذا الرقم الضخم للمشاركين حجم الإنجاز الذي حققته المنصة، ليثبت أن الكفاءات التكنولوجية الجزائرية قادرة على تجاوز الحدود ووضع بصمتها في صدارة المشهد الرقمي العالمي وابتكار حلول تتفوق على نظيراتها الأجنبية.
ويختص تطبيق “Ayor AI” بتقديم حلول متطورة وخدمات احترافية في بناء صفحات الهبوط (Landing Pages) ومواقع التجارة الإلكترونية بالاعتماد على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يوفر للمستخدمين تجربة سلسة، سريعة، وعالية الجودة تواكب أحدث المعايير التقنية وتلبي احتياجات السوق الرقمية المتسارعة.

وفي سياق هذا التتويج، عبر السيد “علي مقراني”، مؤسس التطبيق، عن فخره واعتزازه البالغين بهذا الفوز الذي يرفع الراية الوطنية عالياً في سماء التكنولوجيا، مؤكداً أن هذا الإنجاز هو ثمرة جهد وعمل دؤوب لتطوير منتج يضاهي ويتفوق على كبرى المنصات العالمية.


إن هذا الانتصار ليس مجرد نجاح لشركة واحدة، بل هو نقطة انطلاق واعدة وإلهام حقيقي للبيئة التكنولوجية في الجزائر. ويفتح هذا التتويج الباب واسعاً أمام المزيد من التطبيقات والمشاريع الجزائرية الرائدة لتحقيق نمو متسارع، وريادة المشهد التكنولوجي سواء على المستوى المحلي أو العالمي.

#الجزائر#الذكاء الاصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

بوابة الجزائر الإخبارية: في أقل من 24 ساعة، حوّلت الجزائر علاقتها النفطية مع النيجر إلى تجارة تسير في اتجاهين: شحنة من الخام النيجري تُسوّق دوليًا بمشاركة «سوناطراك» عبر الساحل البنيني، ووقود طائرات جزائري يغادر مصفاة أدرار نحو السوق النيجرية. وبهاتين العمليتين، اللتين وضعتا الجزائر ضمن أبرز الصفقات النفطية المسجلة في أوت 2026، بدأت تتشكل سلسلة أعمال إقليمية تجمع التكرير والتسويق والحفر والجيوفيزياء والتوزيع، وتمنح المجمع الجزائري موقعًا متقدمًا في سوق الطاقة بالساحل.

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

لا تستمد العمليتان أهميتهما من قيمة مالية معلنة، لأن «سوناطراك» والشركة النيجرية للمنتجات النفطية «سونيديب» لم تكشفا أسعار العقود أو حجم برنامج التوريد، وإنما من التحول الذي أحدثتاه في طبيعة العلاقة بين البلدين. فالجزائر لم تعد تتعامل مع النيجر بوصفها سوقًا لبيع منتج نهائي فقط، كما أن النيجر لم تعد بالنسبة إلى «سوناطراك» مجرد بلد يمتلك احتياطات وفرصًا للاستكشاف، بل أصبحت جزءًا من منظومة تجارية تتبادل فيها المواد والخدمات والخبرة.

ويكشف هذا النموذج عن مقاربة جزائرية أكثر نضجًا في التوسع الإفريقي؛ إذ تستثمر البلاد في الأصول التي تمتلكها بالفعل، وفي مقدمتها مصفاة أدرار وقدرات «سوناطراك» التجارية وفروعها المتخصصة، بدل حصر حضورها في تصدير النفط والغاز من الشمال إلى الأسواق التقليدية.

ومن خلال الجمع بين توريد وقود الطائرات والمساهمة في تسويق الخام النيجري، انتقلت الجزائر من اتفاقات التعاون إلى عمليات تتطلب إدارة شحنات فعلية، وتحديد مواصفات، وتنظيم النقل، وضبط الجودة، والتعامل مع المشترين والأسواق الدولية. كما فتحت المجال أمام توسيع النشاط لاحقًا ليشمل الحفر والمسح السيزمي وتوزيع الوقود وصناعة الزفت.

وقد أدرج التقرير الشهري لمنصة «الطاقة» المتخصصة العمليتين ضمن أكبر الصفقات النفطية خلال أوت 2026، إلى جانب اتفاقات سعودية محتملة تجاوزت 3.7 مليار دولار، وبيع 10 ملايين برميل من الخام إلى مصافٍ صينية، واتفاقية تقاسم إنتاج بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية و«شيفرون»، ومشروع مسح سيزمي في مصر يغطي 110 آلاف كيلومتر مربع.

ولا يمكن وضع العمليتين الجزائريتين في ترتيب مالي مباشر مع تلك الصفقات، لأن قيمتهما لم تُعلن. غير أن تصنيفهما بين أبرز عمليات الشهر يعكس ثقلهما التجاري والاستراتيجي، خصوصًا أنهما تنقلان التعاون الجزائري–النيجري من الوعود والمذكرات إلى تدفقات نفطية حقيقية.

تدفقات متعاكسة تصنع ممرًا تجاريًا واحدًا

بدأت أولى حلقات هذا المسار في 14 أوت 2026، عندما حملت «سوناطراك» و«سونيديب» أول شحنة من خام «ميلك» النيجري جرى تسويقها بصورة مشتركة، انطلاقًا من محطة سيمي النفطية في بنين.

ولم يكشف البيان الرسمي لـ«سوناطراك» حجم الشحنة أو قيمتها أو وجهتها النهائية، مكتفيًا بالإعلان عن تنفيذ أول عملية تحميل ضمن التسويق المشترك. غير أن تقارير اقتصادية منشورة في بنين أشارت إلى مغادرة الناقلة «Ottoman Sincerity» محطة سيمي–كبودجي محملة بنحو مليون برميل من الخام، تنفيذًا لعقد مؤرخ في 22 جويلية 2026.

وفي اليوم التالي، بدأت «سوناطراك» تسليم أولى شحنات وقود الطائرات «Jet A1» إلى النيجر، تنفيذًا لعقد بيع وشراء أبرم مع «سونيديب». وانطلقت الإمدادات من مصفاة أدرار «RA1D»، لتتحول المنشأة الواقعة في الجنوب الجزائري إلى قاعدة تموين إقليمية تتجاوز وظيفتها تلبية الطلب الوطني.

وخلال يومين، تشكلت معادلة تجارية متكاملة: النيجر تستفيد من خبرة «سوناطراك» في تسويق خامها والوصول به إلى السوق الدولية، بينما تستفيد الجزائر من فتح منفذ جديد لمنتجاتها المكررة في عمق الساحل.

ويختلف هذا النموذج عن العلاقة التقليدية القائمة على طرف يبيع وطرف يشتري؛ إذ تقوم الشراكة هنا على تبادل الأدوار داخل سلسلة القيمة. فالجزائر تبيع منتجًا عالي المواصفات، وتقدم في الوقت نفسه خبرتها التجارية لخدمة الخام النيجري، بينما تتحول النيجر إلى مورد للخام وسوق للوقود وشريك محتمل في الخدمات النفطية.

ومع ذلك، يجب التمييز بين المشاركة في تسويق الشحنة وشراء مليون برميل لحساب «سوناطراك». فالمعلومة الرسمية المتاحة تؤكد وجود عملية تسويق مشتركة، لكنها لا تثبت أن المجمع الجزائري اشترى كامل الكمية أو تحمل قيمتها التجارية. وقد يكون دوره مرتبطًا بالبحث عن المشترين، أو التفاوض، أو ترتيب الشحنة، أو تقاسم مهام التسويق مع «سونيديب».

كما لم تعلن الشركتان الكميات الدورية من وقود الطائرات، أو مدة عقد التوريد، أو آلية التسعير. ولذلك لا يمكن حتى الآن احتساب رقم الأعمال أو هامش الربح أو القيمة السنوية المتوقعة. أما المعطى المؤكد، فهو بدء التنفيذ وانتقال المنتجات بين البلدين فعليًا.

«سوناطراك» تمنح خام النيجر طريقًا إلى السوق الدولية

تُنتج النيجر خام «ميلك» من حقول أغاديم، ثم تنقله عبر خط أنابيب يمتد قرابة ألفي كيلومتر وصولًا إلى الساحل البنيني، حيث تشكل محطة سيمي منفذه البحري إلى الأسواق الدولية.

ومن خلال دخول «سوناطراك» مسار التسويق، تحصل النيجر على خبرة مؤسسة تدير منذ عقود عقودًا دولية معقدة، وتتعامل مع شركات تكرير وتجار وشركات شحن في أسواق متعددة. كما تملك الجزائر معرفة متقدمة في توقيت البيع، واختيار المشترين، وإدارة المخاطر السعرية واللوجستية، وترتيب التحميل وتسوية العمليات التجارية.

ولا تحتاج الجزائر، في هذه الحالة، إلى إنشاء ميناء أو أنبوب جديد لنقل الخام النيجري، لأن شبكة أغاديم–سيمي قائمة وتصل إلى الساحل البنيني. وهذا يسمح لـ«سوناطراك» بالدخول إلى النشاط من بوابة التجارة والتسويق، مع تقليص النفقات الرأسمالية المباشرة مقارنة بالدخول في مشروع نقل جديد.

كما تمنح العملية المجمع الجزائري فرصة للتعرف ميدانيًا إلى خصائص خام «ميلك»، وسلوك المشترين تجاهه، وفروق تسعيره، وكلفة نقله، ومدى ملاءمته للمصافي المختلفة. وإذا تطور التعاون إلى شحنات منتظمة، تستطيع «سوناطراك» بناء محفظة تجارية جديدة لا تعتمد فقط على تسويق الخام الجزائري.

وهذا المسار ينسجم مع تحول شركات الطاقة الوطنية الكبرى من مؤسسات إنتاجية إلى شركات متكاملة تنشط في التداول والتسويق والخدمات. فالقيمة لا تتحقق دائمًا بامتلاك البرميل، وإنما قد تنشأ من معرفة السوق، والوصول إلى المشترين، وإدارة النقل والتوقيت والمخاطر.

وبذلك تستثمر الجزائر واحدة من نقاط قوتها الأكثر رسوخًا: خبرتها الطويلة في التعامل مع أسواق الطاقة الدولية. وهي خبرة تحولت، في الحالة النيجرية، من مورد داخلي لـ«سوناطراك» إلى خدمة تجارية قابلة للتصدير.

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

مصفاة أدرار تتحول إلى ذراع تموين للساحل

في الاتجاه المقابل، يحمل تصدير وقود الطائرات «Jet A1» من مصفاة أدرار أهمية تتجاوز الشحنة الأولى. فالعملية تختبر قدرة الجزائر على تحويل منشآت التكرير الجنوبية إلى قاعدة تموين للأسواق الواقعة جنوب الحدود، بدل اقتصار نشاطها على تغطية الطلب الوطني.

ويمنح الموقع الجغرافي للمصفاة أفضلية مقارنة بمنشآت التكرير الموجودة على الساحل الجزائري، لأنها أقرب نسبيًا إلى النيجر وأسواق الساحل. ويمكن لهذا القرب أن يقلص جزءًا من مسافات النقل البري، ويدعم بناء سلسلة إمداد تنطلق من أدرار نحو المعابر الجنوبية.

غير أن الجدوى التجارية ستبقى مرتبطة بكلفة النقل والتأمين، وانتظام الكميات، وجاهزية الصهاريج والمخازن، وسرعة الإجراءات الحدودية، وقدرة الشبكة اللوجستية على المحافظة على مواصفات الوقود حتى نقطة التسليم.

ويُصنف «Jet A1» ضمن المنتجات النفطية التي تخضع لمتطلبات تقنية صارمة، بسبب استعماله في الطيران المدني وتأثير أي خلل في جودته أو تخزينه في السلامة الجوية. ولذلك فإن تصديره لا يقتصر على تحميل شاحنات ونقلها عبر الحدود، بل يتطلب مراقبة النوعية، وتوثيق سلسلة التداول، وضمان سلامة الخزانات ووسائل النقل، وإجراء الفحوص اللازمة عند مختلف نقاط التسليم.

ومن هذه الزاوية، يحمل بدء التوريد دلالة على أن التعاون تجاوز الإعلان السياسي إلى تنفيذ عقد يستند إلى ترتيبات فنية ولوجستية وتجارية. كما يعكس قدرة الصناعة التكريرية الجزائرية على توفير منتج مطابق للمواصفات المطلوبة داخل سوق إقليمية جديدة.

وإذا تحولت الدفعات الأولى إلى برنامج منتظم، يمكن لمصفاة أدرار أن تصبح قاعدة لتزويد أسواق أخرى في الساحل بوقود الطائرات ومنتجات نفطية إضافية. فعدد من دول المنطقة يعاني ضعف قدرات التكرير، ويعتمد على إمدادات تأتي من موانئ بعيدة، ما يرفع كلفة الوقود ويزيد تعرض السوق للاضطرابات اللوجستية.

وتتيح هذه الفجوة للجزائر فرصة بناء مركز توزيع جنوبي يستند إلى إنتاج محلي وخبرة «سوناطراك» وشبكات «نفطال». غير أن توسيع النموذج يحتاج إلى استثمارات في التخزين والنقل، وإلى عقود طويلة نسبيًا تضمن الكميات وتبرر تطوير البنية اللوجستية.

كما يرفع التصدير مستوى استغلال مصفاة أدرار، ويوسع قاعدة عملائها، ويحولها من وحدة مرتبطة بالسوق الداخلية إلى أصل يخدم سياسة الجزائر الاقتصادية تجاه إفريقيا. وهذه نقلة مهمة، لأن القيمة الحقيقية للمنشآت لا تقاس بطاقتها النظرية فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى أسواق جديدة وتحقيق تدفقات مستمرة.

من شحنتين إلى سلسلة نفطية متكاملة

لا تمثل عمليتا أوت بداية معزولة، وإنما نتيجة مسار مؤسساتي انطلق بمذكرة تفاهم بين «سوناطراك» و«سونيديب» في الأول من أكتوبر 2024، ثم توسع في 2 جوان 2026 بتوقيع ثلاث مذكرات تعاون بين الشركة النيجرية وعدد من فروع المجمع الجزائري.

وتتعلق المذكرة الأولى، الموقعة مع المؤسسة الوطنية للجيوفيزياء «إيناجيو»، بجمع البيانات السيزمية في النيجر ومعالجتها وتفسيرها. ويتيح تنفيذها للشركة الجزائرية دخول سوق الاستكشاف النيجري بخبرة متراكمة في المسح الجيوفيزيائي ودراسة الأحواض.

أما المذكرة الثانية، المبرمة مع المؤسسة الوطنية للأشغال في الآبار «إينافور»، فتستهدف إنشاء شركة مشتركة لتنفيذ عمليات الحفر. وإذا انتقلت إلى عقد نهائي، فستمنح الجزائر حضورًا مباشرًا في تطوير الحقول، بدل اقتصار دورها على التجارة والتسويق.

وتشمل المذكرة الثالثة تعاون «نفطال» و«سونيديب» في توزيع المنتجات النفطية وإنجاز مراكز التعبئة والتكوين، إلى جانب إنشاء شركة مشتركة لصناعة الزفت وتركيبه وتخزينه وتوزيعه.

ويكشف هذا المسار أن المقاربة الجزائرية لا تبحث عن صفقة منفردة أو سوق مؤقتة، بل تعمل على بناء سلسلة تمتد من المسح السيزمي والحفر إلى إنتاج الخام وتسويقه، ثم توريد الوقود وتخزينه وتوزيعه، وصولًا إلى صناعة الزفت وخدمات الطرق.

وبذلك تستطيع الجزائر تحقيق ثلاثة أصناف من الإيرادات: عائدات بيع المنتجات المكررة، ومداخيل تسويق الخام النيجري، وإيرادات الخدمات النفطية والهندسية. وإذا تحولت المذكرات إلى عقود تنفيذية، ستصبح فروع «سوناطراك» جزءًا من مراحل متعددة داخل الصناعة النفطية النيجرية.

كما يمنح هذا التكامل الجزائر قدرة أعلى على تثبيت حضورها؛ فالشركة التي تبيع شحنة واحدة قد تغادر بانتهاء العقد، أما المجموعة التي تشارك في الجيوفيزياء والحفر والتسويق والتوزيع والتكوين، فإنها تبني مصالح طويلة الأجل يصعب اختزالها في صفقة ظرفية.

ويعكس إدماج عدة فروع أيضًا قدرة المجمع الجزائري على تقديم عرض متكامل. فبدل دخول كل مؤسسة منفردة، تتحرك «سوناطراك» بمنظومة تشمل الاستكشاف والخدمات والتجارة والتكرير والتوزيع، وهي ميزة تنافسية مهمة داخل أسواق تبحث عن شريك يمتلك الخبرة والحلول عبر كامل سلسلة القيمة.

الصفقات الجزائرية تختلف عن سباق المليارات

تصدرت السعودية قائمة الصفقات النفطية في أوت 2026 من حيث القيم المعلنة، عبر اتفاقات محتملة تجاوزت 3.7 مليار دولار لشراء معدات الحفر والأنابيب وتطوير التعاون الرقمي، إلى جانب بيع 10 ملايين برميل من الخام لشركات تكرير صينية.

وفي ليبيا، اتجه النشاط نحو اتفاقية تقاسم إنتاج بين المؤسسة الوطنية للنفط و«شيفرون»، تتعلق باستكشاف مساحة تبلغ 7437 كيلومترًا مربعًا في حوض سرت. أما في مصر، فتمحور المشروع حول تنفيذ مسح سيزمي يغطي نحو 110 آلاف كيلومتر مربع، تمهيدًا لتوفير بيانات جديدة وطرح فرص استثمارية.

في المقابل، اختارت الجزائر مسارًا مختلفًا قائمًا على تحقيق تدفقات تجارية سريعة بالاستناد إلى أصول موجودة: مصفاة تعمل في أدرار، وقدرة تجارية لدى «سوناطراك»، وشبكة تصدير للخام النيجري قائمة عبر بنين، وفروع جزائرية جاهزة لتقديم الخدمات.

ويقلص هذا النموذج الفترة الفاصلة بين التوقيع وتحقيق أول نشاط تجاري، خلافًا لمشروعات الاستكشاف التي تحتاج إلى سنوات من المسح والحفر والتقييم قبل بلوغ الإنتاج.

كما أن عدم إعلان القيمة لا ينتقص من أهمية الصفقتين، لكنه يفرض قراءة دقيقة لهما. فالمؤشر الأساسي حاليًا ليس رقم الإيرادات، وإنما بدء حركة تجارية مزدوجة واختبار قدرة الشركات الجزائرية والنيجرية على تنفيذها.

وسيحدد نجاح المرحلة المقبلة عدد من المؤشرات، أبرزها انتظام شحنات وقود الطائرات، وحجم الكميات السنوية، واستقرار سلسلة النقل، وتكرار عمليات تسويق خام «ميلك»، والقيمة التي تضيفها «سوناطراك» إلى سعر البيع والوصول إلى المشترين.

كذلك سيبقى الانتقال من مذكرات التفاهم إلى العقود التنفيذية معيارًا حاسمًا. فإذا أنشئت شركات مشتركة للحفر والزفت، وبدأت «إيناجيو» تنفيذ المسوح، ودخلت «نفطال» نشاط التخزين والتوزيع، فإن التعاون سيتحول إلى منصة أعمال جزائرية داخل الساحل، وليس مجرد تبادل محدود للشحنات.

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

الجزائر تحول الجنوب إلى واجهة اقتصادية إفريقية

تتجاوز دلالة صفقات أوت قطاع النفط، لأنها تقدم نموذجًا لكيفية تحويل الجنوب الجزائري من مساحة حدودية إلى قاعدة إنتاج وتصدير وخدمات موجهة نحو إفريقيا.

فمصفاة أدرار لا تصبح مهمة فقط بما تنتجه للسوق الوطنية، بل بقدرتها على تموين دول الجوار. كما لا تقتصر قيمة خبرة «سوناطراك» على بيع المحروقات الجزائرية، بل تمتد إلى إدارة شحنات خام تملكه دول إفريقية أخرى.

وتنسجم هذه المقاربة مع توجه الجزائر نحو بناء علاقات اقتصادية أعمق مع دول الساحل، تقوم على المصالح المتبادلة وربط الاستقرار بالتنمية والطاقة. فالنيجر تحصل على وقود مطابق للمواصفات وخدمات فنية وتجارية، بينما تفتح الجزائر أسواقًا جديدة أمام منتجاتها وشركاتها وخبرتها.

كما تملك هذه الشراكة قابلية للتوسع خارج النيجر. فإذا أثبت المسار البري انطلاقًا من أدرار جدواه، يمكن تطويره لتزويد أسواق أخرى في الساحل بالوقود والزفت والخدمات النفطية. وإذا نجحت تجربة التسويق المشترك لخام «ميلك»، تستطيع «سوناطراك» عرض خبرتها على منتجين أفارقة آخرين يحتاجون إلى النفاذ للأسواق الدولية.

غير أن بناء منصة إقليمية حقيقية يتطلب تجاوز نجاح الشحنة الأولى إلى انتظام العمليات، والإعلان عن عقود واضحة، وتطوير التخزين والنقل، وضبط آليات التسعير، وتأهيل المعابر والخدمات اللوجستية.

كما ينبغي قياس المحتوى الجزائري في المشروعات المشتركة، وعدد الوظائف والتكوينات الناتجة عنها، وحصة المؤسسات الوطنية من الخدمات والمعدات. فالقيمة الاقتصادية الأوسع لا تأتي من المبيعات وحدها، بل من تشغيل سلاسل هندسية ولوجستية وتجارية حولها.

وبهذه الرؤية، لا تمثل عمليتا أوت مجرد إدراج للجزائر في قائمة شهرية لأكبر الصفقات النفطية. إنهما أول اختبار تجاري لنموذج أكثر طموحًا، تتحول فيه «سوناطراك» من مورد للمحروقات إلى منصة متكاملة للتكرير والتسويق والخدمات داخل الساحل.

فالجزائر لم تكتفِ بإرسال وقود الطائرات إلى النيجر، بل ساعدتها أيضًا على إخراج خامها إلى السوق الدولية. وهذا التبادل المتوازن يمنح العلاقة أساسًا اقتصاديًا أكثر صلابة، ويضع الخبرة الجزائرية في قلب سلسلة الطاقة النيجرية.

أما الرهان المقبل، فيتمثل في تحويل أولى الشحنات إلى تدفقات منتظمة، والمذكرات إلى مشروعات، ومصفاة أدرار إلى قطب تموين إقليمي، ووجود «سوناطراك» في النيجر إلى منصة أعمال تمتد من باطن الحقول إلى خزانات الوقود. وعندها تصبح صفقات أوت نقطة انطلاق فعلية لتوسع جزائري مدروس في واحدة من أكثر أسواق الطاقة الإفريقية قابلية للنمو.

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي