يا لا حظ الأرسيدي العاثر، الذي اختار جمعة الخيبات (الجمعة 13) ليجتمع عقب حدث وطني بارز ويصدر بيانا أقل ما يقال عنه أنه “لا حدث” و”خارج الزمن السياسي” وربما حتى “الجغرافي” وفق أطروحاته
يدرس الأرسيدي الوضع العام للبلاد فيشخص بأننا نعيش في “صدمة” قبل أن يحل محل المؤسسات الرسمية ويعلن بدلا عنها ما أسماه “نسب المشاركة” في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ومع أن الصدمة الحقيقية قد أصابت هذا البعبع السياسي من ورق وأتباعه هنا وهناك يتحدث بيان الأرسيدي عن “مصادر مأذونة“، فمن هي هذه المصادر وهل هذه الكلمة (أي مأذونة) مجرد محاولة جديدة للعب على الخرافة القديمة (صراع الأجنحة) التي تجاوزتها البلاد ولم يعد لها وجود إلا في أذهان أولئك المرتزقة خلف البحار والشاشات.
بعد الصدمة، يقفز بيان الأرسيدي إلى ما أسماه “العزلة” ويحاول الاستيلاء على فريق المقاطعين للانتخابات ليفوض نفسه ممثلا عنه ويعود بينا إلى أزمة ربيع 2019 عندما رمى بنا دعاة “لا حوار” إلى الهاوية وهم يكررون نفس الشعار “سلموا لنا البلاد لنحافظ عليها من الزوال” لكن دون صناديق ودون إرادة شعبية.
ولابد لهذا البيان الذي يسير في طريق مظلم ألا يرى النور أبدا فالجزائر بالنسبة للأرسيدي الذي اجتمع بالأبيار (العاصمة) وقال ما قال وكتب ما كتب ويستعد لعقد مؤتمر صحفي ليتحدث نفس الحديث يعيش في بلد شمولي يغتال فيه الخوف المواطنين في الشارع وينال منهم الرعب حتى بات سلمهم الاجتماعي مهدد (فهل يتحدث الأرسيدي عن نفس البلد الذي نعيش فيه أم عن بقعة أخرى).
ولأنها تشبه قصاصة نشرتها صحيفة فرنسية معروفة التوجهات يعود الأرسيدي ليتحدث عن “حملة انتخابية تحت القمع” وعن معاناة من اختاروا الإبحار خارج الإطار الدستوري والمؤسسات الشرعية ليصبح أيضا ناطقا باسمهم قبل أن نكتشف أن استمرارية الدولة الوطنية أصبحت في خطر. (فما هو الخطر الذي يتحدث عنه الأرسيدي ومن يروجون له اليوم؟)
وعلى نفس المنوال “في باريس، في الرباط وغيرها” يستبدل الأرسيدي اسمه ب”أمنيستي” حين تصبح بلادنا “معادية للحريات” ويتحدث عن استقالة جماعية للمواطنين وعن الهجرة غير الشرعية ليخبرنا في الأخير أنه منزعج بالأساس من تنظيم الانتخابات الرئاسية بشكل مبكر ودون سبب معقول.
ولتبرير الموقف السياسي وكيل الاتهامات للأخرين أو التشفي تصبح المواعيد القانونية في نظر الأرسيدي حيلة داخلية قام بها النظام لاستدامة الاستبداد وأن المشاركة فيها قبول بأداء مهمة (قبلها أخرون) وهو يمهد للهوس (إدانة إجراء الانتخابات ورفضها).
وبعد جلد الوطنيين الذين شاركوا في الانتخابات الرئاسية دون تسميتهم ينتقل الأرسيدي إلى جلد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وهو يحاول هذه المرة الاستيلاء على آلية قانونية لإدارة الانتخابات معروفة في مختلف بلدان العالم حين يدعي بأن للحزب فضل السبق في اقتراحها لكنها الآن وبعد خمس سنوات ليست على المقاس.
ولم تسلم حتى ردود أفعال المشاركين في الانتخابات من تقييمات الأرسيدي فيتهمهم بالزبائنية وبأنهم يلهثون خلف المكاسب والنتائج التي سينالونها فيما بعد، قبل أن يعلن نفسه صراحة عدوا للشعب الجزائري حين يصبح النظام السياسي الشرعي المنبثق عن الحراك الشعبي المبارك، خصمه الجديد.
ومباشرة بعد إعلان الخصومة (القطيعة) لم يعد للأرسيدي متسع من الوقت للتحليلات (السوداوية) أو تصفية الحسابات (الأنانية) ويطرح مبادرته السياسية التي يجب أن يفهم القارئ بأنها بديل للنظام السياسي القائم. (الفراغ)
ماذا يريد الأرسيدي ؟
لا حسابات ولا تحليلات، وأمام ما أسماه “الفشل” و”صافرة الإنذار” التي أزعجت الأرسيدي خلال الانتخابات يعود بنا هذا الحزب السياسي المعتمد إلى المربع الأول، حل السلطة الشرعية والنقاش الوطني الحر للبداية من
وبعد السياسي المحنك الذي يرى في صلابة البلاد وقوتها “هشاشة“، يطل علينا الدبلوماسي المخضرم “الغيور” على مصالح روسيا وفرنسا والإمارات أكثر من غيرته على مصالح الجزائر وهو يردد تلك النظرية البائدة بخصوص “الرجل المريض” وشرائه للشرعية بالتنازلات الاقتصادية.
وأمام هذه المعضلة (الوضع الدولي، الحدود،..) يدعو من جديد (دون ككل أو ممل) إلى الخيار الذي لا يزال يقاطعه الشعب وهو الحوار الذي يفضي إلى المسار ومنه إلى الجمعية التي تأسس للنظام الجديد بعيدا عن الشرعية الدستورية ومقوماتها الأساسية (السلطة للشعب).
ولمفارقة اللحظة (الخطيرة بالنسبة للأرسيدي) يغازل الحزب الذي لم ينجح في أن يكون البديل الديمقراطي جهات داخل السلطة وهو يتحمل مسؤوليته في وقت حرج لجمع المواطنين حول حوار وطني جامع هدفه “قلب النظام”.
ويطالب قبل الوصول لتلك اللحظة الحاسمة (التي تتجاوز الدستور والصندوق) بإطلاق ما أسماهم السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي وبفتح المجال السياسي والإعلامي وإلغاء القوانين المعادية للحرية.
وفي انتظار المؤتمر الصحفي لطرح هذه المبادرة السياسية ستقام الجامعة الصيفية للأرسيدي هذا العام في الخريف على أمل أن تهدأ نسائمه الخواطر بعد أن كسرها الأصبع الأزرق. وأي كسر.

















