بوابة الجزائر الإخبارية: تعيش مدينة سبتة الإسبانية على وقع حالة من القلق والاحتقان، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة غير النظامية وتداعياتها على الأمن والاستقرار، وسط مطالب متزايدة من سكان المدينة، بمن فيهم المسلمون، بضرورة تدخل الحكومة الإسبانية واتخاذ إجراءات حازمة لمعالجة الوضع، بما في ذلك إعادة المهاجرين المغاربة إلى بلدهم وفق الأطر القانونية المعمول بها.
لكن خلف المشهد الأمني والاجتماعي في سبتة، تبرز قضية أعمق تتعلق بمسؤولية المغرب تجاه مواطنيه الذين يجد بعضهم نفسه مضطرا إلى المخاطرة بحياته من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى.
فالهجرة الجماعية لا يمكن اختزالها في أرقام أو مشاهد عبور للحدود، بل تعكس أيضا أزمة اجتماعية واقتصادية تدفع فئات من الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج بلدهم، في وقت يفترض فيه أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في توفير ظروف العيش الكريم وفرص العمل والحماية الاجتماعية.
والأخطر من ذلك أن ملف الهجرة ظل، على مدى سنوات، حاضرا بقوة في العلاقات بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي غذّى اتهامات سياسية متكررة بأن الرباط تتعامل مع ورقة الهجرة باعتبارها أداة ضغط للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، خصوصا عندما تتوتر العلاقات أو تبرز ملفات خلافية بين الجانبين.
وفي هذه الحالة، يصبح المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة سياسية أكبر منه، إذ يجد نفسه عالقا بين واقع اجتماعي صعب من جهة، وحسابات سياسية مرتبطة بالحدود والهجرة من جهة أخرى. فبدلا من أن يكون الإنسان محور السياسات العمومية، تتحول موجات الهجرة إلى عنصر تفاوض وضغط، بينما يدفع المهاجر نفسه الثمن في البحر أو على الحدود أو داخل المدن الأوروبية.
ولا تعني هذه المقاربة تبرير أي تجاوز للقانون أو تحميل سكان سبتة مسؤولية أزمات الهجرة، فالأمن حق لجميع السكان، كما أن حماية الحدود وتنظيم الهجرة مسؤولية سيادية للدولة الإسبانية. غير أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، لأن أصل المشكلة يتطلب أيضا معالجة الظروف التي تدفع الناس إلى مغادرة بلدهم.
وتطرح التطورات في سبتة سؤالا مباشرا على السلطات المغربية: لماذا يصل مواطنون مغاربة إلى درجة المخاطرة بحياتهم بحثا عن حياة أفضل؟ ولماذا تتحول الهجرة، في كل مرة، إلى أزمة حدودية وأداة للتفاوض بدل أن تكون قضية إنسانية واجتماعية تستدعي معالجة جذورها؟
إن استعمال ورقة الهجرة كورقة ضغط سياسية، إن ثبت في أي حالة، لا يضر فقط بإسبانيا أو بالاتحاد الأوروبي، بل يضع المواطن المغربي نفسه في قلب لعبة سياسية خطيرة. فحين يصبح الإنسان رقما في معادلة الضغط، تصبح معاناته وسيلة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمستقبله وحقوقه.
وبينما تطالب أصوات في سبتة الحكومة الإسبانية بالتدخل وتشديد الإجراءات، يبقى السؤال الأكبر موجها إلى الضفة الأخرى: هل ستتم معالجة أسباب الهجرة من جذورها، أم سيستمر تصدير الأزمة نحو الحدود الأوروبية، في انتظار جولة جديدة من التوتر والمفاوضات والضغوط؟
إن سبتة لا تواجه فقط تحديا أمنيا، بل تواجه انعكاسات أزمة أكبر تتجاوز حدود المدينة. أزمة تكشف أن الهجرة ليست مجرد ملف حدودي، وإنما مرآة لسياسات اجتماعية واقتصادية ودبلوماسية، يدفع المواطن البسيط ثمنها في النهاية.





