الجمعة, 6 نوفمبر 2026 • 08:40 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
المغرب يخرج من باب إفريقيا الضيّق.. والجزائر تفتح بوابة القارة على مصراعيها الجزائر تقترب من فتح بوابتها التجارية نحو إفريقيا.. موعد جديد للمنطقة الحرة بتندوف هل حوّل آل حفتر الشرق الليبي إلى ملكية خاصة! بنغازي.. ثارت في وجه القذافي وخضعت للميليشيا المتمردة! التجديد النصفي يُعرّي الترامبية .. واشنطن تشهد نهاية «صرح الورق» وتودّع حقبة الترهيب السياسـي المغرب يغامر بثقة الأسواق الإفريقية.. والمصدرون يطالبون بالتوضيح لقاء غوما الحاسم..بعثة الأمم المتحدة تضغط لتثبيت وقف إطلاق النار وتفادي التصعيد في الشرق الكونغولي السفير الجزائري لدى النيجر يكشف مستجدات مشاريع التعاون بين البلدين الشروع في تأسيس أول حزب صهيوني في المغرب! الجزائر تُحاصر المضاربين رقميًا.. والأسعار تحت المراقبة اليومية رونالدو يترجل عن عرش البرتغال.. 23 عاماً من المجد تنتهي بوداع القميص رقم 7
شارك المقال

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

• الكاتب(ة): عبد الجبار.ب • 0 تعليق • 89 مشاهدة
هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

بوابة الجزائر الإخبارية: ستة أشهر فقط فصلت بين قرار رئاسي فتح مسارًا منظمًا لعودة فئات من الجزائريين الموجودين في الخارج وبين الرسالة السياسية التي أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون من برلين في جويلية 2026 عندما أكد أن المعارضة مرحب بها في الجزائر، وأن الانتقاد حق لكل جزائري بشرط أن يأخذ بعين الإعتبار تقاليدنا وحرمتنا دون سب وشتم، وبين المحطتين بنت الدولة تدريجيًا مقاربة تتجاوز معالجة الأشخاص والملفات القضائية المنفردة إلى إعادة تعريف العلاقة مع الجالية والمعارضة في الخارج، على قاعدة تفصل بين الاختلاف السياسي الذي يبقى داخل المجال الوطني وبين النشاط الذي ينتقل إلى العنف أو التحريض أو المساس بوحدة الدولة. وجاء اختيار ألمانيا ليمنح هذه المقاربة وزنًا إضافيًا، لأن الجزائر لم تطلق خطابها من عاصمة أوروبية عابرة، وإنما من دولة ارتقت معها في اليوم التالي إلى أجندة استراتيجية تعترف صراحة بسيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، وتدرج الإرهاب والأمن السيبراني والتضليل ضمن مجالات التعاون الثنائي.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

بهذه القراءة، لا تتمثل أهمية ما قاله تبون في أنه وجّه دعوة جديدة إلى المعارضين فقط، وإنما في أنه نقل النقاش من السؤال التقليدي حول «من يعارض السلطة؟» إلى سؤال أكثر حسمًا يتعلق بطبيعة المعارضة وحدودها. فالرئيس أقر علنًا بحق النقد من قلب أوروبا، وفي المقابل ربط الممارسة السياسية بالابتعاد عن الإهانة والخطاب الذي يغذي الكراهية والعنف. وهذا الفصل يمنح الجزائر مساحة سياسية أوسع، لأنه يجعل المعارضة السلمية جزءًا من الحياة الوطنية بدل تركها ضمن فضاء رمادي تستطيع تيارات راديكالية أو انفصالية استعماله لتقديم نفسها ممثلة لكل الجزائريين المنتقدين في الخارج.

11 جانفي.. البداية لم تكن في برلين

الكرونولوجيا الفعلية للمقاربة تعود إلى 11 جانفي 2026، عندما قرر مجلس الوزراء برئاسة الرئيس تبون تسوية وضعية فئة من الجزائريين الموجودين في الخارج في أوضاع هشة وغير قانونية، ممن قالت رئاسة الجمهورية إنهم وقعوا في التضليل والاستغلال ضد بلدهم. ولم يبق القرار في مستوى الإعلان السياسي، إذ انتقلت وزارة الخارجية في 26 جانفي إلى مرحلة التنفيذ، ودعت المعنيين إلى التقرب من السفارات والقنصليات الجزائرية لإيداع طلبات التسوية والملفات المطلوبة، مع اشتراط عدم العودة إلى الأفعال موضوع المتابعة. وبذلك تحولت المبادرة خلال 15 يومًا من قرار في مجلس الوزراء إلى مسار قنصلي وإداري يمكن استعماله فعليًا للعودة إلى الوطن في إطار منظم.
كما أوضحت التعليمات القنصلية أن الإجراءات الاستثنائية تخص بالأساس مواطنين، خصوصًا من الشباب، موضوع متابعات قضائية أو إدارية مرتبطة بأفعال محدودة تتصل بالنظام العام أو وقائع مماثلة، وهو ما يجعلها آلية محددة وليست عفوًا عامًا عن كل الملفات. بعض السفارات الجزائرية نشرت نماذج الطلبات والوثائق المطلوبة، بما فيها شهادة الميلاد، استمارة الطلب والتصريح الشرفي، مع إمكانية إرفاق وثائق إضافية لتسهيل تحديد الوضعية القانونية أو الإدارية للمعني.
هذه التفاصيل ضرورية لفهم خطاب برلين لاحقًا. فالرئيس لم يطلب من معارضين في الخارج العودة إلى بلد لا يملك أدوات لمعالجة وضعياتهم، وإنما جاءت الرسالة بعد إنشاء مسار مؤسساتي سابق يتيح لفئات محددة تسوية أوضاعها. ومن هنا يتحول وصف «اليد الممدودة» من استعارة سياسية إلى سياسة بدأت بقرار، ثم آلية قنصلية، قبل أن تحصل في جويلية على غطائها السياسي الأوسع عندما قال الرئيس إن الانتقاد والمعارضة لا يغلقان باب الوطن.
ولم تمر المبادرة من دون صدى داخلي؛ فقد رحبت بها أحزاب وشخصيات سياسية، بينها الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، كما وصفتها أطراف حزبية بأنها خطوة سيادية تعكس مسؤولية الدولة تجاه أبنائها الموجودين في الخارج. وهذا يمنح المقاربة بعدًا أوسع من خطاب الأغلبية السياسية وحدها، حتى وإن بقي تقييمها النهائي مرتبطًا بعدد الملفات التي ستُسوّى فعليًا ونجاح مسار العودة.

جوان.. الجالية تنتقل من ملف عودة إلى رأس مال وطني

قبل أقل من شهر من زيارة برلين، أضافت الدولة بعدًا ثانيًا إلى سياستها تجاه الجزائريين في الخارج. ففي جوان 2026 تقرر إنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، قبل انعقاد اجتماعه التأسيسي في 28 جوان بالقطب العلمي والتكنولوجي الشهيد عبد الحفيظ إحدادن بسيدي عبد الله. والهدف المعلن هو ربط العلماء والباحثين والكفاءات الجزائرية المقيمة في الخارج بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي ومشاريع التنمية الوطنية.
وهنا يتغير عمق الملف. فالجالية في رؤية الدولة لا تُقرأ فقط من زاوية المعارضة أو الهجرة غير النظامية أو التسوية القضائية، بل باعتبارها احتياطيًا معرفيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا يمكن توظيفه داخل عملية التنمية. وقد رحبت جمعيات جزائرية في فرنسا وبلجيكا وإنجازات علمية مقيمة في إيطاليا بالمجلس، معتبرة أنه يوفر إطارًا لربط الخبرة الجزائرية الموجودة في الخارج بمؤسسات الداخل.
هذا التسلسل يفسر لماذا سيكون من الخطأ اختزال خطاب تبون في برلين في «ملف المعارضين». فمن جانفي إلى جوان تحركت الدولة في اتجاهين متوازيين: استعادة من يمكن تسوية وضعيته، وإعادة جذب الكفاءات العلمية إلى الدورة الوطنية. ثم جاءت جويلية لتضع المبدأ السياسي فوق المسارين معًا: الجزائري الموجود في الخارج، حتى عندما يختلف مع السلطة، يبقى جزءًا من المجال الوطني.
وهذا في حد ذاته يضيق المساحة التي تستطيع الحركات الراديكالية التحرك داخلها. فكلما توسعت العلاقة المباشرة بين الدولة والجالية، سواء عبر التسوية أو البحث العلمي أو الاستثمار أو المشاركة السياسية، تراجعت القدرة على تقديم «الخارج الجزائري» باعتباره كتلة واحدة في مواجهة مؤسسات الدولة.

13 جويلية.. الأمن يضع الخط الآخر للمعادلة

قبل وصول الرئيس تبون إلى برلين بيومين، أعلنت وزارة الدفاع الوطني واقعة أعطت للمقاربة السياسية خلفية أمنية مباشرة. ففي 13 جويلية، قالت المصالح المركزية لأمن الجيش إنها فككت في ولاية تيزي وزو مجموعة من ستة أشخاص تنتمي إلى حركة «ماك» المصنفة إرهابية في الجزائر، بينهم أربعة مواطنين مغاربة كانوا يقيمون بطريقة غير قانونية، وأوضحت أنهم كانوا ينشطون خلال فترة الانتخابات التشريعية بهدف التشويش على سير العملية الانتخابية ومنع المواطنين من المشاركة.
والدقة هنا مهمة جدًا. البيان الرسمي لا يتحدث عن هجوم تفجيري أو عملية مسلحة وشيكة بالصيغة التي ظهرت في بعض التفسيرات الإعلامية، ولذلك لا تحتاج المادة الصحفية إلى إضافة ما لم تقله وزارة الدفاع. الثابت رسميًا هو تفكيك المجموعة، عدد عناصرها، وجود أربعة مواطنين مغاربة ضمنها، وهدف التشويش على الانتخابات ومنع المشاركة وفق التحقيق الذي أعلنته الوزارة.
وهذا يكفي لإظهار الفارق الذي ستؤكد عليه رسالة تبون بعد 48 ساعة. ففي تيزي وزو تتعامل أجهزة الدولة مع نشاط تعتبره تخريبيًا وأمنيًا، وفي برلين يعلن رئيس الجمهورية أن المعارضة مرحب بها. أي أن الدولة لا تقدم، في خطابها الرسمي، كل اعتراض سياسي بوصفه مسألة أمنية، بل تضع خطًا بين ممارسة النقد وبين الملفات التي تنقلها طبيعتها إلى اختصاص المؤسسات الأمنية والقضائية.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في البناء الجديد. فالردع الأمني وحده قادر على تفكيك خلية، لكنه لا يستطيع بمفرده هزيمة سردية سياسية. أما الاعتراف بشرعية المعارضة السلمية فيسحب من التنظيمات الراديكالية القدرة على تقديم كل إجراء أمني باعتباره حربًا على كل المعارضين.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

15 جويلية.. تبون يصل إلى برلين برسالة تتجاوز ألمانيا

وصل الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين في 15 جويلية 2026 في زيارة رسمية بدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، والتقى في مساء اليوم نفسه أفرادًا من الجالية الجزائرية المقيمة في ألمانيا. وفي هذا اللقاء أعاد التأكيد أن المعارضة مرحب بها، وأن كل جزائري يملك حق الانتقاد مع احترام قيم المجتمع والابتعاد عن خطاب الإهانة الذي يؤدي إلى الكراهية والعنف.
اختيار ألمانيا لهذه الرسالة يمنحها بعدًا يتجاوز ظرف اللقاء. فبرلين ليست فقط أكبر اقتصاد في أوروبا، وإنما شريك اقتصادي وطاقوي مؤثر للجزائر. ووفق وزارة الخارجية الألمانية، تعد ألمانيا سادس أهم بلد مورد للجزائر، وتضم غرفة التجارة والصناعة الألمانية–الجزائرية أكثر من 450 عضوًا، فيما بلغت الصادرات الألمانية إلى الجزائر 2.1 مليار يورو مقابل 1.5 مليار يورو من الواردات في 2023. ويجمع البلدين أيضًا إطار مؤسساتي اقتصادي يعود إلى اللجنة الاقتصادية المشتركة المقررة منذ 2011 وشراكة الطاقة القائمة منذ 2015.
كما يوجد البلدان ضمن مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين، الذي يستهدف مستقبلًا نقل الهيدروجين نحو ألمانيا عبر الأنابيب، وأنشئت في فيفري 2024 مجموعة عمل جزائرية–ألمانية مرتبطة بهذا الممر إلى جانب مذكرة تعاون في مجال الهيدروجين. هذه الخلفية الاقتصادية تعني أن الجزائر كانت تخاطب في برلين شريكًا يحتاج بدوره إلى علاقة مستقرة وعميقة معها، لا دولة تنظر إلى الملف الجزائري من زاوية أمنية فقط.
وهنا تصبح الرسالة أقوى. فالجزائر لا تذهب إلى ألمانيا لتطلب منها تبني تصنيفاتها الداخلية، وإنما تتحدث من داخل علاقة متشابكة في الاقتصاد والطاقة والأمن والهجرة. وكلما أصبحت المصالح أكثر كثافة، أصبح من الممكن نقل الملفات الحساسة من السجال الإعلامي إلى القنوات المؤسسية بين الدول.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

16 جويلية.. الوثيقة التي أعطت لرسالة تبون غطاءً أوروبيًا

في اليوم التالي، التقى الرئيس تبون المستشار الألماني فريدريش ميرتس، واعتمد البلدان إعلانًا مشتركًا حول «أجندة استراتيجية للشراكة الثنائية». الوثيقة لم تكتف بوصف العلاقات الجزائرية–الألمانية بأنها طويلة وممتازة، وإنما كرست مجموعة مبادئ تحمل دلالة مباشرة بالنسبة إلى النقاش حول المعارضة والراديكالية. فقد أكد الطرفان احترام سيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، إلى جانب حماية حقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية.
هذا الجمع مهم جدًا. فالوثيقة الألمانية–الجزائرية لا تضع حقوق الإنسان في مواجهة وحدة الدولة، ولا تقدم السيادة بوصفها مبررًا لإلغاء الحقوق. إنها تعترف بالمبدأين داخل الإطار نفسه. وهو بالضبط المجال الذي أراد خطاب تبون التحرك داخله: المعارضة والانتقاد حق، لكن وحدة الدولة وأمنها لا يدخلان ضمن المساومة السياسية.
وزاد الإعلان وضوحًا عندما قرر الطرفان إنشاء حوار سياسي منتظم ومشاورات شاملة تشمل العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية والهجرة والأمن، إلى جانب اتصالات منتظمة بين وزارات الخارجية والهيئات الحكومية والسفارات.
أما في الباب الأمني، فنصت الوثيقة رسميًا على استمرار الحوار حول التعاون الدفاعي والإرهاب والأمن السيبراني والتضليل، كما أشادت بالتعاون في الهجرة والعودة وإعادة القبول وإعادة الإدماج، وأكدت استمرار العمل ببروتوكول تحديد الهوية وإعادة القبول الجزائري–الألماني.
وهنا بالضبط تكمن قيمة برلين بالنسبة إلى الجزائر. فهي توفر إطارًا تستطيع الجزائر داخله طرح مخاوفها بشأن النشاط العابر للحدود، التطرف أو التضليل ضمن لغة تتبناها ألمانيا نفسها، بدل إبقاء الملف في دائرة الاتهامات السياسية المتبادلة.
ولا يعني ذلك أن ألمانيا تبنت الموقف الجزائري تجاه كل حركة أو فرد. الوثيقة لا تقول ذلك، وأي محاولة لإعطائها هذا المعنى ستكون مبالغة. لكن الأهم أنها أرست أرضية مشتركة للمناقشة: حقوق الإنسان من جهة، وسيادة الدول وسلامة أراضيها ومكافحة الإرهاب والتضليل من جهة أخرى. وضمن هذه الأرضية يصبح الفصل بين المعارضة السياسية والنشاط الذي يثبت أنه عنيف أو إرهابي أكثر قابلية للنقاش المؤسساتي.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

الاقتصاد يفسر لماذا تستطيع الجزائر مخاطبة برلين بندية

الاختيار الألماني لم يكن أمنيًا فقط. ففي الوثيقة نفسها أقرت برلين والجزائر بوجود اتجاه صاعد في التجارة الثنائية، ووُصفت ألمانيا بأنها أحد أبرز الشركاء والموردين الأوروبيين للجزائر في الآلات الصناعية والتجهيزات الكهربائية والسيارات والمواد الكيميائية والصيدلانية. كما أكد الطرفان أهمية الجزائر كمورد موثوق للطاقة في سياق سياسة ألمانيا لتنويع مصادرها.
ووضع البلدان الممر الجنوبي للهيدروجين ضمن المشاريع الاستراتيجية، واعتبراه رابطًا طويل الأمد بين الطرفين، فيما أشار الإعلان بوضوح إلى أن زيادة إمدادات الغاز تخدم مصالح الجانبين. كما توسعت قائمة التعاون المستقبلي إلى البنية التحتية والتكنولوجيا والنقل والصحة والصيدلة والمعادن الحرجة والزراعة والصناعة.
وفي 17 جويلية، أي بعد يوم واحد من اعتماد الأجندة، انعقد في برلين المنتدى الاقتصادي الجزائري–الألماني بحضور مسؤولين ورجال أعمال ومستثمرين، ووقعت خلاله عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات استراتيجية.
كما اتفق الطرفان على بحث إعادة إطلاق اللجنة الاقتصادية المشتركة وإنشاء مجلس أعمال ثنائي، إلى جانب الأدوار التي تضطلع بها الغرفة الجزائرية–الألمانية للصناعة والتجارة ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة.
هذه المعطيات الاقتصادية ليست هامشًا خارج موضوع المعارضة، بل تفسر القوة السياسية للمنصة التي اختارها تبون. فالرسالة تصدر من رئيس دولة يوسع علاقته مع ألمانيا في الغاز والهيدروجين والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا، وليس من طرف يدخل برلين بملف أمني وحيد. ولذلك تصبح الجزائر أكثر قدرة على طرح قضية النشاط الراديكالي في أوروبا ضمن علاقة مصالح متبادلة بدل عرضها كطلب أحادي للحصول على دعم سياسي.

من هنا تبدأ معركة السرديات الحقيقية

أحد أبرز عناصر القوة في خطاب تبون أنه يمنع الراديكالية من استعمال ثنائية سهلة تقوم على «الدولة في مواجهة المعارضة». فإذا كانت أعلى مؤسسة في الجمهورية تعلن أن المعارضة مرحب بها، فإن الصراع لا يعود حول شرعية الاختلاف، بل ينتقل إلى طبيعة الوسائل والأهداف.
وهذا التحول يمنح الدولة الجزائرية أفضلية سردية؛ لأنها تستطيع أن تقول إن المواطن يستطيع انتقاد السلطة من دون التخلي عن انتمائه الوطني، وإن العودة مفتوحة أمام فئات يمكن تسوية أوضاعها، وإن الكفاءات المقيمة في الخارج مدعوة للمشاركة في التنمية، وفي الوقت ذاته تبقى المؤسسات الأمنية والقضائية مكلفة بالتعامل مع الملفات التي تتجاوز السياسة.
ويقترب هذا التصور من القراءة التي قدمها الباحث محمد زناسني في المادة الأصلية، عندما رأى أن المقاربة تسعى إلى إعادة بناء مفهوم المعارضة باعتبارها عنصرًا يمكن أن يغني النقاش السياسي والاقتصادي، مقابل نزع الصفة السياسية عن الخطابات القائمة على السب والتحريض أو المشروع الانفصالي.
أما أستاذ العلوم السياسية عبد الله تلي، فيضع اختيار ألمانيا ضمن دلالة أوسع ترتبط بثقلها داخل الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن إطلاق الرسالة من برلين يسمح للجزائر بوضع الملف مباشرة أمام شريك مؤثر في الأمن والهجرة ومكافحة التطرف.
القوة هنا لا تأتي من افتراض أن ألمانيا ستتبنى تلقائيًا كل القراءة الجزائرية، بل من أن برلين أصبحت مؤسساتيًا طرفًا في حوار رسمي مع الجزائر حول الإرهاب والأمن السيبراني والتضليل. وهذه نقطة قابلة للقياس في الوثائق، لا مجرد انطباع سياسي.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

الراديكالية أمام مشكلة تمثيل

كل هذه التطورات تضع الحركات الراديكالية أمام معضلة جديدة. فحين تكون قناة العودة مغلقة، تستطيع أطراف في الخارج تقديم نفسها باعتبارها الملجأ السياسي الوحيد لكل من يختلف مع الدولة. وحين يكون النقد ممنوعًا سياسيًا من حيث المبدأ، يصبح الخلط بين المعارضة والانفصال أكثر سهولة.
لكن عندما يعلن الرئيس أن المعارضة مرحب بها، وتطرح الدولة تسوية لفئات موجودة في الخارج، وتبني مجلسًا للكفاءات العلمية وتفتح حوارًا مع الجالية، يصبح احتكار صفة «المعارض» أكثر صعوبة.
وعندها ينشأ فرز طبيعي داخل المجال الخارجي نفسه. فهناك معارض سياسي يريد تغيير سياسات الحكومة، وهناك صحفي أو ناشط حقوقي ينتقد أداء المؤسسات، وهناك كفاءات اقتصادية وعلمية تريد المشاركة من الخارج، وهناك في المقابل أطراف تحمل مشروعًا انفصاليًا أو تقع ملفاتها ضمن قضايا أمنية وقضائية.
ليس لهذه الفئات الهدف نفسه، ولا يمكن أن تمثلها السردية نفسها.
وهذا بالضبط ما يفيد الجزائر. فبدل السماح لمجموعة محدودة بتحويل «الجالية الجزائرية» إلى مفهوم سياسي معارض بالكامل، تعيد الدولة بناء روابط منفصلة مع الطلبة والباحثين ورجال الأعمال والجمعيات والعائلات والمعارضين السياسيين السلميين.

معركة أوروبا لا تُربح بالأمن وحده

تبقى هناك نقطة لا يمكن لتقرير عالي الدقة تجاهلها. فمنظمات حقوقية دولية، بينها «هيومن رايتس ووتش» و«العفو الدولية»، وجهت خلال 2026 انتقادات إلى الجزائر بشأن استعمال مواد مرتبطة بالأمن القومي والإرهاب ضد نشطاء وصحفيين تقول المنظمتان إن نشاطهم كان سلميًا، وتعتبران أن مساحة التعبير والتجمع تحتاج إلى ضمانات أوسع.
وجود هذا النقد يجعل رسالة تبون في برلين أكثر أهمية، لا أقل. فإذا كان الرئيس نفسه يقر بحق المعارضة والانتقاد، فإن نجاح المقاربة الجزائرية أمام الرأي العام الأوروبي سيعتمد على جعل الفصل بين المعارضة السلمية والنشاط الأمني واضحًا في القانون والممارسة، وعلى إسناد الملفات التي تقدم إلى الشركاء الأوروبيين بأدلة قابلة للفحص القضائي.
كلما كان هذا الفصل أكثر صرامة ووضوحًا، تراجعت قدرة أي طرف على وضع قضية إرهابية مثبتة وقضية رأي سياسي في خانة واحدة.
ومن هذه الزاوية، تصبح المعركة معركة مؤسسات وليست شعارات. الجزائر لديها مصلحة في أن تحمي أمنها ووحدتها، ولديها في الوقت ذاته مصلحة في توسيع المجال الذي تتحرك داخله المعارضة السلمية، لأن هذا التوسع نفسه يعزل الراديكالية بصورة أكثر فعالية من خلط الجميع داخل تصنيف واحد.

تبون ينقل المواجهة من «الأسماء» إلى «المعيار »

هنا يظهر التحول الأكثر عمقًا في المقاربة. فبدل استنزاف الدولة في الرد على أسماء ناشطين وشخصيات ومنصات في الخارج، يصبح المعيار هو الفعل.
هل يتعلق الأمر بنقد سياسي؟
هل يتعلق بتنظيم سلمي؟
هل يتعلق بعمل صحفي؟
أم توجد أفعال مثبتة مرتبطة بالعنف أو الإرهاب أو التخريب أو المساس بوحدة التراب الوطني؟
هذا الانتقال من الشخص إلى الفعل أكثر قوة دبلوماسيًا، لأن العواصم الأوروبية والقضاء الأوروبي لا يستطيعان التعامل مهنيًا مع عبارة فضفاضة مثل «معارض معاد للجزائر»، لكنهما يستطيعان النظر في وقائع وأدلة وملفات قانونية محددة.
ومن هنا فإن برلين تمنح الجزائر نموذجًا يمكن توسيعه إلى بقية العلاقات الأوروبية: تعاون سياسي، مصالح اقتصادية، حوار أمني، وملفات قانونية تقدم كل حالة ضمن طبيعتها بدل تحويل الخلاف إلى مواجهة أيديولوجية مفتوحة مع أوروبا.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

الجالية تتحول إلى جزء من القوة الوطنية

الأكثر أهمية أن سياسة تبون تجاه الخارج تتحرك في اتجاه يتجاوز تحييد الراديكالية. فمع إنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية، وتكثيف مخاطبة الجالية، وتسهيل بعض إجراءات العودة، يتحول الجزائري في الخارج تدريجيًا من موضوع للسياسة إلى مورد داخل السياسة الاقتصادية والعلمية للدولة.
وهذا التحول يضرب الراديكالية في نقطة أكثر حساسية من الأمن نفسه: التمثيل.
فإذا رأى الباحث الجزائري في الخارج طريقًا للمشاركة في مشروع علمي وطني، ورأى المستثمر فرصة للاندماج الاقتصادي، ورأى الشاب الموجود في وضع هش قناة قانونية للعودة، ورأى المعارض السياسي أن الرئيس يعترف بحقه في الانتقاد، فإن قدرة أي تيار انفصالي على تقديم الدولة بوصفها خصمًا مشتركًا للجميع تتراجع.
ويصبح الارتباط بالوطن أكثر تعددًا من أن يحتكره خطاب سياسي واحد.

برلين كانت اختيارًا محسوبًا

لهذا لم يكن اختيار العاصمة الألمانية تفصيلًا بروتوكوليًا. برلين جمعت في ثلاثة أيام تقريبًا العناصر التي تحتاج إليها المقاربة الجزائرية الجديدة كلها: لقاء مباشر مع الجالية في 15 جويلية، أجندة استراتيجية مع المستشار الألماني في 16 جويلية، ثم منتدى اقتصادي واتفاقات بين الشركات في 17 جويلية.
في المستوى السياسي، أعلنت الجزائر أن المعارضة جزء من المجال الوطني.
وفي المستوى الدبلوماسي، حصلت على وثيقة مع دولة أوروبية محورية تعترف في آن واحد بحقوق الإنسان وسيادة الدول وسلامة أراضيها.
وفي المستوى الأمني، أدرج الإرهاب والأمن السيبراني والتضليل داخل الحوار الرسمي بين البلدين.
وفي المستوى الاقتصادي، توسعت العلاقة نحو الغاز والهيدروجين والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار.
وهذه الطبقات الأربع هي ما يجعل برلين أكثر من منصة لإلقاء خطاب.
فالرسالة لم تخرج من قاعة جالية ثم تنتهِ، بل جاءت داخل هندسة علاقات كاملة ترفع وزن الجزائر في علاقتها بإحدى أكبر القوى الأوروبية.

الجزائر تنتقل من الدفاع عن روايتها إلى فرض سؤالها

في النهاية، لا تحتاج الجزائر إلى إقناع أوروبا بأن كل منتقد لها متطرف، لأن هذا الطرح يضر بمصلحتها السياسية قبل أن يخدمها. ما تحتاج إليه هو العكس تمامًا: توسيع الاعتراف بالمعارضة السلمية إلى الحد الذي يصبح معه من السهل فصلها عن أي مشروع انفصالي أو عنيف.
وهذه هي القيمة الأبرز في رسالة الرئيس تبون.
فمن برلين، وضع الرئيس معادلة لا تمنح الراديكالية سهولة الاحتماء داخل مفهوم المعارضة. الجزائري يستطيع أن ينتقد ويعارض، والدولة تعلن استعداده للعودة إلى وطنه وفق الأطر القانونية، بينما تظل السيادة ووحدة البلاد والأمن خطوطًا تحميها مؤسسات الجمهورية.
بهذا المنطق، ينتقل النقاش مع أوروبا أيضًا من السؤال الذي فرضته أطراف راديكالية طويلًا، «هل الجزائر تقمع المعارضة؟»، إلى سؤال آخر تستطيع الجزائر أن تدافع عنه بأوراق أقوى: هل تميّز أوروبا هي الأخرى بين المعارضة السياسية السلمية وبين النشاط الذي ينتقل إلى العنف أو الإرهاب أو استهداف وحدة دولة شريكة؟
الجواب لن تصنعه التصريحات وحدها، وإنما جودة الملفات القانونية، وضوح التشريعات، فعالية الحوار الأمني والدبلوماسي، وقدرة الدولة على حماية مساحة النقد التي أقر بها الرئيس نفسه.
لكن نقطة الانطلاق أصبحت مختلفة.

هكذا فتح الرئيس تبون باب السياسة وأغلق ممرات الفوضى!

فمنذ قرار 11 جانفي، مرورًا بالإجراءات القنصلية في 26 جانفي، وإنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية في جوان، ثم العملية الأمنية المعلنة في 13 جويلية، وصولًا إلى خطاب تبون في 15 جويلية والأجندة الاستراتيجية الجزائرية–الألمانية في 16 جويلية والمنتدى الاقتصادي في 17 جويلية، تكشف الكرونولوجيا مسارًا واحدًا متماسكًا: استعادة الجزائري في الخارج، توسيع مساحة انتمائه إلى الدولة، ثم عزل النشاط الراديكالي عن الغطاء الواسع للمعارضة والجالية.
وهنا تحديدًا يتضح لماذا اختار تبون برلين.
لم يحتج الرئيس إلى عاصمة أوروبية لكي يمنح الشرعية للدولة الجزائرية؛ احتاج إلى منصة أوروبية ثقيلة ليقول من داخلها إن الجزائر نفسها تعترف بشرعية المعارضة، ثم يضع شركاءها أمام مسؤولية الفصل بين حق سياسي مشروع وبين كل نشاط يتجاوز السياسة إلى تهديد الدولة.
وبذلك تتحول استراتيجية تبون من مجرد «يد ممدودة» إلى عملية أوسع لإعادة ترتيب المجال الجزائري في الخارج: المعارضة تبقى داخل الوطن السياسي، والكفاءات تعود إلى التنمية، والجالية تتحول إلى رصيد وطني، بينما تفقد الراديكالية تدريجيًا المساحة التي كانت تسمح لها بالحديث باسم الجميع.
وهذا هو المكسب السياسي الحقيقي لبرلين: أن تنتقل الجزائر من الدفاع عن نفسها أمام سرديات الخارج إلى امتلاك تعريفها الخاص للمعارضة، وأن تطرحه من قلب أوروبا بثقة دولة تفتح باب الاختلاف ولا تفتح باب المساومة على وحدتها.

#الجزائر#تبون
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أوروبا
شارك المقال

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

بوابة الجزائر الإخبارية: خطت الجزائر، اليوم الأربعاء، خطوة جديدة في تجسيد مشروع الفوسفات المدمج، عقب توقيع عقدين بصيغة الهندسة والإمداد والبناء بين مجمع سوناطراك والشركة الجزائرية للأسمدة من جهة، وشركة «سايبم» الإيطالية والشركة الصينية لهندسة الموانئ من جهة أخرى، في إطار إطلاق المرحلة الأولى من هذا المشروع الصناعي والاستراتيجي الضخم.

https://twitter.com/i/status/2087570953622716699

وجرت مراسم التوقيع بالجزائر العاصمة بحضور عدد من أعضاء الحكومة، والرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك نور الدين داودي، إلى جانب سفيري إيطاليا والصين بالجزائر ومسؤولي الشركات المعنية، في خطوة تؤشر على الانتقال الفعلي للمشروع إلى مرحلة الإنجاز الميداني.

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

وتتضمن المرحلة الأولى إنشاء منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تمتد عبر ولايات تبسة وسوق أهراس وعنابة، حيث تشمل إنجاز مركب لاستخراج وتخصيب الفوسفات ببلاد الحدبة بولاية تبسة، بطاقة استخراج تبلغ 5.5 مليون طن سنويًا، وإنتاج نحو 3.2 مليون طن سنويًا من الفوسفات المركز.

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

كما تشمل المرحلة إنجاز مركب صناعي متكامل بوادي الكبريت بولاية سوق أهراس، مخصص لإنتاج 2.4 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية و570 ألف طن سنويًا من الأسمدة الآزوتية، إلى جانب منتجات وسيطة أخرى، فضلاً عن منشآت مينائية على مستوى عنابة، بما يسمح بربط مختلف حلقات الإنتاج والنقل والتصدير ضمن منظومة واحدة.

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

وأكد وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، أن المشروع يحظى بعناية خاصة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باعتباره أحد المشاريع الرامية إلى تثمين الموارد الطبيعية، وتعزيز التصنيع الوطني، وخلق القيمة المضافة وتنويع الاقتصاد، فضلاً عن دعم الصادرات خارج قطاع المحروقات.

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

وأوضح الوزير أن السلطات اعتمدت نمط الإنجاز السريع EPC Fast Track بهدف تقليص آجال الإنجاز وتسريع دخول المشروع حيز الاستغلال، مع توقع إنتاج أولى كميات الفوسفات المخصب خلال الثلاثي الأول من سنة 2027، على أن تنطلق مرحلة إنتاج الأسمدة خلال الثلاثي الرابع من السنة نفسها.

مشروع الفوسفات المدمج.. الجزائر تدشن المرحلة الأولى بعقود مع شريكين إيطالي وصيني

وعند بلوغ المشروع مرحلة الاستغلال، يرتقب أن تصل قدراته الإنتاجية إلى نحو 6 ملايين طن سنويًا من الفوسفات المخصب و4 ملايين طن من مختلف أنواع الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، إضافة إلى مواد صناعية استراتيجية، من بينها حمض الكبريت وحمض الفوسفوريك والأمونياك.

وأكد عرقاب أن الرهان لا يقتصر على إنتاج الفوسفات والأسمدة، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء سلسلة صناعية متكاملة تخلق القيمة المضافة، وتطور الكفاءات الوطنية، وتدعم الاقتصاد، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية.

#الجزائر#الفوسفات
شارك المقال
الكاتب(ة)
إفريقيا
شارك المقال

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري

بوابة الجزائر الإخبارية: في ظرف قياسي، تمكنت مؤسسة التنقيب (فرع شركة سوناطراك) الجزائرية من إتمام آخر الروتوشات قبيل إطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” بمنطقة أغاديز (شمال النيجر), والتي تبعد عن الحدود الجنوبية للجزائر بنحو 85 كلم.

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري

ويعد هذا المشروع الضخم والواعد, حسب وكالة الأنباء الجزائرية، الأول من نوعه لشركة جزائرية في شمال النيجر, ثمرة شراكة استراتيجية تحرص قيادتا البلدين على تجسيدها على أرض الواقع بهدف تطوير قطاع المحروقات وتعزيز التعاون الثنائي في هذا الميدان الحيوي.

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري

وبالرغم من الظروف المناخية القاسية والتضاريس الصعبة والتحديات اللوجستية المختلفة, تضيف الوكالة، فقد نجحت الشركة الوطنية للتنقيب في رفع التحدي في وقت قياسي لنقل آليات الحفر بجميع مكوناتها وورشة العمل وقاعدة حياة مجهزة بكافة التجهيزات الضرورية من منطقة حاسي مسعود على بعد أزيد من 2000 كلم من أجل إطلاق عملية الحفر في الآجال المحددة.

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري

وفي هذا الصدد, أوضح المشرف على عملية نقل وتجهيز آليات الحفر, عبد العزيز محفوظ, في تصريح للوكالة، أن الشركة الوطنية للتنقيب انتهت من آخر الرتوشات لبداية عملية الحفر التي ستتم على عمق 3900 متر.

وأضاف أن شركة “اينافور” تملك خبرة كبيرة في هذا المجال وكانت قد جسدت مشاريع مماثلة في سلطنة عمان وهي تحضر لإطلاق مشاريع أخرى, مبرزا “الأهمية البالغة” لهذا المشروع من حيث النتائج الإنتاجية المتوقعة, نظرا -كما قال- “للمؤشرات الإيجابية التي أسفرت عنها الدراسات الأولية”.

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري

وأشار إلى أن الشركة تقوم من خلال هذا المشروع بنقل خبرتها للأشقاء النيجريين من خلال “نقل التكنولوجيا وتكوين إطارات وعمال قطاع المحروقات في هذا البلد الشقيق”.

وفي هذا السياق, كان وزير الدولة, وزير المحروقات الجزائري, محمد عرقاب, قد أبرز في تصريح سابق أهمية مشروع حقل “كافرا” للمحروقات, مشيرا إلى أن مجمع سوناطراك يشتغل بهذا الحقل منذ فترة وحقق نتائج وصفها بـ”الكبيرة والمشجعة”.

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري
وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب

من جهته, أشاد وزير البترول لجمهورية النيجر, حامادو تيني, خلال زيارة سابقة له إلى الجزائر, بهذا المشروع النفطي الهام الذي يجسد المستوى “غير المسبوق والاستراتيجي” للعلاقات بين بلاده والجزائر, معبرا عن امتنان الشعب النيجري إزاء تدشين العديد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى في الآونة الأخيرة, على غرار مشروع المحطة الكهربائية المنجزة كهبة من الجزائر إلى النيجر, الى جانب تنفيذ مختلف بنود الاتفاقيات المبرمة بين البلدين, لا سيما التي تم توقيعها خلال اجتماع اللجنة المشتركة الكبرى بنيامي شهر مارس الماضي. 

وضع آخر الروتوشات لإطلاق مشروع حفر البئر الاستكشافية “كافرا جنوب شرق1” الجزائري-النيجري
وزير المحروقات الجزائري ونظيره النيجري

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

تعليمات تبون لرئيس الحكومة : ولاة الجمهورية تحت المجهر

تعليمات تبون لرئيس الحكومة : ولاة الجمهورية تحت المجهر

بوابة الجزائر الإخبارية : عملا بتوجيهات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بخصوص التحضير الجيّد للدخول الاجتماعي المقبل، ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، هذا الأربعاء، اجتماعا عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد مع الولاة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل ووزير التربية الوطنية ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق وذلك وفقا لما أوردته الوزارة الأولى.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2087500370117296254?s=46

وبهذه المناسبة، تمّ تقديم عروض تقييمية عن الوضعية العامة التي تعرفها مختلف مناطق البلاد، والإجراءات الواجب اتخاذها من أجل التكفل الأمثل بالدخول الاجتماعي 2026-2027، حيث أكّد الوزير الأول على ضرورة العمل على ضمان تموين منتظم للسوق الوطنية بكميات كافية من المنتجات واسعة الاستهلاك والوقوف على وتيرة العمل في ورشات إنجاز الهياكل البيداغوجية والمنشآت الأساسية المعنية بالدخول المدرسي والجامعي.

وبخصوص التكفل المدرسي بالأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة، وجّه الوزير الأول للقيام بعملية تقييم للإحتياجات الضرورية المتعلقة بالتكفل المدرسي لهذه الفئة، وإطلاق حملة واسعة النطاق للكشف المبكر عن أعراض التوحد، عبر مجمل المؤسسات التربوية، قصد التعرف على الحالات التي تستدعي تكفلاً صحياً ومدرسياً خاصاً، والعمل على فتح أقسام خاصة جديدة في جميع الأطوار التعليمية.

وقد أسدى الوزير الأول تعليمات إلى الولاة للسهر شخصيا على إتمام أشغال إنجاز وتجهيز المنشآت البيداغوجية والهياكل المرافقة المبرمجة، في الآجال المحددة، وكذا عمليات إعادة تأهيل وصيانة المنشآت القائمة، وجاهزية النقل المدرسي والجامعي، وتوفير الكتب المدرسية في الوقت المناسب وبكميات كافية، ووفرة الأدوات واللوازم المدرسية في السوق الوطنية وبأسعار معقولة.

شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

أوروبا
شارك المقال

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد الجزائر التي تفاوض الاتحاد الأوروبي اليوم هي الجزائر التي دخل معها اتفاق الشراكة حيز التنفيذ سنة 2005. خلال عقدين تغيرت القاعدة الإنتاجية، ظهرت صناعات تصديرية جديدة، توسعت قدرات الحديد والصلب والأسمدة، تعزز موقع البلاد في أمن الطاقة الأوروبي، وبدأت مشاريع قارية كبرى تعيد رسم موقعها بين إفريقيا والمتوسط. هذا التحول جعل الاتفاق القديم يواجه اختبارًا لم يكن مطروحًا عند توقيعه: ماذا يحدث عندما تنتقل الجزائر من سوق تستقبل المنتجات الأوروبية إلى اقتصاد يملك بدوره سلعًا قادرة على منافسة الصناعة الأوروبية داخل سوقها؟

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

هذا السؤال أصبح اليوم في قلب الخلاف مع بروكسل. فالجزائر لا تطالب بإغلاق السوق الأوروبية أمام منافسيها، ولا بامتياز تجاري مجاني، وإنما بإعادة بناء الشراكة على مبدأ ظل حاضرًا في الخطاب الرسمي الجزائري منذ فتح ملف المراجعة: المعاملة بالمثل وتوازن المصالح. ومن منظور الجزائر، يصعب استمرار صيغة تسمح للمنتجات الأوروبية بالاستفادة من السوق الوطنية، بينما تواجه الصادرات الصناعية الجزائرية حصصًا ورسومًا وآليات حمائية جديدة بمجرد أن تصبح قادرة على المنافسة.
لهذا أعاد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ملف الحديد والصلب إلى الواجهة خلال معرض الجزائر الدولي في جوان 2026، عندما رفض استمرار القيود الأوروبية المفروضة على الصادرات الجزائرية في وقت لا تطبق فيه الجزائر نظام حصص مماثلًا على ما تستورده من الاتحاد الأوروبي. ولم يكن الأمر اعتراضًا تقنيًا على «كوتا» واحدة بقدر ما كان إعلانًا اقتصاديًا واضحًا بأن الجزائر تريد تحديث قواعد الشراكة بما يتلاءم مع قدراتها الحالية، لا مع صورة اقتصادها عند توقيع الاتفاق قبل أكثر من عشرين عامًا.

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

وتزداد أهمية هذا الموقف لأن الصلب الجزائري أصبح المثال الأكثر وضوحًا للتحول الذي لم تعد القواعد القديمة تعكسه. ففي 2005 لم تكن الجزائر قوة تصديرية معتبرة في القطاع، أما اليوم فتعمل مجمعات صناعية كبيرة مثل «توسيالي الجزائر» و«الجزائرية القطرية للصلب» بطاقات إنتاجية متنامية، بالتوازي مع دخول مشروع غارا جبيلات مرحلة الاستغلال الصناعي وربطه بمنظومة السكك الحديدية والمعالجة والتحويل، ما يفتح أمام البلاد أفقًا مختلفًا كليًا في صناعة الحديد والصلب.

الجزائر تنتقل من فتح السوق إلى المطالبة بحقها في الأسواق

على مدى عقدين استفادت الشركات الأوروبية من اتفاق أتاح لها الوصول إلى سوق جزائرية كبيرة، بينما بقيت قدرة الجزائر على الاستفادة من الانفتاح الأوروبي محدودة بسبب هيمنة المحروقات على تركيبة صادراتها. وبحسب الأرقام التي عرضها وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، بلغ الحجم التراكمي للمبادلات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي قرابة تريليون دولار بين 2005 و2023، بينما بقي الاستثمار الأوروبي المباشر بعيدًا عن الحجم الذي كانت الجزائر تنتظره من علاقة بهذا الوزن.
ووضع عطاف المسألة بصيغة أكثر مباشرة عندما اعتبر أن اتفاق الشراكة لم يحقق نموذج «رابح–رابح» أو الازدهار المشترك الذي رافق إطلاقه، مشيرًا إلى أن الاستثمارات الأوروبية في الجزائر لم تتجاوز نحو 13 مليار دولار خلال الفترة نفسها، عاد منها قرابة 12 مليار دولار إلى أوروبا في صورة أرباح وتحويلات، فيما تحملت الخزينة الجزائرية في المقابل كلفة التفكيك الجمركي الناتج عن الاتفاق خلال مرحلة لم تكن فيها الصناعة الوطنية مؤهلة للاستفادة الكاملة من فتح الأسواق الأوروبية.
وتكمن المفارقة في أن المشكلة برزت بقوة عندما بدأ هذا الواقع يتغير. فمع توسع الصناعة الجزائرية منذ النصف الثاني من العقد الماضي، وظهور قدرات جديدة في الصلب والأسمدة ومواد البناء والصناعات التحويلية، أصبح الاتفاق مطالبًا بأن يعمل في الاتجاه الثاني أيضًا، أي أن يسمح للمنتج الجزائري بالاستفادة الفعلية من السوق الأوروبية. وهنا اصطدمت الجزائر بقواعد لم تكن تشكل عقبة عندما لم تكن قادرة على التصدير بكميات كبيرة.
فالاقتصاد الأوروبي الذي دعا لسنوات إلى تحرير المبادلات عاد بدوره إلى استخدام أدوات حمائية أكثر قوة عندما تعرضت صناعاته لضغط المنافسة الخارجية، وهو ما يجعل الصلب اليوم أكثر من قطاع صناعي؛ إنه اختبار فعلي لمفهوم المعاملة بالمثل داخل الشراكة.

الصلب الجزائري يكشف حدود الانفتاح الأوروبي

منذ 2018 يعتمد الاتحاد الأوروبي تدابير وقائية لحماية سوق الصلب من ارتفاع الواردات العالمية، تقوم على تحديد حصص تدخل ضمنها الكميات بشروط تفضيلية، قبل فرض رسوم مرتفعة على الكميات الإضافية. وكان النظام السابق يفرض رسمًا بنسبة 25% على الشحنات التي تتجاوز الحصص المحددة، قبل أن تنتقل بروكسل في 2026 إلى منظومة أشد صرامة، بخفض كميات الصلب التي يمكنها دخول السوق ضمن الحصص إلى 18.3 مليون طن سنويًا، أي أقل بنحو 47% من مستويات 2024، ورفع الرسم على الكميات التي تتجاوز السقف إلى 50%.
وتبرر بروكسل هذه الإجراءات بضرورة حماية مصانعها من فائض الإنتاج العالمي، الذي قد يصل إلى 721 مليون طن في 2027، إلى جانب الحفاظ على الوظائف والقدرات الصناعية الأوروبية. لكن الجزائر تقرأ الأرقام من زاوية مختلفة: إذا كان من المشروع للاتحاد الأوروبي حماية صناعة الحديد والصلب عندما تتعرض للمنافسة، فمن الصعب مطالبة الجزائر في الوقت نفسه بالتخلي عن أدوات حماية قاعدتها الصناعية الناشئة أو الاعتراض على سياسات إحلال الواردات التي تستهدف نقل الإنتاج من الخارج إلى الداخل.
وهنا يتحول الخلاف من نزاع على التعريفات إلى سؤال جوهري حول تكافؤ الحق في السياسة الصناعية. فبروكسل تعتبر حماية صناعة الصلب الأوروبية جزءًا من أمنها الاقتصادي، بينما تريد الجزائر أن يُعترف لها بالحق نفسه في حماية استثماراتها الصناعية ورفع الإدماج المحلي وتوجيه الواردات نحو ما يحتاج إليه الاقتصاد فعلًا.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحًا لأن المشكلة في الحالة الجزائرية ليست ضعف قدرة المنتج على المنافسة، بل إن صعود الصلب الجزائري هو الذي جعل الحصص القديمة عقبة أكثر وضوحًا. فالحدود التي وضعت استنادًا إلى أداء تاريخي يعود إلى سنوات لم تكن فيها الجزائر تملك قدراتها الإنتاجية الحالية أصبحت تعمل اليوم كسقف أمام صناعة توسعت بعد تحديد تلك الحصص، بما يعني عمليًا أن النجاح الصناعي الجزائري أصبح أكبر من المساحة التي تمنحها له القواعد الأوروبية القديمة.

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

الصناعة الجزائرية أصبحت أكبر من «الكوتا»

تتضح هذه الفجوة في حالة «توسيالي الجزائر»، الذي توسع بصورة متسارعة خلال السنوات الأخيرة وأصبح يصدر منتجاته إلى عشرات الأسواق، فيما رفع سقف طموحاته التصديرية مع دخول قدرات جديدة لإنتاج الصلب المسطح. ففي ماي 2025 استهدف المجمع صادرات بقيمة مليار دولار، مع اعتبار السوق الأوروبية واحدة من الوجهات الرئيسية للنمو، قبل أن ترتفع الطموحات أكثر مع توسع القاعدة الإنتاجية.
لم يعد الحديث إذن عن مصنع صغير يبحث عن حصة رمزية في أوروبا، بل عن صناعة جزائرية قادرة على إنتاج ملايين الأطنان، وتملك موقعًا جغرافيًا قريبًا من السوق الأوروبية، إلى جانب ميزة طاقوية مهمة ومنشآت إنتاج حديثة. وهنا يصبح الإبقاء على حصص صيغت عندما كانت هذه الصناعة في بداياتها غير متناسب مع التحول الذي حدث على الأرض.
ولهذا ركز الرئيس عبد المجيد تبون على تغير الواقع الجزائري نفسه: الحصص وُضعت عندما لم تكن البلاد منتجًا كبيرًا للصلب، بينما أصبحت اليوم قادرة على توفير منتج مطلوب في أسواق دولية متعددة. والمطلب الجزائري، بهذا المعنى، لا يقوم على مطالبة أوروبا بحماية الصلب الجزائري، وإنما على عدم إبقاء نجاح صناعي جديد محاصرًا بسقوف تاريخية وُضعت عندما لم تكن الجزائر منافسًا أصلًا.

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

الميزة الجزائرية التي ترفع قدرتها التنافسية

تحتفظ صناعة الصلب الجزائرية بأفضلية أخرى لا يمكن فصلها عن النقاش الحالي، وهي الطاقة. فالجزائر تنتج الغاز الطبيعي محليًا وتستطيع استخدامه في صناعاتها الثقيلة ضمن معادلة تكلفة تختلف عن تلك التي تواجهها مصانع أوروبية عانت بعد الأزمة الأوكرانية ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الطاقة.
وفي قراءة الدكتور بوبكر مصطفى، الأستاذ المتخصص في الاقتصاد والمالية بجامعة البويرة، يمثل هذا الفارق أحد العناصر التي تجعل المنتج الجزائري قادرًا على المنافسة بقوة إذا مُنح وصولًا أوسع إلى السوق الأوروبية. فصناعة الصلب الأوروبية تواجه تحديات مرتبطة بتكاليف الطاقة والمنافسة العالمية والقدرات الإنتاجية القديمة، بينما تدخل الجزائر القطاع بمنشآت أحدث وقاعدة غازية داخلية.
وهذه ميزة اقتصادية تملك الجزائر كامل الحق في تحويلها إلى قيمة صناعية. فكما تستفيد الاقتصادات الأوروبية من التكنولوجيا ورأس المال والبنية التحتية في بناء قدرتها التنافسية، تستطيع الجزائر تحويل مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي إلى أفضلية صناعية، بدل الاكتفاء بتصدير الغاز والمواد الخام.
وهنا يظهر جوهر التحول الذي تسعى إليه السياسة الاقتصادية الجزائرية: الانتقال من بيع الطاقة إلى استخدام جزء أكبر منها في إنتاج سلع أعلى قيمة مضافة ثم تصديرها. والصلب يمثل أحد أوضح الأمثلة على هذا الانتقال.

أوروبا تريد الغاز.. والجزائر تريد تصدير ما يصنعه الغاز

تلك هي المعادلة التي تجعل ملف الصلب يتجاوز التجارة البسيطة. فأوروبا تحتاج الغاز الجزائري لتغذية اقتصاداتها وتعزيز أمنها الطاقوي، فيما تريد الجزائر استخدام الغاز نفسه لتطوير صناعتها وإنتاج سلع تستطيع المنافسة داخل السوق الأوروبية.
ومن هنا يبرز سؤال لا تستطيع قواعد اتفاق 2005 تجاهله طويلًا: هل تُقبل الجزائر أوروبيًا بوصفها موردًا للطاقة فقط، أم بوصفها أيضًا قوة صناعية صاعدة تستخدم مواردها لإنتاج الصلب والأسمدة ومنتجات تحويلية ذات قيمة أعلى؟
الجزائر اختارت الخيار الثاني. وهذا بالتحديد ما يغير طبيعة المفاوضات.

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

الكربون قد يتحول إلى ورقة جزائرية

تنتقل المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا مع آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية «CBAM»، التي دخلت مرحلتها الفعلية في 2026 وتشمل الحديد والصلب والأسمدة والإسمنت والألمنيوم وقطاعات أخرى كثيفة الانبعاثات. وتقدم أوروبا هذه الآلية باعتبارها أداة لضمان تحمل المنتج المستورد كلفة كربونية قريبة من تلك التي يتحملها المصنع الأوروبي.
وبالنسبة إلى الجزائر يمكن أن تمثل CBAM تحديًا إذا لم تستعد المصانع الوطنية لقياس انبعاثاتها وإثباتها وفق المعايير الأوروبية، لكن المعادلة تحمل في المقابل فرصة حقيقية. فجانب مهم من إنتاج الصلب الجزائري الحديث يعتمد على تقنية الاختزال المباشر للحديد DRI وأفران القوس الكهربائي EAF بدل المسارات التقليدية القائمة على الفحم الحجري والأفران العالية، وهي تقنيات أقل كثافة كربونية نسبيًا.
كما تضم «توسيالي الجزائر» وحدتي اختزال مباشر بطاقة كبيرة، وصممت التكنولوجيا المستخدمة بحيث يمكن تكييفها مع الهيدروجين مستقبلًا، بما يمنح الصناعة الجزائرية مسارًا عمليًا نحو خفض إضافي للانبعاثات. ووفق الأرقام التي قدمها بوبكر مصطفى، يمكن أن تتراوح الانبعاثات في بعض منظومات الإنتاج الجزائرية الحديثة بين 0.6 و1.2 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل طن صلب، مقابل مستويات قد تصل إلى 1.8 و2.2 طن في المسارات التقليدية المعتمدة على الفحم.
وإذا عززت الجزائر هذه الأفضلية بأنظمة قياس وتصديق دقيقة، فإن الملف البيئي يمكن أن يتحول من حاجز محتمل إلى ورقة تنافسية لصالح المنتج الجزائري. فمن الصعب الدفاع عن سياسة أوروبية لخفض الكربون ثم تعطيل وصول منتج أقل انبعاثًا فقط لأن حصته التاريخية صيغت في مرحلة لم يكن فيها موجودًا بهذه القوة.

المعاملة بالمثل تتحول إلى جوهر الخلاف

هنا يأخذ تحليل أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر والبرلماني السابق هواري تيغرسي معناه الكامل. فالجزائر، وفق قراءته، فتحت سوقها أمام آلاف المنتجات الأوروبية، بينما يواصل الاتحاد الأوروبي استخدام الحصص والرسوم لحماية قطاعاته التي يعتبرها استراتيجية.
وأصبح هذا الاختلال أكثر وضوحًا في 2026 بعد تشديد بروكسل حماية الصلب بالتزامن مع استمرار خلافها مع الجزائر بشأن عدد من إجراءات تنظيم التجارة والاستثمار. ولا يتعلق الأمر بمطالبة أوروبا بالتخلي عن مصالحها أو الجزائر بالتنازل عن أدواتها، بل بإعادة بناء العلاقة على قاعدة واحدة للطرفين: المنتج الأوروبي يحصل على النفاذ الذي يمكن أن يحصل عليه المنتج الجزائري، والسياسة الصناعية الجزائرية تحظى بالاحترام نفسه الذي تطالب به أوروبا لصناعتها.
وهذا ما يجعل مراجعة اتفاق الشراكة حاجة اقتصادية متزايدة، لا خلافًا سياسيًا ظرفيًا.

الغاز يغيّر وزن الجزائر على طاولة التفاوض

إذا كان الصلب يكشف الخلل في النظام التجاري، فإن الطاقة توضح لماذا أصبحت الجزائر تملك هامشًا تفاوضيًا أكبر بكثير مما كان متاحًا لها عند توقيع اتفاق 2005. فبعد إعادة تشكيل أوروبا لمصادر إمداداتها بسبب الأزمة الروسية–الأوكرانية، ارتفع الوزن الاستراتيجي للغاز الجزائري داخل القارة.
وأصبحت الجزائر ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي بعد النرويج، مع حصة قاربت 18% من الواردات خلال 2025 قبل أن ترتفع إلى مستويات أعلى خلال 2026، في وقت تراجعت فيه حصة الغاز الروسي بصورة حادة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
هذا التحول لم تصنعه الجزائر بخطاب سياسي، بل بالجغرافيا والبنية التحتية والاحتياطيات والعقود والقدرة على الحفاظ على تدفقات مستقرة في واحدة من أكثر مراحل سوق الطاقة الأوروبية اضطرابًا.
كما يصل الغاز الجزائري إلى القارة عبر خطوط مباشرة، بما يمنحه أفضلية استراتيجية مقارنة بإمدادات تحتاج إلى سلاسل أطول أو إلى سوق الغاز الطبيعي المسال الأكثر تعرضًا للمنافسة الدولية.
ومن هنا لم تعد الجزائر تدخل حوارها مع بروكسل باعتبارها الطرف الذي يحتاج وحده إلى السوق الأوروبية. أوروبا بدورها تملك مصالح مباشرة في استقرار العلاقة مع الجزائر، وهذه الحقيقة يجب أن تنعكس على طبيعة التوازن التجاري.

الجزائر تنتقل من مورد للطاقة إلى بوابة إفريقية

قد يرتفع الوزن الجزائري أكثر مع تقدم مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر. ففي جوان 2026 دخل الشطر الجزائري من المشروع مرحلة الإنجاز، في مسار يستهدف نقل الغاز النيجيري شمالًا عبر النيجر إلى الشبكة الجزائرية ومنها إلى مراكز التصدير على المتوسط.
وتكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع في أنه يغير موقع الجزائر من منتج ومصدر للغاز فقط إلى منصة محتملة لعبور الغاز الإفريقي نحو أوروبا والأسواق الدولية. فحاسي الرمل يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى عقدة تجمع الغاز الجزائري والإمدادات القادمة من عمق القارة ثم تعيد توزيعها نحو الشمال.
ويتقاطع هذا المسار مع الطريق العابر للصحراء وشبكة الألياف البصرية القارية، بما يضع الجزائر عند تقاطع ثلاثة ممرات استراتيجية تربط المتوسط بالساحل وغرب إفريقيا: الطاقة، النقل والرقمنة.
وهذه الجزائر تختلف جذريًا عن الجزائر التي دخلت اتفاق الشراكة عام 2005.

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

السوق الجزائرية نفسها ورقة تفاوض

لا يقتصر الوزن التفاوضي على الغاز. فالجزائر تمثل سوقًا كبيرة للشركات الأوروبية، كما تنفذ مشاريع واسعة في الصناعة والطاقة والمناجم والنقل والبنية التحتية تحتاج إلى التكنولوجيا والتجهيزات والخدمات.
لكن السياسة الاقتصادية الجزائرية تغيرت في طريقة التعامل مع هذه الحاجة، إذ لم يعد الهدف استيراد المنتج النهائي فقط، بل دفع المستثمر الأجنبي نحو التصنيع المحلي، ورفع الإدماج، ونقل التكنولوجيا، وتحويل الجزائر من سوق استهلاك إلى قاعدة إنتاج.
وهذا يعني أن الشركات الأوروبية لديها هي الأخرى مصلحة في الحفاظ على حضورها داخل السوق الجزائرية، خصوصًا مع اتساع المنافسة القادمة من شركاء آسيويين وإقليميين.
لذلك، عندما تطالب الجزائر بنفاذ أوسع لمنتجاتها إلى السوق الأوروبية، فهي لا تدخل المفاوضات من دون أوراق. بروكسل تريد بدورها السوق الجزائرية والطاقة والعقود وفرص الاستثمار والاستقرار في جنوب المتوسط، وهي عناصر تجعل العلاقة أقرب إلى اعتماد متبادل منها إلى علاقة أحادية الاتجاه.

الجزائر تريد رفع قيمة الشراكة لا تقليصها

هذه النقطة أساسية لفهم الموقف الجزائري. مراجعة اتفاق الشراكة لا تعني الرغبة في تقليص المبادلات مع أوروبا، بل في رفع القيمة التي تحصل عليها الجزائر منها.
فالمرحلة التي قامت فيها العلاقة أساسًا على إرسال المحروقات شمالًا واستقبال السلع المصنعة جنوبًا لم تعد تتناسب مع أهداف الاقتصاد الجزائري. البلاد تريد إضافة الحديد والصلب والأسمدة والمنتجات الكيميائية والصناعات التحويلية إلى قائمة صادراتها، ثم الانتقال تدريجيًا إلى مستويات أعلى من القيمة المضافة.
وهذا التحول يخدم استراتيجية تنويع الاقتصاد التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون، لأنه يسمح بتحويل الموارد الطاقوية والمنجمية إلى منتجات مصنعة قبل التصدير، بدل بيعها في شكل خام.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب أسواقًا خارجية كبيرة، وتظل أوروبا بحكم القرب والحجم إحدى أهمها. لذلك لا تريد الجزائر التخلي عن السوق الأوروبية، وإنما الحصول على شروط دخول تواكب قوتها الصناعية الجديدة.

اتفاق 2005 لا يمكنه إدارة اقتصاد الجزائر الجديد

بعد أكثر من عقدين، أصبحت قواعد الاتفاق أقل قدرة على تمثيل واقع الطرفين. الجزائر بنت مصانع لم تكن موجودة، أعادت إطلاق مشاريع منجمية ضخمة، رفعت قدرات إنتاج الصلب والأسمدة، شرعت في تنفيذ ممرات قارية، وعززت موقعها في أمن الطاقة الأوروبي.
وفي المقابل، أصبحت أوروبا نفسها أكثر حمائية مما كانت عليه عند إطلاق منطقة التبادل الحر، وأكثر اهتمامًا بأمنها الصناعي والطاقوي، وأكثر استعدادًا لاستخدام الحصص والرسوم والكربون والدعم لحماية قطاعاتها الاستراتيجية.
أي أن الطرفين تغيرا، ومن الطبيعي أن تتغير قواعد العلاقة معهما.
والمفارقة التي تضعها الجزائر اليوم أمام بروكسل أن الاتحاد الأوروبي يعتبر تحول اقتصاده مبررًا لتعديل سياساته، بينما لا يمكنه الاستمرار في التعامل مع تطور الاقتصاد الجزائري وفق معايير عمرها أكثر من عشرين عامًا.

الجزائر تدخل المفاوضات بأوراق لم تكن تملكها في 2005

تملك الجزائر اليوم قاعدة صناعية أكثر اتساعًا، وطاقة تحتاج إليها أوروبا، وسوقًا مهمة للشركات الأوروبية، وموارد منجمية ضخمة، وموقعًا يمكن أن يحولها إلى جسر بين أوروبا وعمق إفريقيا.
وهذه الأوراق لا تحتاج إلى أن تتحول إلى أدوات صدام حتى تكون فعالة. قيمتها الأساسية أنها تمنح الجزائر قدرة أكبر على المطالبة باتفاق أفضل.
فالصلب يمنحها ورقة صناعية، والغاز يمنحها ورقة طاقوية، وغارا جبيلات يبني قاعدة معدنية يمكنها دعم الصناعة لعقود، وأنبوب الغاز العابر للصحراء قد يرفع موقعها من مصدر إلى منصة عبور، والسوق الوطنية تمنحها وزنًا أمام الشركات الأوروبية الباحثة عن النمو خارج القارة.
وعندما يطالب الرئيس عبد المجيد تبون بفتح السوق الأوروبية أمام الصلب الجزائري، فإنه يضع عمليًا معيارًا للمرحلة المقبلة: الجزائر التي فتحت سوقها تريد أسواقًا مفتوحة أمام منتجاتها أيضًا.
وعندما يؤكد أحمد عطاف أن الاتفاق لم يحقق مبدأ «رابح–رابح»، فإن المقصود ليس تفكيك العلاقة مع أوروبا، وإنما إعادة ضبطها وفق اقتصاد جزائري تغير جذريًا.
فالصلب أصبح اختبارًا لمدى استعداد بروكسل للاعتراف بالجزائر قوة صناعية صاعدة، والغاز يمنح الجزائر وزنًا لا يمكن تجاوزه، وغارا جبيلات يوسع الأفق الصناعي، وTSGP يمكن أن يجعل البلاد بوابة للطاقة الإفريقية، بينما تظل السوق الجزائرية نفسها أصلًا تفاوضيًا تبحث الشركات الأوروبية عن مكان داخله.
وبهذه الأوراق مجتمعة تدخل الجزائر المرحلة الجديدة من موقع أكثر قوة وثقة. لا لأنها أكبر اقتصاديًا من الاتحاد الأوروبي، ولا لأنها تسعى إلى الاستغناء عنه، وإنما لأنها أصبحت أكثر قدرة على تحديد شكل العلاقة التي تخدم مصالحها، وأقل استعدادًا لقبول اتفاق لا يعكس وزن اقتصادها الجديد.
لذلك، فإن السؤال المطروح على بروكسل لم يعد ما إذا كانت الجزائر شريكًا مهمًا لأوروبا؛ الجغرافيا والطاقة والتجارة حسمت ذلك منذ زمن. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي مستعدًا للتعامل مع الجزائر الجديدة وفق قواعد جديدة.
فالجزائر لا تطلب امتيازًا، ولا تبحث عن حماية مجانية لمنتجاتها، ولا تطلب من أوروبا التخلي عن مصالحها. إنها تضع أمام بروكسل قاعدة تجارية واضحة: من يريد السوق الجزائرية والطاقة الجزائرية والعقود الجزائرية، عليه أن يقبل في المقابل بنفاذ حقيقي للصلب والمنتجات الجزائرية، وبحق الجزائر في بناء صناعتها وحماية تحولها الاقتصادي وفق مبدأ المعاملة بالمثل.
وهذه هي معادلة الشراكة التي تريدها الجزائر: علاقة تتبادل فيها المصالح والأسواق، لا اتفاقًا تبقى فيه الجزائر مفتوحة للمنتج الأوروبي بينما تُغلق الأبواب عندما يصبح المنتج الجزائري قادرًا على المنافسة.

الجزائر تغيّر قواعد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي!

#الاتحاد الأوروبي#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

الجزائر ومالي تفتحان بوابة الاقتصاد بعد القطيعة.. دعوة مايغا إلى الجزائر تمهد للتجارة والطاقة والربط الحدودي

الجزائر ومالي تفتحان بوابة الاقتصاد بعد القطيعة.. دعوة مايغا إلى الجزائر تمهد للتجارة والطاقة والربط الحدودي

بوابة الجزائر الإخبارية: بعد شهر واحد فقط من إعادة السفراء وفتح المجال الجوي بين الجزائر ومالي في 10 جويلية 2026، انتقلت العلاقة بين البلدين إلى خطوة أعلى في مسار التطبيع، بعدما وجه الوزير الأول سيفي غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، دعوة رسمية إلى نظيره المالي، اللواء عبد الله مايغا، للقيام بزيارة عمل إلى الجزائر، في تحرك يفتح الباب أمام تحويل الانفراج السياسي إلى برنامج تعاون اقتصادي بين بلدين يتقاسمان حدودًا تمتد لنحو 1376 كيلومترًا، ويملكان مصالح مباشرة في التجارة والطاقة والنقل وتنمية المناطق الحدودية.

ويكتسب الاتصال الهاتفي الذي جمع رئيسي الحكومتين في 9 أوت أهميته من توقيته ومضمونه معًا. فبعد أقل من خمسة أسابيع على استعادة القنوات الدبلوماسية، لم يكتف الطرفان بالتأكيد على علاقات الأخوة وحسن الجوار، بل عبّرا عن إرادة مشتركة لإعطاء ديناميكية جديدة للعلاقات وإعادة بعث التعاون في مختلف المجالات، وربطا هذه الديناميكية برؤية أوسع للساحل بوصفه فضاءً للتبادل والتنمية المشتركة والأمن والاستقرار. وبذلك تنتقل العلاقة من إدارة آثار أزمة دبلوماسية إلى البحث عن مصالح اقتصادية يمكنها جعل العودة إلى القطيعة أكثر كلفة للطرفين.

شهر واحد نقل العلاقة من إعادة السفراء إلى زيارة عمل

يمثل 10 جويلية 2026 نقطة الانطلاق الفعلية للمرحلة الجديدة. ففي ذلك اليوم أعلنت الجزائر إعادة فتح مجالها الجوي بالكامل أمام حركة الطيران المالية، بعدما ظل مغلقًا منذ أزمة أفريل 2025، لترد باماكو في اليوم نفسه بإعادة فتح مجالها الجوي أمام الرحلات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، وإعادة سفيرها إلى الجزائر. وبعد ساعات، أمر الرئيس عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو.
اقتصاديًا، لا يمكن اختزال إعادة فتح الأجواء في دلالتها السياسية. فالطيران يمثل قناة لنقل رجال الأعمال والوفود والخبراء والخدمات والشحنات ذات القيمة العالية، بينما تعني عودة السفارتين إلى العمل الكامل استعادة الأدوات المؤسسية اللازمة لمرافقة الشركات وتسوية الملفات وتسهيل التأشيرات والاتصالات الحكومية. ولذلك فإن الانتقال بعد شهر فقط إلى دعوة رئيس الحكومة المالية إلى الجزائر يعكس استعدادًا للانتقال من التطبيع السياسي إلى بحث الملفات القابلة للتحويل إلى مشاريع.
وتدعم الجغرافيا هذا الاتجاه أكثر مما تدعمه المجاملات الدبلوماسية. فالجزائر ومالي تتقاسمان حدودًا بطول 1376 كلم، وتعود علاقاتهما الرسمية إلى 1963، وفق البيانات الرسمية الجزائرية، فيما تم توقيع اتفاق ترسيم الحدود بينهما في الجزائر سنة 1983. وهذه الحدود الطويلة تجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين مختلفة عن علاقة تجارية تقليدية؛ فالطرق، ونقاط العبور، وتموين المناطق الجنوبية، وحركة السلع والخدمات، وأمن الشحنات كلها تتحول مباشرة إلى عناصر في حساب الجدوى الاقتصادية.

الجزائر ومالي تفتحان بوابة الاقتصاد بعد القطيعة.. دعوة مايغا إلى الجزائر تمهد للتجارة والطاقة والربط الحدودي

مالي تحتاج منافذ جديدة.. والجزائر تبحث عن عمق اقتصادي في غرب إفريقيا

تأتي الدعوة الجزائرية في وقت يظل فيه الاقتصاد المالي بحاجة كبيرة إلى تحسين الربط اللوجستي والطاقة وتقليل تكاليف الاستيراد. فمالي بلد غير ساحلي، ويشير البنك الدولي إلى أن ارتفاع كلفة الواردات، بما فيها الطاقة، يضغط على الحساب الخارجي، بينما تمثل الزراعة والخدمات جزءًا واسعًا من الاقتصاد، وتظل الصادرات شديدة التركيز في الذهب والقطن مع صعود الليثيوم تدريجيًا. ويتوقع البنك نمو الاقتصاد المالي بنحو 5% في المتوسط خلال 2026 و2027، في حين يضع صندوق النقد الدولي توقع نمو 2026 عند نحو 5.5%.
ويمنح هذا الوضع الجزائر فرصة اقتصادية لا تقتصر على تصدير السلع. فاقتصاد ينمو بأكثر من 5% ويعاني في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف الطاقة واللوجستيك يحتاج إلى الكهرباء والمحروقات ومواد البناء والمنتجات الغذائية والأدوية والخدمات الهندسية والاتصالات والنقل، وهي قطاعات تمتلك الجزائر فيها قدرات إنتاجية وخبرة يمكن تحويلها إلى عقود وتدفقات تجارية إذا تم تأمين القنوات المالية واللوجستية المناسبة.
ومن الجانب الجزائري، تندرج مالي ضمن سوق أوسع تبحث عنها سياسة تنويع الصادرات خارج المحروقات. فالهدف لا يتوقف عند بيع المنتجات داخل سوق مالية يتجاوز عدد سكانها 26 مليون نسمة، بل استخدام موقع مالي للاقتراب أكثر من عمق غرب إفريقيا، خصوصًا إذا تمكن البلدان من تطوير المعابر والطرق والخدمات البنكية والتأمين والنقل البري واللوجستيك.
ومن هنا يمكن أن تتحول الزيارة المرتقبة لمايغا، إذا جرى توجيه جدولها اقتصاديًا، إلى منصة لإعادة بناء العلاقة على خمسة ملفات أساسية: التجارة الحدودية، الطاقة، البنى التحتية والنقل، الخدمات المالية واللوجستية، والاستثمار المشترك. وهذه الملفات هي نفسها تقريبًا التي استخدمتها الجزائر خلال 2026 في إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع دول أخرى في الساحل، وفي مقدمتها النيجر.

الجزائر تنقل إلى مالي نموذجًا بدأ يعطي نتائج مع النيجر

يوفر التقارب الجزائري–النيجري خلال الأشهر الماضية مؤشرات مهمة على الطريقة التي يمكن أن تتطور بها العلاقة مع باماكو. ففي مارس 2026 ترأس سيفي غريب في نيامي مع نظيره النيجري منتدى الأعمال الجزائري–النيجري، بالتوازي مع انعقاد اللجنة المشتركة العليا، حيث وضعت الطاقة والبنى التحتية والمالية والاتصالات ضمن القطاعات ذات الأولوية.
ولم يبق التعاون عند مستوى الاجتماعات؛ فالجزائر انتقلت إلى إنجاز مشاريع ملموسة، أبرزها محطة كهربائية بقدرة 40 ميغاواط في النيجر، إلى جانب تعزيز التعاون النفطي وتبادل الخبرات بين سوناطراك والجانب النيجري. كما استقبلت الجزائر في ماي 2026 وفدًا من خبراء ومهندسي وزارة البترول النيجرية لتطوير التعاون في الاستكشاف والإنتاج وتبادل المعرفة التقنية.
هذا النموذج مهم بالنسبة إلى مالي لأنه يوضح أن الجزائر لا تتعامل مع الساحل باعتباره ملفًا أمنيًا فحسب، بل كسوق إقليمية يمكن بناء الاستقرار فيها بواسطة المصالح الاقتصادية. وكل محطة كهرباء، وطريق، وخط تموين، ومشروع طاقة، وشركة تدخل السوق، تضيف كلفة اقتصادية إلى أي عودة مستقبلية إلى التوتر.
والمنطق نفسه يفسر لماذا يمكن أن تكون زيارة مايغا أكثر أهمية من مجرد صورة مصافحة في الجزائر. فالرهان الحقيقي سيكون في ما إذا كان الطرفان سينتقلان إلى إنشاء آليات اقتصادية دائمة، من مجلس أعمال أو لجنة مشتركة نشطة إلى اتفاقات في النقل والطاقة والاستثمار، لأن القطيعة الأخيرة كشفت أن العلاقة السياسية غير المدعومة بمصالح اقتصادية كثيفة تبقى أكثر عرضة للصدمات.

الطاقة في مقدمة الأوراق الجزائرية

يمثل قطاع الطاقة أحد أكثر الملفات المرشحة للحضور في أي أجندة اقتصادية جزائرية–مالية جديدة. وسبق للمحلل السياسي عبد الرفيق كشوط، في تصريحات أوردتها المادة الأصلية، أن ربط المصالحة بين البلدين بإمكان استخدام الجزائر أوراقًا اقتصادية تشمل المساعدات اللوجستية والخبرة الطاقوية وقدرات الشركات الوطنية، معتبرًا أن الجغرافيا الاقتصادية كانت من العوامل التي دفعت في اتجاه إنهاء الأزمة.
وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد المالي. فالبنك الدولي يضع ارتفاع تكاليف الطاقة ضمن أسباب اتساع العجز الخارجي في مالي، فيما يشدد صندوق النقد الدولي على أن استعادة النمو تحتاج إلى معالجة اختناقات الاستثمار والإنتاج وجذب رأس المال وتحسين البنية الأساسية.
بالنسبة إلى الجزائر، لا يبدأ التعاون في الطاقة من الصفر من حيث القدرات. فسوناطراك تقدم نفسها كأكبر مجموعة محروقات في إفريقيا، وتملك خبرة تغطي الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير والبتروكيمياء، فيما يدخل التوسع الدولي ضمن أهداف نشاط الاستكشاف والإنتاج للمجموعة. وهذا يفتح، على الأقل من حيث الإمكانات، مجالًا لدراسة خدمات فنية أو تعاون في المحروقات أو التكوين أو المنشآت الطاقوية إذا قرر البلدان إدراجها في جدول التعاون المقبل.
ويجب التفريق هنا بين الإمكان والاتفاق الفعلي؛ فالدعوة الحالية لمايغا لم تتضمن حتى الآن إعلان مشاريع طاقوية محددة مع مالي. لكن التجربة الجزائرية مع النيجر توضح أن الانتقال من الحوار السياسي إلى تعاون تقني وطاقوي يمكن أن يتم بسرعة عندما توجد إرادة حكومية وإطار تنفيذي واضح.

من أمن الحدود إلى اقتصاد الحدود

التحول الأكثر أهمية بالنسبة إلى الجزائر يكمن في إعادة تعريف وظيفة حدودها الجنوبية. فبدل التعامل مع الحدود المالية باعتبارها خطًا أمنيًا فقط، يمكن أن تصبح أيضًا مجالًا لحركة قانونية للسلع والخدمات، ما يرفع نشاط الولايات الجنوبية ويمنح المؤسسات الجزائرية منافذ جديدة.
وتزداد أهمية هذا الخيار مع السياسة الجزائرية الأوسع لإنشاء مناطق حرة وتنشيط المبادلات الحدودية مع دول الجوار الإفريقي. وكانت الجزائر قد أعلنت خلال السنوات الأخيرة خططًا لمناطق تبادل حر مع مالي والنيجر وليبيا وتونس وموريتانيا، في إطار استراتيجية تهدف إلى توجيه جزء أكبر من الإنتاج الوطني إلى الأسواق الإفريقية. وتكمن الفائدة الاقتصادية في استبدال جزء من التجارة غير المنظمة بتدفقات قابلة للقياس والتمويل والتأمين والجباية، وإدخال الشركات الجزائرية إلى أسواق كانت تاريخيًا أقرب إلى شبكات التجارة الصغيرة منها إلى التصدير الصناعي المنظم.
وفي الحالة المالية تحديدًا، يمكن أن يلعب محور برج باجي مختار والمناطق الحدودية دورًا أكبر إذا ترافقت عودة العلاقات مع تحديث المعابر وإنشاء مساحات لوجستية ومخازن وخدمات مصرفية وتأمين للشحنات وربط أفضل بين المنتجين في الشمال والجنوب والأسواق المالية.
وهنا تظهر العلاقة بين الأمن والاقتصاد بصورة مباشرة. فكلما زادت التجارة القانونية وتوفرت الوظائف والخدمات والبنية التحتية في المناطق الحدودية، تراجعت نسبيًا المساحة الاقتصادية التي تستفيد منها شبكات التهريب والجريمة المنظمة. لذلك لا يمثل الاستثمار في التجارة الحدودية تنازلًا عن المقاربة الأمنية، بل يمكن أن يصبح جزءًا منها.

الجزائر ومالي تفتحان بوابة الاقتصاد بعد القطيعة.. دعوة مايغا إلى الجزائر تمهد للتجارة والطاقة والربط الحدودي

1376 كلم من الحدود يمكن تحويلها من كلفة إلى أصل اقتصادي

لفترة طويلة مثّلت الحدود الواسعة مع مالي كلفة عالية من حيث المراقبة والأمن وصعوبة الحركة. لكن الاقتصاد يتيح قراءة مختلفة للمسافة نفسها. فـ1376 كلم من الحدود تعني أيضًا إمكانية بناء عدة نقاط ربط وممرات تجارية وخدمات لوجستية بين اقتصاد شمال إفريقي يمتلك موانئ على المتوسط ودولة حبيسة تبحث عن منافذ إضافية لتقليل اعتمادها على مسارات محدودة. ولا يعني ذلك أن الجزائر يمكنها أن تحل محل الموانئ الأطلسية التي يعتمد عليها الاقتصاد المالي، لكن توفير مسار شمالي إضافي لبعض السلع والقطاعات يمكن أن يمنح باماكو هامشًا أكبر في إدارة التوريد، وفي المقابل يمنح الجزائر ميزة القرب الجغرافي في تصدير منتجاتها.
ويمكن أن تكون مواد البناء والإسمنت والحديد والمنتجات الغذائية والأدوية والتجهيزات الكهربائية والخدمات الرقمية والهندسية ضمن القطاعات الأكثر قابلية للاستفادة إذا نشأ إطار اقتصادي منظم، خاصة أن حاجة مالي إلى الاستثمار والبنية التحتية ستظل مرتفعة مع توقعات نمو تتجاوز 5% خلال 2026.

فتح الأجواء أعاد أول شريان اقتصادي

قبل الحديث عن مشاريع أكبر، يحمل فتح المجال الجوي نفسه أثرًا اقتصاديًا مباشرًا. فقرار الجزائر في 10 جويلية بإعادة فتح أجوائها بالكامل أمام حركة الطيران المالي، ثم القرار المالي المتبادل، أنهيا قيدًا أثر في انسيابية التنقل بين البلدين خلال فترة الأزمة.
والطيران ليس ملفًا جانبيًا في العلاقات الاقتصادية؛ فهو شرط لتكثيف حركة الوفود والمستثمرين والفنيين ورجال الأعمال، وتسريع نقل الوثائق والشحنات الصغيرة، وإعادة تشغيل مسارات السفر التي تحتاج إليها الشركات. ولذلك يمكن اعتبار فتح الأجواء أول بنية اقتصادية أعيد تشغيلها قبل بدء الحديث عن مشاريع جديدة.
كما أن عودة السفيرين في اليوم نفسه أعادت القناة المؤسسية التي يمكن من خلالها إعداد الاتفاقات ومرافقة المستثمرين وحل الإشكالات الإدارية والقنصلية. وبذلك سبقت البنية الدبلوماسية زيارة مايغا المحتملة، ما يرفع احتمال أن تكون الزيارة، متى تمت، موجهة نحو تحديد ملفات عملية بدل الاقتصار على إعلان استئناف العلاقات.

مالي تنمو.. لكن كلفة الطاقة واللوجستيك تفتح نافذة للجزائر

تكشف أحدث أرقام المؤسسات المالية الدولية أن توقيت الانفتاح الجزائري على مالي يحمل فرصة اقتصادية حقيقية. فصندوق النقد يتوقع نمو الناتج الحقيقي المالي بنحو 5.5% في 2026، بعد أداء أظهر قدرة على الصمود رغم الضغوط الأمنية والإنسانية، مدفوعًا بالتعدين والزراعة والخدمات. كما أن إنتاج الليثيوم بدأ يتحول إلى محرك إضافي للنمو إلى جانب الذهب والقطن.
لكن الاقتصاد نفسه يعاني نقاط ضعف تمنح الشريك الجزائري مجالًا للدخول: ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، ضعف الربط، الحاجة إلى استثمارات جديدة، وضغط النمو الديموغرافي على الوظائف. ويشير البنك الدولي إلى دخول نحو 235 ألف شاب سنويًا إلى سوق العمل المالي، ما يجعل الاستثمار والإنتاج والتكامل الإقليمي أكثر إلحاحًا.
ومن مصلحة الجزائر أن يتحول الطلب المالي إلى طلب على المنتج والخبرة والاستثمار الجزائري بدل ترك السوق بالكامل للمنافسين الدوليين. وهذا يحتاج إلى سياسة تجارية نشطة وليس فقط علاقات سياسية جيدة: خطوط نقل مستقرة، بنوك، تمويل للصادرات، تأمين، معارض تجارية، مجالس أعمال، تسهيلات جمركية وآليات تسوية مالية قادرة على تحويل القرب الجغرافي إلى ميزة سعرية فعلية.

زيارة مايغا يمكن أن تكون نقطة الانتقال من المصالحة إلى العقود

من هنا تكتسب الدعوة الرسمية التي وجهها سيفي غريب إلى عبد الله مايغا أهميتها الاقتصادية. فالمرحلة الأولى من التطبيع أنجزت في 10 جويلية بإعادة فتح الأجواء والسفارات. المرحلة الثانية بدأت في 9 أوت بإعادة الاتصال على مستوى رئيسي الحكومتين. أما المرحلة الثالثة، إذا تمت زيارة مايغا إلى الجزائر، فيفترض اقتصاديًا أن تنتقل إلى تحديد الملفات والمشاريع والأجهزة التنفيذية.
وسيكون نجاح الزيارة، من منظور اقتصادي، قابلًا للقياس بعدد الملفات التي تنتقل من التصريح إلى التنفيذ: هل ستُفعّل لجنة تعاون اقتصادي؟ هل سيُنشأ أو يعاد تنشيط مجلس أعمال؟ هل ستُحدد قطاعات للتصدير والاستثمار؟ هل ستُبحث تسهيلات النقل البري والجوي؟ هل سيتم تطوير المعابر؟ وهل يمكن توسيع التعاون إلى الطاقة والخدمات والاتصالات؟
هذه الأسئلة أهم من الرمزية السياسية للزيارة، لأن الجزائر التي تعيد بناء علاقاتها في الساحل خلال 2026 تتحرك تدريجيًا بمنطق يجعل التعاون الاقتصادي أداة نفوذ واستقرار في الوقت نفسه.

الجزائر ومالي تفتحان بوابة الاقتصاد بعد القطيعة.. دعوة مايغا إلى الجزائر تمهد للتجارة والطاقة والربط الحدودي

من نيامي إلى باماكو.. الجزائر تبني شبكة مصالح في الساحل

تزامن التقارب مع مالي مع حركة جزائرية أوسع في محيطها الإفريقي. ففي النيجر جرى الانتقال خلال أشهر إلى لجنة مشتركة، مجلس أعمال، مشاريع كهرباء، تعاون نفطي وبرامج للتكوين، في وقت يعمل البلدان مع نيجيريا على مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.
وهذا المسار يعطي فكرة عن الرؤية التي يمكن أن تستوعب مالي: تحويل العلاقات مع دول الساحل من ملفات أمنية متقطعة إلى شبكة مصالح تشمل الطاقة والتجارة والبنية التحتية والخدمات.
وتكتسب مالي داخل هذه الشبكة وزنًا خاصًا لأنها تشترك مباشرة مع الجزائر في حدود واسعة وتقع في قلب غرب إفريقيا، ما يجعل تحسن العلاقة معها قادرًا على خدمة هدفين جزائريين في آن واحد: تخفيف المخاطر على الحدود الجنوبية وفتح مسار جديد أمام الصادرات والاستثمارات نحو القارة.
كما أن استعادة العلاقة مع باماكو تقلل كلفة سياسية كانت تستهلك جزءًا من قدرة الجزائر على تنفيذ استراتيجيتها الإفريقية، لأن التوتر مع دولة حدودية بهذا الحجم كان يفرض على الطرفين إدارة الأزمة بدل إدارة التنمية.

البراغماتية الاقتصادية تحل محل كلفة القطيعة

بهذا المعنى، لا يمثل التقارب الحالي تراجعًا عن المواقف السابقة بقدر ما يعكس قراءة مختلفة لكلفة استمرار الخلاف. فالدولتان تستطيعان الاستمرار في الاختلاف حول ملفات سياسية وأمنية، لكن الجغرافيا لا تتغير، والحدود لا تختفي، ومخاطر الإرهاب والتهريب لا تتوقف، كما أن حاجة مالي إلى التموين والاستثمار وحاجة الجزائر إلى أسواق إفريقية ستبقيان قائمتين.
ولهذا تبدو البراغماتية الاقتصادية أكثر قدرة على حماية العلاقة من هشاشة الحسابات السياسية قصيرة المدى. فكل شاحنة جزائرية تدخل السوق المالية، وكل عقد لشركة جزائرية، وكل مشروع طاقة أو طريق أو خدمة تربط البلدين، يبني طرفًا اقتصاديًا لديه مصلحة مباشرة في استقرار العلاقة.
وكان عبد الرفيق كشوط قد لخص هذا المنطق في المادة الأصلية حين ربط المصالحة بـ«حتمية الجغرافيا الاقتصادية»، مشيرًا إلى أن الورقة الأمنية لا يمكن فصلها عن المساعدات اللوجستية والطاقة وشبكات الطرق. وفي الاتجاه نفسه، رأى محمد الصالح جمال أن استئناف العلاقات يفتح المجال أمام إعادة تفعيل التشاور والتنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، وهي أرضية ضرورية لأي نشاط اقتصادي عابر للحدود.
ويصب ذلك في مقاربة أوسع تتبناها الجزائر تجاه الساحل، تقوم على أن التنمية والأمن ليسا مسارين منفصلين. فالاستثمار يحتاج إلى الاستقرار، لكن الاستقرار نفسه يصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما ينشأ اقتصاد حدودي قانوني ومصالح مشتركة وفرص عمل.

الجزائر تحول عمقها الأمني إلى عمق اقتصادي

الرهان الجزائري في هذه المرحلة أكبر من إعادة العلاقات مع مالي إلى ما كانت عليه قبل أفريل 2025. فإعادة فتح الأجواء وعودة السفراء تعيدان الوضع إلى نقطة الصفر فقط، بينما القيمة الحقيقية ستكون في استخدام المرحلة الجديدة لتغيير بنية العلاقة.
فالجزائر تمتلك اليوم قاعدة إنتاج أوسع، وشركات طاقة وإنشاءات واتصالات، وقدرات متنامية في الحديد والإسمنت والأدوية والصناعات الغذائية، بالتزامن مع توجه رسمي نحو رفع الصادرات خارج المحروقات والوصول إلى الأسواق الإفريقية.
ومالي، في المقابل، تمثل اقتصادًا يتجاوز 26 مليون نسمة، يتوقع له نمو يفوق 5% في 2026، ويحتاج إلى طاقة وبنية تحتية وتموين وخدمات واستثمارات.
هذه المعادلة تمنح الطرفين مساحة مصالح أكبر بكثير من حجم المبادلات الحالية، وتضع الزيارة التي دُعي إليها رئيس الحكومة المالية أمام اختبار اقتصادي واضح: هل تتحول المصالحة إلى عقود وتجارة واستثمار وربط حدودي؟
إذا حدث ذلك، ستكون الجزائر قد انتقلت في علاقتها مع مالي من منطق إدارة الحدود إلى منطق استثمار الحدود، ومن معالجة المخاطر القادمة من الساحل إلى بناء مصالح داخل الساحل نفسه.
وهذا هو التحول الأكثر أهمية في التحرك الذي يقوده الرئيس عبد المجيد تبون تجاه العمق الإفريقي: ألا تبقى المنطقة الجنوبية حزامًا أمنيًا يحتاج إلى الحراسة، بل تتحول تدريجيًا إلى امتداد للأسواق الجزائرية ومشاريع الطاقة والنقل والخدمات.
وبذلك، فإن الاتصال بين سيفي غريب وعبد الله مايغا في 9 أوت 2026 ليس الحلقة الأخيرة في إنهاء القطيعة، بل يمكن أن يكون الحلقة الأولى في بناء علاقة اقتصادية مختلفة. فبعد فتح الأجواء وعودة السفراء، تنتقل الكرة الآن إلى الاقتصاد، حيث ستقاس قيمة المصالحة بما يمر عبر الحدود من سلع واستثمارات ومشاريع، لا بعدد البيانات الدبلوماسية الصادرة من العاصمتين.
وإذا جاءت زيارة مايغا إلى الجزائر محملة بأجندة اقتصادية قابلة للتنفيذ، فإن باماكو يمكن أن تنتقل سريعًا من ملف كان يستنزف الدبلوماسية الجزائرية إلى بوابة تدعم استراتيجية الجزائر للتوسع في غرب إفريقيا، بينما تحصل مالي في المقابل على شريك حدودي يمتلك الطاقة والإنتاج والخبرة والمنفذ المتوسطي.
عندها فقط تصبح البراغماتية الميدانية التي أنهت القطيعة براغماتية اقتصادية تنتج قيمة للطرفين، وتتحول الحدود الجزائرية–المالية البالغ طولها 1376 كلم من خط للفصل بين اقتصادين إلى مساحة يمكن أن تربط الجزائر بأحد أهم محاورها المستقبلية نحو أسواق الساحل وغرب إفريقيا.

#الجزائر#مالي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

متفوقة على الولايات المتحدة.. الجزائر تتربع على عرش موردي الغاز إلى إسبانيا

متفوقة على الولايات المتحدة.. الجزائر تتربع على عرش موردي الغاز إلى إسبانيا

بوابة الجزائر الإخبارية : حافظت الجزائر على موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي إلى إسبانيا خلال شهر يوليو، بعدما رفعت إمداداتها بنسبة 4.8% على أساس سنوي، لتعزز بذلك صدارتها منذ بداية العام، بحصة بلغت 34.8% من إجمالي واردات الغاز الإسبانية، متقدمة على الولايات المتحدة التي تواصل تراجعها.

وفقا لأحدث بيانات شركة الغاز الإسبانية «إيناغاس»،الصادرة الإثنين، فإن الطلب المحلي على الغاز في إسبانيا ارتفع بدوره بنسبة 8.4%، مدفوعاً بزيادة الاستهلاك في قطاع توليد الكهرباء، دون أن يؤثر ذلك على مستويات مخزونات الغاز الجوفية، التي بلغت 72.5% من طاقتها الاستيعابية في إسبانيا، مقابل متوسط قدره 58.8% في أوروبا.

الجزائر تزود إسبانيا بـ41.7% من وارداتها خلال يوليو

خلال شهر يوليو، جاءت الجزائر في صدارة موردي الغاز إلى إسبانيا، إذ بلغت حصتها 41.7% من إجمالي الغاز الذي استقبلته البلاد، بإمدادات وصلت إلى 10,228 غيغاواط/ساعة عبر خطوط الأنابيب، إضافة إلى 479 غيغاواط/ساعة من الغاز الطبيعي المسال (GNL)، تم نقلها بواسطة ناقلات الغاز.

وحلت نيجيريا في المرتبة الثانية بحصة بلغت 15.4% من إجمالي الواردات، بعدما رفعت إمداداتها إلى إسبانيا بنحو 31.4%.

وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة التالية، بإمدادات بلغت 2,973 غيغاواط/ساعة، مسجلة تراجعاً حاداً بنسبة 59%، وهو ما يمثل 11.6% من إجمالي الغاز الذي وصل إلى إسبانيا خلال الشهر.

متفوقة على الولايات المتحدة.. الجزائر تتربع على عرش موردي الغاز إلى إسبانيا

أما روسيا، فجاءت رابعة بإمدادات بلغت 2,088 غيغاواط/ساعة، بانخفاض قدره 2.9%، بما يعادل 8.1% من إجمالي الواردات.

الجزائر توسّع الفارق مع الولايات المتحدة

وعلى مستوى الأشهر السبعة الأولى من العام، واصلت الجزائر تصدر قائمة موردي الغاز إلى إسبانيا، بإجمالي إمدادات بلغ 74,936 غيغاواط/ساعة، بزيادة قدرها 4.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يمثل 34.8% من إجمالي الغاز المستورد.

متفوقة على الولايات المتحدة.. الجزائر تتربع على عرش موردي الغاز إلى إسبانيا

وبذلك، وسّعت الجزائر الفارق مع الولايات المتحدة، التي تراجعت إمداداتها بنحو 12% إلى 58,763 غيغاواط/ساعة، لتبلغ حصتها 27.3% من إجمالي الواردات الإسبانية.

وحلت روسيا في المرتبة الثالثة، بعدما رفعت إمداداتها بنسبة 39% إلى 39,443 غيغاواط/ساعة، أي ما يعادل 18.3% من إجمالي الغاز الذي استوردته إسبانيا منذ بداية العام.

#الجزائر،إسبانيا،الغاز
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إفريقيا
شارك المقال

مالي تعود إلى ديناميكية الجزائر.. الاقتصاد يعيد رسم موازين الساحل بعد عام من القطيعة

مالي تعود إلى ديناميكية الجزائر.. الاقتصاد يعيد رسم موازين الساحل بعد عام من القطيعة

بوابة الجزائر الإخبارية: تتحرك الجزائر لاستعادة العمق الساحلي من بوابة مختلفة هذه المرة. فبعد مرحلة طغت فيها الملفات الأمنية والخلافات السياسية على العلاقة مع عدد من عواصم المنطقة، تتقدم اليوم مقاربة تقوم على تحويل الجوار الجغرافي إلى شبكة مصالح اقتصادية مترابطة، تمتد من الطاقة والكهرباء والطرق إلى التجارة والاستثمار، وتضع الاستقرار باعتباره شرطًا للإنتاج والعبور والوصول إلى أسواق إفريقيا الغربية. وفي هذا السياق تحديدًا تكتسب الدعوة التي وجهها الوزير الأول سيفي غريب إلى نظيره المالي، الجنرال عبد الله مايغا، لزيارة الجزائر معناها الحقيقي: باماكو تعود تدريجيًا إلى دائرة التعاون مع الجزائر بعد شهر واحد فقط من استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح المجال الجوي بين البلدين.

وبحسب بيان مصالح الوزير الأول الوارد في المعطيات المقدمة، أجرى غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اتصالًا هاتفيًا في 9 أوت 2026 مع رئيس الحكومة الانتقالية المالية، جدد خلاله الطرفان التأكيد على روابط الجوار والتضامن بين الشعبين، وعلى الرغبة في إعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية وإعادة تنشيط التعاون في عدة قطاعات، قبل أن يوجه الوزير الأول دعوة رسمية إلى مايغا للقيام بزيارة عمل إلى الجزائر. كما تناول الاتصال قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، مع التأكيد على الطموح إلى جعل الساحل مجالًا للتعاون والتبادل والتنمية المشتركة في بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا.

مالي تعود إلى ديناميكية الجزائر.. الاقتصاد يعيد رسم موازين الساحل بعد عام من القطيعة

ولا يأتي الاتصال بعد فترة عادية في العلاقات الجزائرية–المالية. ففي 10 جويلية 2026، قررت باماكو إعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح مجالها الجوي مجددًا أمام الطائرات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، وفي اليوم نفسه أمر الرئيس عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو، منهياً بذلك مرحلة توتر دبلوماسي استمرت أكثر من عام. وقد قدمت الخارجية الجزائرية القرار باعتباره عودة للعلاقة إلى «مسارها التاريخي الطبيعي» القائم على الاحترام المتبادل وخدمة مصالح الشعبين والمنطقة الساحلية الصحراوية.

وتكتسب سرعة الانتقال من عودة السفراء في 10 جويلية إلى اتصال رئيسي الحكومتين في 9 أوت أهمية خاصة. فالفاصل لا يتجاوز شهرًا تقريبًا، ما يعني أن الطرفين لم يكتفيا بإدارة فك الاشتباك الدبلوماسي، بل شرعا مباشرة في البحث عن مضمون سياسي واقتصادي للمرحلة الجديدة. وهنا تصبح دعوة رئيس الحكومة المالية إلى الجزائر أكثر من مجاملة بروتوكولية؛ فهي تنقل التطبيع من مستوى إعادة القنوات الدبلوماسية إلى مستوى إعداد جدول تعاون يمكن أن يشمل التجارة والطاقة والنقل والخدمات والاستثمار والأمن الحدودي.

الأهم أن هذه الحركة لا تحدث في فراغ إقليمي. فالجزائر عززت خلال الأشهر الأخيرة علاقاتها مع النيجر عبر مشاريع ملموسة، وفتحت مسارات تعاون اقتصادي وطاقوي مع بوركينا فاسو، بينما دفعت علاقتها مع موريتانيا إلى مستوى أكثر كثافة في التجارة والنقل والربط الحدودي. وبذلك تأتي باماكو في لحظة تحاول فيها الجزائر تحويل محيطها الجنوبي من حزام مخاطر إلى حزام مصالح، بحيث تصبح كلفة عدم الاستقرار مرتفعة على جميع الأطراف لأن مشاريع الطاقة والطرق والتجارة والحدود تعتمد بعضها على بعض.

ويقدم النيجر المثال الأوضح على هذه المقاربة الجديدة. ففي جوان 2026، افتتح الوزير الأول سيفي غريب في نيامي محطة كهرباء للتضامن الجزائري–النيجري بطاقة 40 ميغاواط، أنجزتها الجزائر لفائدة النيجر، في خطوة تجاوزت رمزية الدعم السياسي إلى توفير بنية تحتية مباشرة للاقتصاد النيجري. وجاء ذلك بالتوازي مع تكثيف التنسيق حول أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر.

وفي 4 جوان 2026، أطلقت الجزائر رسميًا أشغال المقطع الجزائري من أنبوب الغاز العابر للصحراء في أولف بأدرار، في مشروع يتجاوز طوله 4000 كيلومتر ويربط نيجيريا والنيجر بالجزائر، ما حول فكرة التكامل الساحلي من خطاب دبلوماسي إلى أصل اقتصادي يحتاج إلى استقرار طويل الأمد على امتداد مساره.

وهذا ما يجعل قراءة الخبير موسى بوكريف، الواردة في المادة المصدرية، شديدة الصلة بالتحول الحالي. فالأمن في الساحل، وفق تحليله، أصبح شرطًا مباشرًا لتحقيق الجزائر أهدافها في تنويع الاقتصاد والوصول إلى الأسواق الإفريقية، لأن مشاريع بمستوى أنبوب الغاز العابر للصحراء لا يمكن فصل جدواها عن استقرار المسارات التي تعبرها. ومن هنا تتحول الدبلوماسية الجزائرية تدريجيًا من التعامل مع الأمن باعتباره غاية مستقلة إلى استخدام الاقتصاد نفسه كأداة للاستقرار، بحيث تصبح البنية التحتية والمصالح المشتركة جزءًا من منظومة الوقاية من الأزمات.

وهذه المقاربة تجد ما يدعمها في واقع الساحل نفسه. فالبنك الدولي يصف مالي بأنه بلد غير ساحلي، هش اقتصاديًا وأمنيًا، يعتمد بدرجة مرتفعة على الزراعة والسلع الأولية ويواجه كلفة مرتفعة للواردات، بما فيها الطاقة، بينما تمثل اضطرابات طرق التموين واحدة من القيود الرئيسية على النشاط الاقتصادي. ويتوقع البنك نمو الاقتصاد المالي بنحو 5% في 2026–2027، مدفوعًا جزئيًا بالليثيوم والزراعة والاتصالات، لكن ذلك يظل مرتبطًا بتحسين الطاقة والطرق والربط والأسواق.

وفي هذه النقطة بالذات تملك الجزائر ما يمكن أن تحوله إلى عرض اقتصادي تجاه مالي. فباماكو لا تحتاج فقط إلى علاقة سياسية جيدة مع جارها الشمالي؛ إنها تحتاج إلى منافذ تموين وأسواق وممرات وربط طاقوي وخدمات لوجستية تقلل كلفة عزلتها الجغرافية. والجزائر، من جهتها، تحتاج إلى بوابات فعلية نحو أسواق غرب إفريقيا إذا أرادت تحويل الحديث عن تنويع الصادرات خارج المحروقات إلى تدفقات تجارية دائمة.

ومن هنا تصبح الجغرافيا نفسها أصلًا اقتصاديًا. فالحدود الجزائرية مع مالي لا ينبغي النظر إليها فقط بوصفها منطقة تحتاج إلى الحماية الأمنية، بل أيضًا باعتبارها نقطة اتصال محتملة بين الإنتاج الجزائري والأسواق المالية وما وراءها. وكل تحسن في العلاقات مع باماكو يقلل جزءًا من المخاطر السياسية والتنظيمية التي تعوق تحول هذه الحدود إلى ممر اقتصادي.

الجزائر تنتقل من «أمن الحدود» إلى «اقتصاد الحدود»

هذا التحول لا يلغي الشق الأمني، بل يعيد تعريفه. فسنوات عدم الاستقرار في الساحل أثبتت أن المقاربة العسكرية وحدها لا تنتج اقتصادًا ولا تمنع هشاشة الدول من إعادة إنتاج الأزمات. ولذلك تظهر في سياسة الجزائر الحالية محاولة للجمع بين الاستقرار وبين المصالح المادية: كهرباء للنيجر، أنبوب غاز يربط ثلاث دول، طرق عابرة للصحراء، مناطق تجارية، ربط بالألياف البصرية، وتسهيلات لتدفق السلع والخدمات.

ويأتي هذا في وقت تعمل فيه الجزائر على تحويل الطريق العابر للصحراء نفسه من مشروع نقل إلى ممر اقتصادي. وفي جوان 2026، اختتمت في الجزائر الدورة الـ77 للجنة ربط الطريق العابر للصحراء بتوصيات تستهدف دفع المشروع نحو وظيفة اقتصادية أكبر في حركة التجارة الإقليمية، بمشاركة الجزائر والنيجر ونيجيريا وتشاد ودول أخرى.

أما على الجبهة الغربية، فقد أصبحت موريتانيا نموذجًا آخر لربط الدبلوماسية بالتجارة. ففي أفريل 2026، بحث البلدان اتفاقًا تجاريًا تفضيليًا يشمل 20 منتجًا ذا أولوية، بينما تتقدم أشغال المنطقة الحرة في تندوف لتعزيز المبادلات، وأطلقت من المنطقة نفسها في أفريل عملية تصدير 33 شاحنة محملة بمنتجات جزائرية نحو السوق الموريتانية. ثم ارتفع عدد الاتفاقات الموقعة بين المتعاملين الجزائريين والموريتانيين خلال معرض المنتجات والخدمات الجزائرية في نواكشوط إلى 52 اتفاقًا في ماي.

وبالتالي، فإن العودة إلى باماكو تأتي بينما تختبر الجزائر عمليًا نموذجًا يقوم على ربط الجوار بمصالح اقتصادية يصعب فكها عند كل توتر سياسي. فكل طريق يُفتح، وكل مشروع كهربائي يُنجز، وكل شحنة تعبر الحدود، وكل اتفاق تجاري يُوقع، تجعل العودة إلى القطيعة أكثر كلفة على الأطراف.

وهذا البعد مهم في حالة مالي تحديدًا. فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة عاصمتين بعيدتين يمكن تجميدها لسنوات من دون أثر مباشر، بل علاقة بين دولتين تتقاسمان حدودًا طويلة ومنطقة صحراوية تتداخل فيها التجارة والسكان وحركة الأشخاص ومخاطر الجماعات المسلحة والتهريب. ولهذا فإن استقرار العلاقة الجزائرية–المالية جزء من معادلة الأمن القومي الجزائري بقدر ما هو جزء من سياسة الجزائر الإفريقية.

كما أن باماكو نفسها تدخل هذه المرحلة ضمن إطار إقليمي جديد، بعد تأسيس تحالف دول الساحل ثم كونفدرالية تجمع مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ويشير البنك الدولي إلى أن الدول الثلاث تعمل على إنشاء أدوات مالية وأمنية مشتركة، بينها بنك كونفدرالي للاستثمار والتنمية برأسمال 500 مليار فرنك إفريقي، وهو ما يعكس بحثها عن قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والتمويلي.

بالنسبة إلى الجزائر، يفرض هذا الواقع التعامل مع دول الساحل بوصفها كتلة سياسية جديدة من دون التخلي عن العلاقات الثنائية التي تمنحها مرونة أكبر. وهنا يمكن فهم التحركات المتوازية تجاه النيجر وبوركينا فاسو ثم مالي. فالجزائر لا تحتاج إلى الدخول في منافسة خطابية مع التحالف الجديد بقدر ما تحتاج إلى جعل تعاون أعضائه معها ذا منفعة اقتصادية مباشرة.

وقد ظهرت ملامح هذا النهج مع بوركينا فاسو في فيفري 2026، حين بحث وزيرا المحروقات والطاقة الجزائريان في واغادوغو تطوير التعاون مع الجانب البوركينابي في الطاقة والمناجم، بما يوسع علاقة الجزائر بالساحل إلى قطاعات اقتصادية وتقنية تتجاوز التنسيق السياسي التقليدي.

بهذا المعنى، تصبح دعوة مايغا إلى الجزائر جزءًا من هندسة أوسع، لا حلقة بروتوكولية منفصلة. فإذا انتقل التقارب الجزائري–المالي إلى اتفاقات عملية في التجارة والطاقة والنقل والخدمات، فإن الجزائر تكون قد أعادت إدخال مالي في شبكة مصالح تمتد من موريتانيا غربًا إلى النيجر وتشاد شرقًا، مع امتداد نحو نيجيريا في الجنوب.

لماذا تحتاج مالي إلى الجزائر اقتصاديًا؟

تفسر الجغرافيا جانبًا كبيرًا من الإجابة. مالي دولة حبيسة بلا منفذ بحري، وأي سلعة تستوردها أو تصدرها تعتمد على ممرات تمر عبر دول أخرى. ولهذا فإن كلفة النقل والأمن وإغلاق المحاور البرية تتحول بسرعة إلى كلفة على الغذاء والطاقة والإنتاج والتضخم.

وكان البنك الدولي قد خصص في 2025 نحو 219.8 مليون دولار لتحسين قدرة شبكة الطرق المالية، خصوصًا ممر باماكو–داكار، مؤكدًا الأهمية الاستراتيجية للممرات الخارجية بالنسبة إلى اتصال الاقتصاد المالي بالأسواق.

ومن هنا يمكن للجزائر أن تقدم مسارًا مكملًا، خاصة بالنسبة إلى شمال مالي والمناطق القريبة من الحدود الجزائرية. ولا يعني ذلك أن الجزائر ستعوض الموانئ الأطلسية التي يعتمد عليها مالي، وإنما أن زيادة عدد قنوات التموين تمنح باماكو هامشًا أكبر في إدارة المخاطر، وتمنح المنتجات والخدمات الجزائرية منفذًا إضافيًا إلى سوق إفريقية تحتاج إلى الطاقة والدواء ومواد البناء والمنتجات الغذائية والخدمات التقنية.

وهذه بالضبط النقطة التي ركز عليها بوكريف في تحليله، عندما اعتبر أن التقارب مع الجزائر يمنح مالي «بديلًا استراتيجيًا» في التموين، وفي المقابل يفتح للجزائر الطريق نحو أسواق أخرى في غرب إفريقيا. فالاقتصاد هنا يعمل في اتجاهين: مالي تبحث عن تخفيض هشاشتها اللوجستية، والجزائر تبحث عن عمق تجاري جديد لصادراتها.

لكن القيمة الأكبر للجزائر لا تتوقف عند بيع السلع. فإذا بقيت العلاقة في حدود الصادرات الجزائرية نحو مالي، فستكون مجرد علاقة تجارية محدودة. أما إذا امتدت إلى النقل والخدمات والبنوك والطاقة والاتصالات والاستثمار، فإن باماكو يمكن أن تتحول إلى حلقة داخل ممر اقتصادي جزائري نحو غرب إفريقيا.

وهذا يتوافق مع التوجه الذي بدأ يتبلور في مشاريع الجزائر القارية. فأنبوب الغاز العابر للصحراء ليس مجرد مشروع لبيع الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الجزائر، بل بنية تجعل الجزائر نقطة وصول شمالية لممر طاقوي إفريقي. والطريق العابر للصحراء ليس مجرد طريق بري، بل يمكن أن يصبح منصة لحركة السلع. والمنطقة الحرة في تندوف لا تستهدف السوق الموريتانية وحدها، بل تضع تندوف كمنصة للتصدير نحو غرب إفريقيا، وهو الشعار الذي اختير بالفعل لمعرض المنتجات الجزائرية في أفريل 2026.

وهنا يتضح معنى وصف الجزائر بأنها «Hub» اقتصاديًا وجيوسياسيًا، كما جاء في تحليل بوكريف. فمفهوم المركز الإقليمي لا يصنعه الموقع على الخريطة وحده، بل عدد التدفقات التي تمر عبره: طاقة، سلع، طرق، ألياف بصرية، خدمات، تمويل، استثمارات واتصالات سياسية.

والجزائر تمتلك نقطة البداية في معظم هذه العناصر: سوقًا تتجاوز 47 مليون نسمة، قاعدة صناعية وطاقة، منافذ متوسطية، شبكة غاز مرتبطة بأوروبا، أكبر مساحة في إفريقيا، وحدودًا مع ست دول إفريقية إلى جانب تونس وليبيا. لكن تحويل هذه المزايا إلى نفوذ اقتصادي يتطلب إزالة الاختناقات على الجانب الآخر من الحدود، وهو ما يجعل الاستقرار في مالي والنيجر وبقية الساحل مصلحة اقتصادية جزائرية مباشرة.

وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى أن الاقتصاد الجزائري نفسه يبحث عن منافذ جديدة للصادرات خارج المحروقات. فكل توسع صناعي في الحديد والصلب والإسمنت والدواء والمنتجات الغذائية والكهربائية يحتاج إلى أسواق، بينما تملك دول الساحل فجوات كبيرة في الإنتاج والبنية التحتية. وهنا تصبح المسافة الجغرافية القصيرة نسبيًا ميزة تنافسية إذا توفر النقل والتمويل والإجراءات الحدودية المستقرة.

لكن هذه المعادلة تحتاج أيضًا إلى إدارة دقيقة. فالتطبيع السياسي مع مالي لا يمحو تلقائيًا آثار الخلافات السابقة، كما أن الأمن في شمال مالي يبقى هشًا وتظل الجماعات المسلحة وطرق التهريب وعدم استقرار الممرات عوامل يمكن أن ترفع كلفة أي مشروع تجاري. ويشير البنك الدولي في تقييمه الحديث إلى استمرار المخاطر الأمنية على طرق التموين في مالي وتأثيرها على الاقتصاد والخدمات.

ولهذا فإن التحول من الأمن إلى الاقتصاد لا يعني تخلي الجزائر عن المقاربة الأمنية، بل جعل الاقتصاد جزءًا منها. فالمحطة الكهربائية في النيجر تحتاج إلى أمن، والغاز العابر للصحراء يحتاج إلى أمن، والطريق التجاري يحتاج إلى أمن، لكن وجود هذه المشاريع نفسها يخلق مصالح محلية في حماية الاستقرار، ويمنح العلاقات بين الدول قيمة تتجاوز البيانات السياسية.

وهذا ما يجعل اتصال غريب–مايغا مهمًا في توقيته. فالعلاقة الثنائية خرجت في 10 جويلية من مرحلة تجميد السفراء والمجالات الجوية، وبعد شهر بدأت تتجه نحو زيارة عمل وحوار حول التعاون والتنمية في الساحل. وإذا تحولت الزيارة المرتقبة إلى اتفاقات أو آليات تنفيذ، ستكون الجزائر قد انتقلت في علاقتها مع مالي من إدارة الأزمة إلى بناء ما بعد الأزمة.

والتحول يستحق المتابعة لأن مالي ليست الحلقة نفسها مثل النيجر. فالنيجر مرتبط مباشرة بالجزائر في أنبوب الغاز العابر للصحراء وبمشاريع كهرباء وتعاون طاقوي، بينما يمكن أن يكون وزن مالي أكبر في فتح الممر نحو غرب إفريقيا وتعزيز الاستقرار على الحدود الجنوبية الغربية للجزائر.

كما أن استقرار العلاقة مع باماكو يسحب عامل توتر كان يضغط على استراتيجية الجزائر الساحلية منذ 2024–2025، ويمنحها قدرة أكبر على التركيز على ملفات الاقتصاد والتجارة بدل استهلاك الجهد السياسي في إدارة القطيعة. ومع عودة السفراء وفتح الأجواء، اختفت بالفعل إحدى الكلف المباشرة للأزمة، وهي تعطيل الحركة الجوية والقنوات الدبلوماسية.

وفي الحساب الجيوسياسي، يمنح هذا التحسن الجزائر أيضًا مساحة أكبر للتعامل مع دول تحالف الساحل كل دولة على حدة، من دون الدخول في مواجهة مع الكتلة. فالتعاون المتقدم مع النيجر، والاتصالات الاقتصادية مع بوركينا فاسو، ثم عودة مالي، تعني أن التوتر الذي ظهر في 2025 لم يتحول إلى قطيعة دائمة بين الجزائر ومجمل الساحل.

وهنا ربما تكمن الدلالة الاستراتيجية الأكبر للتطور الجديد. فالجزائر لا تستعيد نفوذها في الساحل بالبيانات، وإنما تحاول إعادة تعريفه من خلال المنفعة الاقتصادية. في النيجر توجد الكهرباء والغاز، ومع موريتانيا توجد الطرق والتجارة والمنطقة الحرة، وفي المشاريع القارية يوجد ممر الغاز والطريق العابر للصحراء، أما مع مالي فتبدأ المرحلة الجديدة بإعادة فتح القناة السياسية تمهيدًا لتحديد ما يمكن وضعه فوقها من مصالح.

وعندما يقول بوكريف إن «هندسة جديدة للنفوذ الإقليمي» تتشكل ويصبح التعاون الاقتصادي إسمنتها الرئيسي، فإن التطورات الميدانية تمنح هذا الوصف أساسًا ملموسًا. فالمشهد لم يعد قائمًا على وساطة الجزائر في الأزمات الأمنية فقط، بل على محاولة جعل الجزائر مركزًا تمر عبره مصالح الجوار نفسه.

وإذا نجحت زيارة رئيس الحكومة المالية المرتقبة في تحويل التطبيع إلى برنامج اقتصادي فعلي، فإن باماكو يمكن أن تصبح قطعة أساسية في هذا البناء. فالدولة الحبيسة تحتاج إلى منافذ وبدائل، والجزائر تحتاج إلى أسواق وعمق إفريقي، بينما يحتاج الطرفان إلى حدود مستقرة لا تُستهلك في التوتر.

ومن هنا، فإن الاتصال بين سيفي غريب وعبد الله مايغا يتجاوز قيمته الدبلوماسية المباشرة. إنه اختبار لمقاربة جزائرية جديدة في الساحل تقوم على معادلة أكثر براغماتية: الاستقرار يحمي التجارة، والتجارة تخلق مصلحة في الاستقرار، والجزائر تحاول أن تكون نقطة الالتقاء بين الاثنين.

وفي حال تحولت هذه المقاربة إلى شبكة مشاريع مترابطة، فإن مكسب الجزائر لن يقاس فقط بعودة علاقاتها مع مالي إلى طبيعتها، وإنما بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي من حدود جنوبية تحتاج إلى الحماية إلى منصة اقتصادية تربط المتوسط بعمق غرب إفريقيا.

وهنا يتجاوز الرهان مالي وحدها. الرهان الحقيقي هو ما إذا كانت الجزائر قادرة، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، على بناء مجال اقتصادي حول حدودها الجنوبية يجعل نيامي وباماكو وواagadougou ونواكشوط أقرب إلى الجزائر بالمصلحة كما هي قريبة منها بالجغرافيا.

وإذا اكتمل هذا المسار، لن يكون الساحل مجرد خاصرة أمنية للجزائر، بل أحد أهم امتداداتها الاقتصادية في إفريقيا.

#الجزائر#مالي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

بوابة الجزائر الإخبارية: مواصلة لالتزامها بدعم “برنامج 7-77 لتعزيز الإدماج والتمكين الرقمي للمواطنين”، الذي أطلقته وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، أعلنت مؤسسة اتصالات الجزائر عن افتتاح دورات تدريبية حضورية مجانية يوم الأحد 09 أوت 2026، بمركز تطوير المهارات لاتصالات الجزائر بولاية سطيف.

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

وحسب بيان للمؤسسة، فإنه وبعد عاصمة الهضاب العليا، سيتم توسيع البرنامج ليشمل باقي المراكز، حيث ستنظم دورات حضورية بعنابة يوم الثلاثاء 11 أوت 2026، ثم بسعيدة يوم الأحد 16 أوت 2026، وسيستفيد ما لا يقل عن 600 مشارك من هذه الدورات التي سينشطها خبراء وأخصائيون مرموقون في مجال التكنولوجيات المتطورة.

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

وتشمل الدورات المقدمة مواضيع متنوعة، من بينها التعرف على الذكاء الاصطناعي واستخداماته، والأمن السيبراني، وحماية البيانات الشخصية، فضلا عن اكتشاف مختلف الأدوات والمهارات الرقمية الحديثة.

ويهدف البرنامج إلى مساعدة مختلف الفئات العمرية، الأطفال والشباب والكبار، على اكتساب المعارف والمهارات الأساسية للتعامل مع البيئة الرقمية، وتعزيز وعيهم بالفرص التي توفرها التقنيات الحديثة، إلى جانب تعريفهم بالمخاطر وطرق الوقاية منها.

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

ومنذ إطلاقه في شهر جويلية 2026، عرف برنامج 7-77 إقبالا واهتماما واسعين من قبل المواطنين، حيث تجاوز عدد المسجلين عبر المنصة الرقمية 150 ألف مسجل، من كافة ولايات الوطن ومن مختلف الفئات العمرية.

ويوفر التعليم الحضوري فرصة أكبر للتفاعل المباشر بين المشاركين والمؤطرين، ويسمح بتطبيق المعارف المكتسبة، بما يجعل عملية التعلم أكثر فاعلية وقربا من احتياجات المواطنين.

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

وإلى جانب الدورات الحضورية، يواصل هذا البرنامج تقديم دورات عبر الإنترنت، بما يسمح بتوسيع نطاق الاستفادة والوصول إلى المواطنين في مختلف مناطق الوطن، حيث بلغ عدد المستفيدين 1166 مشاركا في أربعين دورة نظمت إلى غاية اليوم.

وبدعمها لبرنامج 7-77 للتمكين الرقمي، جددت اتصالات الجزائر التأكيد حرصها على الإسهام في تعميم التكنولوجيات الحديثة لدى المواطنين. ويأتي التوسع التدريجي للبرنامج عبر مراكز المهارات لاتصالات الجزائر كخطوة مهمة لتسهيل اكتساب المهارات الرقمية، وفتح المجال أمام الجمهور للتعرف على مهن وتكنولوجيات المستقبل

برنامج “‘7-77” لتطوير المهارات الرقمية.. اتصالات الجزائر تطلق دورات مجانية في 3 ولايات!

#اتصالات الجزائر#الذكاء الاصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

مادة نفطية جزائرية تتصدر واردات أوروبا .. شحنات قياسية في 14 شهرا

مادة نفطية جزائرية تتصدر واردات أوروبا .. شحنات قياسية في 14 شهرا

بوابة الجزائر الاخبارية : سجلت واردات أوروبا من النافثا ” مادة نفطية ” قفزة ملحوظة خلال جويلية 2026، مدفوعة بارتفاع الإمدادات الجزائرية، في وقت أسهمت فيه التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط واضطرابات حركة الملاحة البحرية في إعادة توجيه جزء من تدفقات التجارة نحو القارة الأوروبية.

مادة نفطية جزائرية تتصدر واردات أوروبا .. شحنات قياسية في 14 شهرا

وارتفعت واردات أوروبا الإجمالية من النافثا بنسبة 39.2% على أساس شهري خلال جويلية ، بزيادة بلغت نحو 490 ألف طن مقارنة بمستويات جوان، وفق بيانات تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

وتصدرت الجزائر قائمة موردي النافثا إلى أوروبا خلال الشهر الماضي، بعدما قفزت شحناتها إلى أعلى مستوى لها في نحو 14 شهرًا، في حين ضمت قائمة كبار الموردين عددًا من دول البحر المتوسط، إلى جانب الولايات المتحدة.

الجزائر تتصدر قائمة الموردين

بلغ إجمالي واردات أوروبا من النافثا نحو 1.74 مليون طن في جويلية 2026، مقابل قرابة 1.25 مليون طن خلال جوان.

مادة نفطية جزائرية تتصدر واردات أوروبا .. شحنات قياسية في 14 شهرا

واستحوذت الجزائر على صدارة قائمة الموردين، بإجمالي شحنات بلغ نحو 397 ألفا و400 طن، وهو أعلى مستوى شهري للصادرات الجزائرية إلى أوروبا منذ ماي 2025، بحسب بيانات نقلتها “أرغوس ميديا” المتخصصة في شؤون الطاقة عن شركة “فورتيكسا”.

ويعكس هذا الصعود تحولا لافتا في مسارات تجارة النافثا الجزائرية، في ظل التغيرات التي طرأت على حركة الشحن البحري نتيجة التصعيد العسكري والجيوسياسي في الشرق الأوسط.

التوترات الجيوسياسية تعيد توجيه الشحنات

أدت تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالملاحة في المنطقة، ولا سيما في البحر الأحمر، ما دفع عددا من موردي النافثا إلى إعادة النظر في مسارات شحناتهم والأسواق المستهدفة.

وفي هذا السياق، عمدت الجزائر إلى تجنب مرور شحنات النافثا المتجهة إلى آسيا عبر مضيق باب المندب، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية واضطرابات الملاحة البحرية.

ولم تمر أي شحنات من النافثا الجزائرية إلى آسيا عبر المضيق خلال جويلية ، مقارنة بنحو 132 ألف طن خلال جوان .

مادة نفطية جزائرية تتصدر واردات أوروبا .. شحنات قياسية في 14 شهرا

ورغم ذلك، ارتفعت صادرات النافثا الجزائرية إلى الأسواق الآسيوية إجمالا من نحو 292 ألف طن في جوان إلى 441 ألف طن في جويلية ، مع اعتماد مسار أطول عبر رأس الرجاء الصالح لتفادي مخاطر البحر الأحمر.

وتكشف هذه التطورات عن إعادة توزيع لافتة في خريطة صادرات النافثا الجزائرية، إذ أسهم ارتفاع تكاليف ومخاطر الشحن عبر المسارات التقليدية في دفع بعض الموردين إلى توجيه حصة أكبر من الإمدادات نحو أوروبا، باعتبارها سوقا أقرب وأكثر ملاءمة من الناحية اللوجستية.

مادة نفطية جزائرية تتصدر واردات أوروبا .. شحنات قياسية في 14 شهرا

من ينافس الجزائر في سوق النافثا الأوروبية؟

لم تنفرد الجزائر بتزويد السوق الأوروبية بالنافثا خلال جويلية ، إذ جاءت عدة أسواق متوسطية وأخرى دولية ضمن قائمة كبار الموردين.

وبحسب البيانات المتاحة، جاءت أبرز الدول الموردة على النحو الآتي:

  • الجزائر: 397.4 ألف طن.
  • إيطاليا: 264.7 ألف طن.
  • إسبانيا: 212.3 ألف طن.
  • الولايات المتحدة: 160.8 ألف طن.

وسجلت شحنات النافثا الأميركية إلى أوروبا أعلى مستوياتها في 11 شهرًا، منذ أوت 2025، في مؤشر إضافي على تنامي تدفقات الإمدادات إلى القارة الأوروبية خلال الشهر الماضي.

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

السكة الحديدية العابرة للصحراء مشروع خط الجزائر -تمنراست العد التنازلي…معركة 2000 كم تنطلق !

السكة الحديدية العابرة للصحراء مشروع خط الجزائر -تمنراست العد التنازلي…معركة 2000 كم تنطلق !

بوابة الجزائر الإخبارية: دخل مشروع خط السكة الحديدية العابر للصحراء الرابط بين الجزائر وتمنراست مرحلة جديدة من التجسيد، عقب صدور مرسوم تنفيذي يتضمن التصريح بالمنفعة العمومية لإنجاز مقطعي المنيعة ـ إن صالح وإن صالح ـ تمنراست، على مسافة إجمالية قدرها 1086 كلم.

https://twitter.com/i/status/2086184138969665740

وحسب المرسوم المنشور في العدد 57 من الجريدة الرسمية، فقد حُددت مساحة الأراضي المعنية بالتصريح بالمنفعة العمومية بـ6055 هكتارًا و63 آرًا و25 سنتيارًا، موزعة على بلديات حاسي القارة، إن صالح، إن أمقل، أباليسا وتمنراست.

ويمتد مقطع المنيعة ـ إن صالح على 410 كلم، ويتضمن إنجاز 7 أنفاق و13 جسرًا و10 منشآت للسكة الحديدية و28 منشأة للطرقات و420 منشأة هيدروليكية، إلى جانب محطة مختلطة و11 محطة للتقاطع.

أما مقطع إن صالح ـ تمنراست فيمتد على 676 كلم، ويشمل إنجاز 26 جسرًا و23 منشأة للسكة الحديدية و23 منشأة للطرقات و285 منشأة هيدروليكية، إضافة إلى 7 محطات و12 محطة للتقاطع.

وسيُجهز المقطعان بنظام الإشارة ERTMS-ETCS من المستوى الأول ونظام الاتصالات GSM-R على دعامة من الألياف البصرية، مع سرعة قصوى تصل إلى 220 كلم/ساعة لقطارات المسافرين و100 كلم/ساعة لقطارات البضائع.

ويأتي ذلك في إطار مشروع الرواق السككي العابر للصحراء الذي سيربط الجزائر العاصمة بتمنراست على مسافة تقارب 2000 كلم عبر 9 ولايات.

وبالتوازي، دخل مقطع بوغزول ـ الجلفة ـ الأغواط، الممتد على 250 كلم، حيز الإستغلال عبر 5 محطات، فيما تتواصل الأشغال على مقطع قصر البخاري ـ بوغزول، ويرتقب الشروع في إنجاز مقطع الأغواط ـ غرداية ـ المنيعة على مسافة تقارب 500 كلم خلال شهر سبتمبر المقبل.

ويُرتقب أن يشكل المشروع محورًا استراتيجيًا لتعزيز الربط بين شمال الجزائر وجنوبها، ودعم نقل الأشخاص والبضائع، وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستثمار في المناطق الجنوبية.

#الجزائر#السكة الحديدية
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي