بوابة الجزائر الإخبارية: لم يعد موقع الجزائر في الحسابات التجارية البرازيلية يُقاس بحجم مشترياتها من السكر والحبوب واللحوم فحسب، بل تحوّل إلى مكانة استراتيجية كرّستها برازيليا رسميًا: أكبر شريك تجاري للبرازيل في القارة الإفريقية، وثالث أكبر شريك لها في العالم العربي. ويأتي هذا التصنيف في وقت تعمل فيه الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على الانتقال من إدارة الواردات لتغطية حاجات السوق إلى توظيف ثقلها الشرائي وانتزاع استثمارات ونقل للتكنولوجيا وشراكات إنتاجية تعزز أمنها الغذائي.
وحدّثت وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية، يوم 26 أوت 2026، ملفها الرسمي المخصص للجزائر، مؤكدة أن الصادرات البرازيلية إلى السوق الوطنية قاربت 2.3 مليار دولار خلال 2024. كما أظهرت بيانات لاحقة مستندة إلى قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية استمرار الصادرات عند نحو 2.33 مليار دولار خلال 2025، بما يعكس رسوخ المبادلات عند مستويات مرتفعة، وليس تسجيل طفرة تجارية معزولة مرتبطة بسنة واحدة.
وتعني هذه المكانة أن الجزائر أصبحت أكبر منفذ إفريقي لقطاعات أساسية داخل واحدة من أضخم القوى الزراعية في العالم. فالبرازيل ليست موردًا هامشيًا للمنتجات الغذائية، وإنما قوة عالمية بلغ إجمالي صادراتها الزراعية نحو 169 مليار دولار، بحسب تقديرات حديثة، وتحتل مواقع متقدمة في تجارة السكر والصويا والذرة واللحوم والقهوة. ومع ذلك، تتصدر الجزائر جميع شركائها الأفارقة، ما يمنحها وزنًا تفاوضيًا قادرًا على إعادة تشكيل العلاقة بما يخدم الاقتصاد الوطني.
أربعة منتجات تصنع 83% من الصادرات
تكشف الأرقام البرازيلية أن أربع سلع فقط استحوذت على 1.902 مليار دولار من الصادرات المتجهة إلى الجزائر خلال 2024، أي نحو 82.7% من الإجمالي. وجاء سكر القصب في المقدمة بقيمة 953 مليون دولار، بما يعادل قرابة 41.4% من كامل المبيعات البرازيلية إلى السوق الوطنية.
وحلت الذرة ثانيًا بـ407 ملايين دولار، أو نحو 17.7% من الإجمالي، ثم الصويا بـ336 مليون دولار، بحصة تقارب 14.6%، تلتها اللحوم بـ206 ملايين دولار، بما يعادل نحو 9%. أما المنتجات الأخرى، فتقاسمت قرابة 398 مليون دولار، أو ما يزيد قليلًا على 17% من الصادرات.
وتوضح هذه التركيبة أن الجزائر ليست مجرد سوق استهلاكية للمنتجات النهائية، بل مشترٍ رئيسي لمدخلات تدخل مباشرة في منظومة الأمن الغذائي. فالذرة والمواد الصويية تمثلان مكونين أساسيين في صناعة الأعلاف وتربية الدواجن وإنتاج اللحوم والبيض، بينما يرتبط السكر بتموين الاستهلاك المنزلي والصناعات الغذائية والتحويلية.
كما تكشف مقارنة القيم أن السكر وحده تجاوز مجموع صادرات الذرة والصويا بنحو 210 ملايين دولار. وعلى الرغم من هيمنة هذا المنتج، فإن الوزن المجمع للحبوب والمواد البروتينية واللحوم يؤكد أن العلاقة التجارية تمس عدة حلقات داخل السلسلة الغذائية الجزائرية، من مدخلات الإنتاج الحيواني إلى المنتجات الموجهة مباشرة للمستهلك.
ولا ينبغي قراءة هذه الواردات باعتبارها مؤشر تبعية، وإنما ضمن سياسة تموين تديرها الجزائر وفق حجم الطلب والمخزون الوطني والإنتاج المحلي وتقلبات الأسواق الدولية. فقد أظهرت الأزمات العالمية الأخيرة أن الأمن الغذائي لا يقوم على الانغلاق، بل على الجمع بين زيادة الإنتاج الوطني وتنويع المناشئ وبناء مخزون استراتيجي يمنع تحول الاضطرابات الخارجية إلى ندرة داخلية.
وتبرز في هذا السياق الحنكة التي طبعت توجه الدولة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة. فسياسة الرئيس عبد المجيد تبون لم تتعامل مع الاستيراد باعتباره غاية دائمة، بل باعتباره أداة مرحلية لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية، بالتوازي مع توسيع المساحات الزراعية، وتشجيع الزراعات الاستراتيجية، ورفع قدرات التخزين والتحويل، وجذب الاستثمارات الكبرى إلى الجنوب.
ويمنح الجمع بين قوة الشراء وبرامج الإنتاج الوطني الجزائر قدرة أكبر على التفاوض مع الموردين. فالسوق التي تستوعب صادرات بمليارات الدولارات ليست متلقيًا سلبيًا، وإنما شريك يملك حق المطالبة بأسعار أفضل، وشروط صحية دقيقة، واستثمارات محلية، ونقل للخبرة، وإدماج للمنتج الجزائري داخل سلاسل القيمة الجديدة.
قفزة بمليار دولار في ثلاث سنوات
وتظهر المقارنة الزمنية سرعة صعود الجزائر داخل خريطة الصادرات البرازيلية. فقد ارتفعت المبيعات البرازيلية الموجهة إليها من نحو 1.3 مليار دولار في 2021 إلى ما بين 2.2 و2.3 مليار دولار خلال 2024، أي بزيادة قاربت مليار دولار في ثلاث سنوات.
وتعادل هذه الزيادة نموًا يناهز 77% عند اعتماد 2.3 مليار دولار أساسًا للمقارنة، وهو تطور يصعب تفسيره بارتفاع الأسعار وحده. فقد تزامن مع اتساع الكميات، وتنويع المنتجات، وفتح مسارات صحية وتجارية جديدة، إلى جانب ارتفاع حاجات بعض سلاسل الإنتاج الجزائرية إلى المواد الأولية.
أما استمرار الصادرات البرازيلية في حدود 2.33 مليار دولار خلال 2025، وفق بيانات «UN Comtrade»، فيشير إلى أن التدفقات حافظت على قاعدة مرتفعة بعد قفزة السنوات السابقة. وبذلك لم تعد الجزائر سوقًا ترتفع مشترياتها في سنة ثم تتراجع سريعًا، بل شريكًا ثابتًا يستحق تخصيص أجهزة متابعة رسمية داخل الإدارة الزراعية البرازيلية.
وقد تجسد ذلك في تخصيص وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية صفحة مستقلة للجزائر، إلى جانب تعيين ملحقة زراعية في السفارة البرازيلية بالجزائر العاصمة. ولا يتعلق هذا الحضور بوظيفة بروتوكولية، إذ يتولى متابعة القواعد الصحية والجمركية، ورصد فرص السوق، وتسهيل نفاذ المنتجات، وإعداد دراسات قطاعية تخدم المصدرين البرازيليين.
ويعني اهتمام برازيليا المؤسسي بالسوق الجزائرية أن مركز الثقل لم يعد في يد المورد وحده. فحين تنشئ قوة زراعية عالمية أدوات دائمة لفهم السوق الوطنية ومتابعة تشريعاتها، فإن ذلك يعكس إدراكًا بأن الوصول إلى الجزائر والمحافظة على حصتها التجارية فيها أصبحا هدفًا استراتيجيًا للشركات البرازيلية.
تبون يحوّل قوة الاستيراد إلى نفوذ اقتصادي
تكتسب المرتبة الجزائرية معناها الأعمق عند ربطها بالتحول الذي تشهده السياسة الاقتصادية الوطنية. فالرؤية التي يقودها الرئيس تبون لا تفصل بين حماية القدرة الشرائية وبناء السيادة الإنتاجية، ولا تتعامل مع تأمين الأسواق باعتباره نقيضًا لتطوير الزراعة المحلية.
ويظهر هذا التوازن في الأدوات التي استخدمتها الدولة لضبط الأسعار، ومنها الإعفاءات والتسهيلات الجبائية والجمركية المرتبطة ببعض المنتجات الغذائية، بالتوازي مع فرض رسوم على سلع أخرى لحماية التوازنات الإنتاجية الوطنية. وأشارت الوزارة البرازيلية إلى ترتيبات مست واردات اللحوم البيضاء المجمدة والبقول والأرز، فضلًا عن رسم جمركي بنسبة 5% على واردات الأبقار والأغنام الحية وبعض أنواع اللحوم.
غير أن بعض الإعفاءات الواردة في الصفحة البرازيلية كان محددًا زمنيًا إلى غاية 31 ديسمبر 2025، ولذلك لا يمكن تقديمها باعتبارها تدابير نافذة تلقائيًا خلال 2026 من دون الرجوع إلى التشريع الجزائري المحدّث. أما أهميتها الاقتصادية، فتتمثل في إظهار قدرة الدولة على استخدام السياسة الجمركية بصورة مرنة: تخفيف الرسوم عندما يتطلب تموين السوق ذلك، وإعادة ضبطها عندما تستدعي حماية الإنتاج الوطني تدخلًا مختلفًا.
وتعكس هذه المرونة مقاربة أكثر نضجًا في إدارة الأمن الغذائي. فالجزائر لا تسعى إلى استبدال الإنتاج الوطني بالاستيراد، كما لا تخضع تموين السوق لشعارات منفصلة عن الواقع؛ بل تستخدم المشتريات الخارجية لامتصاص الصدمات، مع الحفاظ على مسار استراتيجي يهدف إلى رفع الإنتاج المحلي وتقليص الفاتورة في المنتجات القابلة للزراعة أو التحويل داخل البلاد.
كما تمنح المرتبة الأولى إفريقيًا الجزائر ورقة قوية للانتقال من مجرد شراء الحبوب واللحوم إلى فرض محتوى استثماري داخل العلاقة. فالسوق التي توفر للبرازيل عائدات تتجاوز ملياري دولار سنويًا تستطيع أن تفاوض على إقامة وحدات لإنتاج الأعلاف، ومشروعات لتخزين الحبوب، ومصانع للتحويل الغذائي، وشراكات في تحسين السلالات والجينات النباتية والحيوانية.
فتح سوق الأغنام الحية
انتقل التعاون بين البلدين خلال 2025 إلى مرحلة جديدة بعد استكمال التفاوض بشأن الشهادة الصحية لتصدير الأغنام الحية من البرازيل إلى الجزائر. وصنفت وزارة الزراعة البرازيلية هذا الاتفاق بوصفه السوق رقم 101 التي فتحتها أمام منتجاتها خلال السنة، ورقم 401 منذ بداية 2023.
ولا يعني فتح المسار الصحي أن الجزائر أصبحت ملزمة باستيراد كميات ثابتة، بل يضيف منشأً جديدًا إلى قائمة الخيارات المتاحة، ويزيد القدرة على المفاضلة بين الأسعار والجودة وتكاليف النقل والشروط الصحية. وكلما اتسعت قاعدة الموردين، تحسنت قوة المشتري الجزائري وتراجعت مخاطر الارتهان لسوق واحدة.
كما ينسجم تنويع المناشئ مع سياسة ضبط السوق خلال فترات ارتفاع الطلب، خصوصًا المواسم التي تشهد زيادة استهلاك اللحوم. فوجود بروتوكول صحي جاهز يسمح بالتحرك عند الحاجة من دون بدء مفاوضات طويلة، بينما تظل الكميات الفعلية مرتبطة بقرار الجزائر وتقديرها لحاجات السوق الوطنية.
وسبق الاتفاق تنظيم وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية مهمة رسمية إلى الجزائر بين 26 و29 ماي 2025، ركزت على فرص التعاون في الجينات الحيوانية والنباتية والأسمدة والمواد الغذائية المحولة. ويوضح اتساع جدول الأعمال أن برازيليا تسعى إلى تجاوز السلع الأربع المهيمنة، والدخول في قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى.
لكن هذا التوسع يمكن أن يتحول بدوره إلى فرصة جزائرية إذا ارتبط الاستثمار بنقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي. فاستيراد الجينات الحيوانية أو النباتية يكتسب قيمة أكبر عندما يرفع مردودية القطعان والمحاصيل داخل الجزائر، بينما يصبح التعاون في الصناعات الغذائية أكثر جدوى إذا قاد إلى إنشاء وحدات تحويل وتشغيل يد عاملة جزائرية وتطوير سلسلة موردين محلية.
الجزائر تردّ بالأسمدة والنفط
لا تسير المبادلات في اتجاه واحد، رغم تفوق الصادرات البرازيلية في الميزان التجاري. فالجزائر تمد البرازيل بمنتجات استراتيجية يحتاج إليها اقتصادها الزراعي، وفي مقدمتها النفط والأسمدة، إلى جانب مواد معدنية وكيميائية أخرى.
وبلغت واردات البرازيل من الجزائر 413.8 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2025. واستحوذ النفط على 340.02 مليون دولار منها، ليظل أكبر منتج جزائري مبيعًا في السوق البرازيلية، رغم تراجع قيمته 29.9% وحجمه 24.9% مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
أما الأسمدة الجزائرية، فقفزت قيمتها إلى 54.6 مليون دولار بين جانفي وأفريل 2025، بزيادة سنوية قدرها 44.2%. وجاءت في المرتبة الثانية بين أهم السلع الجزائرية التي تستوردها البرازيل بعد النفط، ما يكشف موقعًا قابلًا للتوسع داخل أحد أكبر أسواق الأسمدة عالميًا.
كما ارتفعت مشتريات البرازيل من مجموعة تضم الملح والكبريت والأحجار والإسمنت والجير إلى 10.6 ملايين دولار خلال الفترة نفسها، محققة نموًا بلغ 175.8%. وشمل الارتفاع أيضًا منتجات كيميائية غير عضوية والزجاج والفلين، بما يؤكد وجود قاعدة أولية لتنويع الصادرات الجزائرية خارج المحروقات.
وتكتسب الأسمدة أهمية استراتيجية خاصة لأن البرازيل، رغم قوتها الزراعية، تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتغطية حاجات حقولها الواسعة. وفي المقابل، تمتلك الجزائر الغاز الطبيعي والفوسفات والخبرة الصناعية اللازمة لتطوير إنتاج الأمونيا واليوريا والأسمدة الفوسفاتية.
ويحوّل هذا التكامل العلاقة من معادلة بسيطة تستورد فيها الجزائر الغذاء وتصدر الطاقة، إلى دائرة إنتاجية أوسع: الجزائر تزود البرازيل بالطاقة والأسمدة التي تدعم زراعتها، والبرازيل توفر منتجات زراعية ومدخلات غذائية تحتاج إليها السوق الجزائرية. غير أن المكسب الأكبر للجزائر سيأتي من توسيع صادراتها ذات القيمة المضافة، حتى لا تبقى المبادلات مختلة لمصلحة المنتجات البرازيلية.
ويعكس اهتمام وزارة الزراعة البرازيلية هذا التحول؛ إذ أدرجت خلال ماي 2026 دراسة بعنوان «الجزائر خيارًا لتوريد مدخلات الأسمدة»، ما يكشف أن البرازيل لم تعد تنظر إلى الجزائر باعتبارها سوقًا لمنتجاتها فقط، وإنما موردًا محتملًا لمدخلات استراتيجية يحتاج إليها قطاعها الزراعي.
كما نشرت الوزارة في أفريل 2026 دراسة حول «الاستخبارات السوقية ومسارات دخول المادة الوراثية للدواجن إلى الجزائر»، وأخرى في جوان حول استخدام تونس واجهةً للمنتجات البرازيلية الموجهة إلى المستهلك الجزائري. وتكشف هذه المتابعة الشهرية الدقيقة حجم المنافسة التي تخوضها المؤسسات البرازيلية للحفاظ على موقعها في السوق الوطنية، كما تعزز حاجة الجزائر إلى استثمار هذا الاهتمام للحصول على شروط تجارية وصناعية أفضل.
من فاتورة توريد إلى مصانع داخل الجزائر
يفتح حجم المبادلات الحالي مجالًا واسعًا لنقل العلاقة من التجارة إلى الاستثمار. فالجزائر التي اشترت سكرًا برازيليًا بقيمة 953 مليون دولار خلال سنة واحدة تملك حجم طلب يكفي لدعم مشروعات في التكرير والتخزين والتوزيع، بما يزيد القيمة المضافة المتحققة داخل الاقتصاد الوطني.
وينطبق الأمر ذاته على الذرة والصويا. فبدل الاقتصار على استيراد المواد الخام، يمكن توجيه الشراكة نحو إنتاج الأعلاف المركبة محليًا، وتطوير التخزين والنقل، وربط التوريد بعقود استثمار في تربية الدواجن وإنتاج اللحوم. وبذلك تتحول كل كمية مستوردة إلى حلقة داخل سلسلة صناعية جزائرية بدل بقائها فاتورة نهائية تغادر قيمتها نحو الخارج.
كما يمكن توظيف الخبرة البرازيلية في الزراعة المدارية وشبه الجافة، وتحسين السلالات، والزراعة الدقيقة وإدارة المزارع الكبرى، لخدمة المشاريع الجزائرية في الجنوب. ولا يتعلق ذلك بنقل نموذج جاهز، بل باختيار التقنيات التي تتلاءم مع الموارد المائية والمناخ والتربة والأهداف الإنتاجية الوطنية.
وتمنح المشاريع الزراعية الكبرى التي شجعتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة قاعدة عملية لهذا الانتقال. فالدولة لم تعد تكتفي بإدارة العجز الغذائي، وإنما تعمل على بناء إنتاج واسع في الحبوب والذرة والمواد الزيتية والحليب واللحوم، مع استقطاب رؤوس الأموال والخبرات التي تقبل التصنيع والإنتاج داخل البلاد.
وفي هذا الإطار، تستطيع العلاقة مع البرازيل أن تخدم استراتيجية الإحلال محل الواردات بدل تكريسها. فالخبرة البرازيلية في البذور والجينات وإدارة الإنتاج يمكن أن ترفع المردودية الجزائرية، بينما تضمن السوق الوطنية عائدًا استثماريًا للمشروعات المشتركة، وتوفر الجزائر بدورها مدخلات الطاقة والأسمدة والبنية التحتية والموقع الجغرافي.
الجزائر بوابة برازيلية نحو إفريقيا
لا تقتصر جاذبية الجزائر على حجم استهلاكها، إذ يمنحها موقعها المتوسطي وامتدادها الإفريقي وقاعدتها الصناعية وشبكات النقل الجاري تطويرها قيمة تتجاوز السوق المحلية. وبالنسبة إلى الشركات البرازيلية، يمكن أن تصبح الجزائر منصة لإنتاج وتخزين وتحويل سلع موجهة إلى شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والأسواق العربية.
غير أن هذا الدور ينبغي أن يُبنى وفق المصلحة الجزائرية، بحيث لا تتحول البلاد إلى مجرد معبر لإعادة تصدير المنتجات البرازيلية، بل إلى قاعدة تصنيع تولد الوظائف وتدمج المؤسسات الوطنية وتستخدم المدخلات المحلية. وهنا يظهر الفارق بين فتح السوق وبناء الشراكة: الأولى تزيد التدفقات التجارية، بينما الثانية تترك داخل الجزائر رأس مال صناعيًا ومعرفة تقنية وقيمة مضافة.
وتملك الجزائر، بقيادة الرئيس تبون، عناصر قوية لفرض هذا التحول. فهي أكبر شريك إفريقي للبرازيل، وسوق مستقرة تتجاوز مشترياتها ملياري دولار، ومورد للطاقة والأسمدة، إلى جانب امتلاكها بنى مينائية وطرقًا وخطوط سكك حديدية تتوسع باتجاه الجنوب.
وبذلك تستطيع الجزائر التفاوض من موقع الشريك الذي يمنح البرازيل منفذًا إلى إفريقيا، لا من موقع السوق التي تنتظر ما يعرضه المورد. كما يمكن ربط الامتيازات التجارية بإنشاء وحدات إنتاج، وتكوين الكفاءات، ونقل التكنولوجيا، ورفع نسبة الإدماج المحلي، وفتح السوق البرازيلية أمام المنتجات الجزائرية.
ولا يخلو الهيكل الحالي من مخاطر، إذ إن استحواذ السكر والذرة والصويا واللحوم على أكثر من أربعة أخماس الصادرات البرازيلية يجعل التجارة عرضة لتقلب أسعار المحاصيل وتكاليف الشحن وأسعار الصرف وحجم الإنتاج. كما قد يؤدي التركّز في منشأ واحد إلى ارتفاع درجة التعرض لأي اضطراب مناخي أو لوجستي داخل البرازيل.
لكن الجزائر تملك القدرة على إدارة هذه المخاطر عبر تنويع الموردين، وتوسيع المخزون، وزيادة الإنتاج المحلي، والتفاوض على عقود طويلة الأجل بشروط سعرية مستقرة. كما يمنحها حجم السوق القدرة على توزيع المشتريات بين عدة مناشئ من دون التفريط في الشراكات التي أثبتت موثوقيتها.
وفي المقابل، يشكل توسيع الصادرات الجزائرية إلى البرازيل أولوية لتحقيق توازن أكبر. ولا تبدأ هذه العملية من الصفر، إذ دخل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية والمعدنية بالفعل إلى السوق البرازيلية. ويتمثل المطلوب في الانتقال من تدفقات متقطعة إلى عقود مستقرة، وإضافة منتجات بتروكيماوية وفوسفاتية وصناعية جديدة.
ويؤكد التصنيف الرسمي البرازيلي، في المحصلة، أن الجزائر أصبحت لاعبًا محوريًا داخل التجارة الإفريقية–اللاتينية، وليست مجرد سوق ضمن قائمة طويلة من وجهات التصدير. فقد قفزت مشترياتها من 1.3 مليار دولار إلى قرابة 2.3 مليار خلال ثلاث سنوات، واستقرت الصادرات البرازيلية عند مستويات مرتفعة، فيما ارتفعت صادرات الأسمدة الجزائرية 44.2% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2025.
أما المرحلة المقبلة، فلن تُقاس فقط بحجم السكر والذرة والصويا واللحوم التي تعبر الأطلسي، وإنما بما تستطيع الجزائر توطينه من مصانع وخبرات وسلاسل إنتاج. فالقيمة الحقيقية لمكانتها بوصفها أكبر شريك للبرازيل في إفريقيا تكمن في تحويل القوة الشرائية إلى نفوذ تفاوضي، والنفوذ إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج وطني.
وهنا تتجلى أهمية الرؤية الاقتصادية للرئيس عبد المجيد تبون، التي أعادت للدولة موقعها في توجيه الشراكات الكبرى وربطها بالسيادة الاقتصادية والأمن الغذائي. فالجزائر لا تريد أن تبقى زبونًا كبيرًا للبرازيل، بل تتقدم لتصبح شريكها الإنتاجي والاستراتيجي في إفريقيا؛ دولة تشتري حين تقتضي حاجة السوق، وتنتج حين تتوافر الجدوى، وتفاوض بحجمها، وتحوّل كل علاقة تجارية إلى رافعة لبناء اقتصاد وطني أقوى وأكثر استقلالًا.










