بوابة الجزائر الاخبارية : حين تضج شوارع ليون وباريس ومرسيليا بصرخات الغضب الشبابي، وحين تقتحم حشود الغاضبين مبنى بلدية مرسيليا مستحضرة شبح “سجن الباستيل” وثورة الأجداد، فإننا لسنا أمام مجرد احتجاجات عابرة لغلاء معيشة أو مطالب طلابية مؤقتة، بل نحن أمام مخاض عسير ومرعب ينذر بسقوط مدوٍ للجمهورية الفرنسية الخامسة برمتها. لقد سقطت قناع “الديمقراطية المثالية” التي طالما تغنت بها باريس، ليحل محلها هدير القنابل الصوتية، ودخان الغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه التي أفرغها الأمن في ساحات عجزت حكومة “سيباستيان لوكورنو” عن حمايتها، حتى وصل الأمر برئيس الوزراء نفسه أن يعترف بخزي وعجز فاضحين متبجحاً بأنها “معجزة” أن لا تكون الحصيلة أفظع بعد توقيف الآلاف وإصابة مئات رجال الشرطة.
والأمر الأكثر مرارة وبؤساً هو أن هذا الانفجار العارم لم يعد مجرد أزمة داخلية تعالجها الدولة بمرونة، بل تحول إلى مأساة هيكلية تتجاهل فيها النخبة الحاكمة أسئلة الاندماج والهجرة المشتعلة، وتترك البلاد فريسة لفشل ذريع في إدارة التنوع والرحمة المزعومة، حتى باتت فرنسا مادة دسمة لسخرية الساسة في واشنطن، من تهكمات ترامب الاستفزازية حول “الاشتراك في الثورة” إلى تشخيص “جي دي فانس” القاسي لفشل الليبرالية الغربية في تصدير أزماتها للعالم. إن فرنسا اليوم تقف عارية على حافة الهاوية، تحصي أيامها الأخيرة قبل ستة أشهر فقط من انتخابات رئاسية مشؤومة، وكأن التاريخ يعيد نفسه ليثبت أن قلاع الجمهورية قد تكون أوهى من أن تصمد أمام طوفان الغضب الشعبي والخراب الممنهج.

وفي هذا السياق، أكد حسين اعمران، في تصريح لـ”بوابة الجزائر”، أن فرنسا لا تقف حالياً على أعتاب انهيار مؤسساتي شامل، غير أنها تواجه أزمة بنيوية حقيقية تتداخل فيها الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل المرحلة الراهنة من أكثر المراحل تعقيداً بالنسبة للنظام السياسي الفرنسي.
انقسام برلماني وحكومات هشة يعمّقان أزمة الحكم
وأوضح حسين اعمران أن جوهر الأزمة الفرنسية يتمثل في وجود برلمان مجزأ يفتقر إلى أغلبية مستقرة قادرة على دعم السلطة التنفيذية وضمان استمرارية العمل الحكومي، وهو ما يجعل الحكومات المتعاقبة عرضة للاهتزاز، ويعقّد عملية تمرير القوانين والموازنات العامة.
وأشار اعمران إلى أن هذا الوضع يكشف عن تناقض بنيوي داخل الجمهورية الخامسة، التي صُممت مؤسساتها أساساً لتعمل في ظل رئيس يتمتع بصلاحيات واسعة، مدعوماً بأغلبية برلمانية تسمح له بتنفيذ برنامجه السياسي.
وأضاف أن فرنسا تجد نفسها اليوم أمام رئيس قوي من الناحية الدستورية، لكنه يواجه برلماناً منقسماً سياسياً ومجتمعياً، الأمر الذي ينتج حالة متواصلة من الانسداد ويحدّ من قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات حاسمة.
تراجع مستوى المعيشة والضغوط المالية يغذيان الاحتقان الاجتماعي
وفي قراءته للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، اعتبر حسين اعمران أن الصعوبات السياسية تتفاقم بفعل الضغوط المالية وارتفاع الدين العام، إلى جانب التحديات المرتبطة بتمويل الإنفاق العمومي والمحافظة على التوازنات الاقتصادية.
وتتزامن هذه الاختلالات مع استمرار الضغوط على مستوى معيشة شرائح من المجتمع الفرنسي، نتيجة ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والخدمات الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية لدى فئات اجتماعية، وهو ما يعمّق الشعور بعدم الاستقرار الاقتصادي ويغذي حالة الاستياء الشعبي.
ويرى اعمران أن تداخل هذه الأزمات مع احتقان الشارع الفرنسي يجعل مهمة الحكومات أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تتحول الإجراءات الاقتصادية ومحاولات ضبط الموازنات إلى مصدر جديد للتوتر بين السلطة والمجتمع.
انتخابات 2027 وتآكل الوسط السياسي يعيدان رسم المشهد الفرنسي
ولفت حسين اعمران إلى أن اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027 يضيف بعداً جديداً إلى الأزمة، في ظل تآكل قوى الوسط السياسي وتصاعد الاستقطاب بين التيارات المتنافسة.
وبحسب اعمران، فإن استمرار الانقسامات داخل البرلمان وتراجع فرص بناء توافقات سياسية مستقرة قد يدفعان فرنسا نحو مرحلة أشد تعقيداً، تصبح فيها إدارة المؤسسات أكثر صعوبة، وتتراجع قدرة الحكومات على معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحة.
هل تواجه الجمهورية الخامسة خطر الانهيار؟
ورغم قتامة المشهد، شدد حسين اعمران على ضرورة التمييز بين سقوط الحكومات وانهيار النظام الجمهوري، مؤكداً أن الاضطرابات الاجتماعية أو التغييرات الحكومية المتكررة لا تعني بالضرورة سقوط الجمهورية الخامسة.
وأوضح أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول حالة الانسداد إلى عجز متكرر عن تشكيل حكومات مستقرة وتمرير الموازنات، بما يهدد فعالية المؤسسات ويضع قواعد النظام السياسي موضع مساءلة.
وختم حسين اعمران، في تصريحه لـ”بوابة الجزائر”، إلى أن التحول الأخطر لن يكون مجرد تغيير حكومة أو تصاعد الاحتجاجات، بل انتقال النقاش السياسي الفرنسي من البحث عن بدائل حكومية إلى المطالبة بمراجعة الدستور وطبيعة النظام نفسه، وهو السيناريو الذي قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في مستقبل الجمهورية الخامسة برمتها.
























