عمار بلاني يفضح حنينًا استعماريًا يعيد بعث مشروع فصل الجزائر العاصمة ووهران.. وينبّه إلى انتقال الخطاب من تمزيق الجزائر بالأمس إلى وصم الفرنسيين من أصول جزائرية اليوم
بوابة الجزائر الاخبارية: لم يعد كزافييه دريانكور يكتفي بمهاجمة الجزائر أو تقديم نفسه في الإعلام الفرنسي بوصفه «خبيرًا» في تفكيك علاقاتها مع باريس، بل بلغ به الحنين الاستعماري حد استعادة مشروع قديم لتقطيع البلاد بعد استقلالها، والندم الضمني على عدم احتفاظ فرنسا بجيبين استعماريين في الجزائر العاصمة ووهران، تفصل أحدهما خطوط عرقية وسياسية على نموذج برلين والقدس.
والمفارقة أن السفير الفرنسي السابق في الجزائر اختار منصة مغربية لإحياء هذا المشروع. ففي مقال نشره موقع «لو360» المغربي يوم 25 أغسطس 2026، عاد دريانكور إلى اقتراح تقدم به السياسي الفرنسي آلان بيرفيت إلى الجنرال شارل ديغول خلال مفاوضات إنهاء الاستعمار، يقوم على ترك معظم التراب الجزائري لجبهة التحرير الوطني، مع اقتطاع الجزائر العاصمة ووهران وتحويلهما إلى جيبين فرنسيين محصنين، والمحافظة على منفذ إلى الصحراء.
لم يقدم دريانكور المشروع بوصفه شاهدًا على عنف العقل الاستعماري أو دليلًا على محاولات فرنسا منع الجزائر من استعادة وحدتها الترابية، بل صاغ مقالته حول سؤال يحمل قدرًا واضحًا من التحسر: كيف كان سيبدو التاريخ لو قبل ديغول خطة بيرفيت؟ ثم ختم بنقل مقولة تزعم وجود «جيوب جزائرية في مرسيليا»، لينتقل بسلاسة من استحضار تقسيم الجزائر المستعمَرة إلى تصوير الفرنسيين من أصول جزائرية كأنهم امتداد أجنبي داخل فرنسا.
هنا لا يعود الأمر قراءة تاريخية بريئة، بل خطابًا متكامل الحلقات: تقسيم استعماري كان ينبغي، وفق الإيحاء، ألا يُهمل في الماضي، ووجود جزائري ينبغي تقديمه اليوم بوصفه خطرًا ديمغرافيًا وهوياتيًا. وبين الفكرتين، يتخفى التحريض خلف قناع التحليل، ويختبئ الكاتب وراء عبارة «يقول البعض» كي يمرر ما يريد قوله من دون أن يتحمل مسؤوليته مباشرة.
بلاني: يعري منفذ يعاود الكرّة
ردّ الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني بلهجة حادة، معتبرًا أن دريانكور «يعاود الكرّة» بوصفه منفذًا يستجيب لطلبات مشغّله المغربي، موقع «لو360»، ويستحضر حلقة غير مشرّفة من تاريخ إنهاء استعمار الجزائر يبدو، بحسبه، أنه لم يهضم نتيجتها بعد.
وفي مساهمة خص بها القضية، وصف بلاني مقالة دريانكور بأنها هزيلة ورديئة الصياغة، معتبرًا أن صاحبها يظهر أسفه لأن ديغول لم يأخذ بمقترح بيرفيت القائم على تقسيم الجزائر إلى جيبين فرنسيين محصنين في الجزائر العاصمة ووهران، مع ترك بقية البلاد لأصحابها الأصليين بعد عزلهم عن أهم مدينتين ومراكز القرار والموانئ.
ولا يستخدم بلاني تعبير «المنفذ» اعتباطًا؛ إذ يضع عودة دريانكور إلى الكتابة في منصة مغربية ضمن مسار متكرر تحولت فيه الجزائر إلى مادة استثمار إعلامي بين سفير فرنسي سابق يحمل مرارة تجربته، ووسيلة مغربية تبحث عن كل صوت يمكن تسخيره في الصراع السياسي مع الجزائر.
فالمقال لا يقدم للمغرب معلومة عملية بشأن سبتة ومليلية، ولا يفسر أزمته مع إسبانيا، بل يستدعي تاريخ الجزائر ليقترح مقارنة تعفي الاحتلال الإسباني من سياقه، وتحوّل فشل المشروع الاستعماري الفرنسي إلى مادة للتسلية السياسية في منصة مغربية.
وبذلك، لا يظهر دريانكور محللًا لعلاقة إسبانيا بالمغرب، وإنما رجلًا لا يستطيع مقاربة أي نزاع أو أزمة من دون العودة إلى الجزائر. حتى سبتة، الواقعة تحت السيطرة الإسبانية والموجودة في قلب خلاف مغربي إسباني، قادته إلى فتح خرائط الجزائر العاصمة ووهران والصحراء.
مخطط لم يكن بريئًا
يكشف المشروع الذي أعاد دريانكور تقديمه مقدار العنف الكامن في التصورات الاستعمارية المتأخرة. فقد اقترح بيرفيت تجميع الأوروبيين وبعض الجزائريين المرتبطين بفرنسا داخل منطقتين حول الجزائر العاصمة ووهران، ونقل من يريدون العيش داخل الدولة الجزائرية إلى بقية التراب، مع احتفاظ فرنسا بمنفذ إلى الصحراء وتقسيم العاصمة بخط فاصل.
لم يكن ذلك حلًا لحماية السكان كما حاول أصحابه تسويقه، بل مشروع هندسة ديمغرافية واقتلاع جماعي، يُصنف الناس وفق أصلهم وولائهم السياسي، ثم يعيد توزيعهم على الأرض بالقوة. كما كان سيحرم الجزائر المستقلة من عاصمتها وأحد أكبر موانئها ومدنها، ويبقي فرنسا متمركزة داخل جسد الدولة الجديدة وقادرة على خنقها أمنيًا واقتصاديًا.
والأشد دلالة أن ديغول نفسه أدرك استحالة المشروع وخطورته، وفق الرواية التي نقلها دريانكور. فقد حذر من أن النتيجة لن تكون تعايشًا سلميًا، بل جوارًا عدائيًا تحكمه القوى الأكثر تطرفًا، وتتم فيه عملية الفصل بالألم. ومع ذلك، لم يتوقف دريانكور عند رفض ديغول ليستخلص أن التقسيم كان وصفة لحرب مفتوحة، بل جعل سؤال مقالته يدور حول التاريخ الذي كان يمكن أن ينتجه لو نُفذ.
وإذا كان ديغول، الذي قاد الدولة الاستعمارية الفرنسية خلال سنواتها الأخيرة في الجزائر، قد رأى في الخطة مشروعًا غير قابل للحياة، فما الذي يدفع سفيرًا سابقًا بعد أكثر من ستة عقود إلى إخراجها من الأرشيف وتقديمها في منصة مغربية، بالتزامن مع أزمة سبتة؟
الإجابة لا توجد في القيمة التاريخية للنص، بل في وظيفته السياسية: استفزاز الجزائر، وإعادة شرعنة الخيال الاستعماري، وفتح الباب أمام التعامل مع وحدة أراضي الدول المستعمَرة كما لو كانت مجرد فرضية قابلة لإعادة النقاش.
من سفير إلى ناشط في معسكر التطرف
لا يمكن فصل مقال دريانكور عن المسار السياسي الذي اتخذه بعد مغادرة السلك الدبلوماسي. فمنذ تقاعده، لم يعد يتحدث بلسان موظف سابق يشرح تعقيدات العلاقات الدولية، وإنما اقترب تدريجيًا من دوائر اليمين واليمين المتطرف في فرنسا، وأصبح أحد أبرز مروجي الخطاب المتشدد تجاه الجزائر والهجرة.
وذكر عمار بلاني أن دريانكور يشغل منذ 2023 مقعدًا في اللجنة الاستراتيجية لوسيلة «فرونتيير» المصنفة ضمن الإعلام اليميني المتطرف، كما يقدم منذ 2024 مشورته إلى قيادات «التجمع الوطني» في السياسة الدولية، ويسهم في تكوين أطره داخل «كامبوس هيميرا» المرتبط بجوردان بارديلا.
ويقدم «كامبوس هيميرا» نفسه رسميًا بوصفه فضاءً فكريًا وتكوينيًا تابعًا لـ«التجمع الوطني»، هدفه خوض «المعركة الثقافية» وإنتاج نخبة سياسية جديدة، ويظهر اسم دريانكور ضمن المساهمين في محتواه.
كما وصف تحقيق نشرته صحيفة «لوموند» دريانكور بأنه تحول إلى «مؤثر» سياسي تستلهم منه أوساط اليمين الفرنسي خطها المتشدد تجاه الجزائر. وأشار إلى اتصالاته مع مارين لوبان وجوردان بارديلا، وإلى أن أفكاره بشأن الهجرة واتفاق 1968 والعلاقات الثنائية أصبحت تغذي خطاب تيارات تسعى إلى جعل الجزائر خصمًا دائمًا في السياسة الفرنسية.
ومن ثم، لا يمكن عزل استحضار تقسيم الجزائر عن البيئة السياسية التي يتحرك داخلها صاحبه. فالرجل الذي يشارك في تكوين أطر حزب قومي متطرف، ويحذر من «الذوبان الثقافي» بسبب الهجرة، ثم يكتب عن جيوب استعمارية فرنسية داخل الجزائر و«جيوب جزائرية» داخل مرسيليا، لا ينتج مصادفات لغوية متفرقة، بل يعيد تدوير تصور واحد عن الأرض والهوية والسكان.
مرسيليا تفضح المقصد
تكثف الجملة الأخيرة في مقال دريانكور المعنى السياسي للنص كله. فقد كتب أن «ألسنة سيئة» تقول إن هناك، بالعكس، جيوبًا جزائرية في مرسيليا سنة 2026. والجملة مصممة بعناية لتؤدي وظيفة مزدوجة: تمرير الاتهام، ثم الاحتماء بنسبة قوله إلى مجهولين.
فدريانكور لا يصرح مباشرة بأن الفرنسيين من أصل جزائري يشكلون «احتلالًا» لمرسيليا، لكنه يضع الفكرة أمام القارئ بعد صفحات عن الجيوب الاستعمارية وتقسيم المدن وخطوط الفصل، ثم يدعي أنه ينقل ما يقوله آخرون. وبذلك يُزرع التشبيه من دون إعلان تبنيه: فرنسا كانت ستقيم جيوبًا في الجزائر، والجزائريون أقاموا اليوم، وفق الإيحاء، جيوبًا داخل فرنسا.
ويرى بلاني أن هذا الأسلوب يمنح مصداقية زائفة لوهم «الاستبدال الكبير»، لأنه يصور مواطنين فرنسيين على أساس أصولهم باعتبارهم جسمًا غريبًا أو امتدادًا لدولة أجنبية داخل التراب الفرنسي.
وهذا ليس تحليلًا جيوسياسيًا، لأن الجغرافيا السياسية تتناول الدول والحدود والقوى والمؤسسات، ولا تحول مواطنين إلى جيوب أجنبية بسبب أسمائهم أو أصول آبائهم. إنه وصم عرقي يرتدي بدلة دبلوماسية ويحاول استعارة وقار الوظيفة السابقة لصاحبه.
كما يفضح التشبيه تناقضًا جوهريًا: دريانكور يتعامل مع المستوطنين الفرنسيين في الجزائر بوصفهم أصحاب حق في اقتطاع الأرض وإقامة دولة داخل الدولة، بينما يتعامل مع الفرنسيين من أصل جزائري في مرسيليا بوصفهم حضورًا مشبوهًا. الاستيطان الفرنسي، في منطقه، يستحق حدودًا وجيشًا ومدنًا؛ أما الوجود الجزائري الناتج في جانب منه عن تاريخ الاستعمار نفسه، فيُقدم تهديدًا لهوية فرنسا.
إنها معادلة استعمارية صريحة: الفرنسي يستطيع أن يكون صاحب أرض داخل الجزائر، بينما يظل الجزائري غريبًا حتى عندما يصبح مواطنًا فرنسيًا داخل فرنسا.
منصة مغربية لخيال استعماري فرنسي
يزداد المقال انكشافًا بسبب مكان نشره. فموقع «لو360» لم يستضف دريانكور للمرة الأولى، بل منحه مساحة متكررة لمهاجمة الجزائر، وقدم له في 2024 مقابلة مطولة عن تجربته الدبلوماسية ومؤسسات الدولة الجزائرية، ثم احتفى في يوليو 2026 بكتابه الجديد الذي أقام فيه محاكمة سياسية وتاريخية للجزائر.
وتلتقي مصلحة الطرفين عند هدف واحد. دريانكور يحصل على منصة إقليمية تسمح له بمواصلة حربه الشخصية على بلد شغل فيه منصب السفير مرتين، والإعلام المغربي يحصل على صوت فرنسي سابق يمكن تقديمه بوصفه شاهدًا من داخل الدبلوماسية الفرنسية.
غير أن هذا التحالف الدعائي ينتج مفارقة شديدة الإحراج للمغرب نفسه. فالمنصة التي تطالب بإنهاء الوجود الإسباني في سبتة ومليلية تنشر مقالًا يستعيد، بقدر من الحنين، مشروعًا فرنسيًا للاحتفاظ بالجزائر العاصمة ووهران بعد استقلال الجزائر.
فإذا كانت الجيوب الاستعمارية مرفوضة من حيث المبدأ، وجب رفض مشروع بيرفيت وإدانة استحضاره بوصفه احتمالًا ضائعًا. أما توظيف سبتة لإحياء خريطة تقسم الجزائر، فيكشف أن المعيار ليس مقاومة الاستعمار، بل استخدام كل مادة ممكنة لاستهداف الجزائر، حتى لو جاءت من أرشيف الاستيطان الفرنسي.
وهنا يصبح «لو360» شريكًا في إعادة تدوير المخيال الاستعماري ضد بلد إفريقي تحرر بتضحيات هائلة، بينما يفترض أن المغرب نفسه يعرف معنى الاحتلال وتقسيم الأرض. إنها انتقائية تسقط الخطاب المناهض للاستعمار عند أول فرصة لتصفية الحساب مع الجزائر.
الجزائر انتصرت وانتهى المشروع
مهما استعاد دريانكور من خرائط، فإن الحقيقة التي تؤلمه لا تتغير: الجزائر انتزعت استقلالها موحدة، واستعادت الجزائر العاصمة ووهران والصحراء، وأسقطت المشروع الذي أراد تحويل التحرر إلى استقلال ناقص محاصر بجيوب عسكرية فرنسية.
لقد فشل التقسيم لأن الثورة الجزائرية لم تفاوض على علم فوق جزء من الأرض، بل على استعادة السيادة كاملة. كما فشل لأن الشعب الجزائري لم يقبل بأن تتحول المدن والموانئ والصحراء إلى ثمن تدفعه فرنسا مقابل اعترافها باستقلال كان الجزائريون قد فرضوه أصلًا في الميدان.
ولهذا يحمل استحضار الخطة بعد 64 عامًا معنى الهزيمة أكثر مما يحمل معنى البديل التاريخي. فمن يعود إلى الخرائط التي رفضها ديغول لا يقدم حلًا، بل يفتش داخل الأرشيف عن انتصار لم يقع. ومن يسأل كيف كان سيبدو التاريخ لو احتفظت فرنسا بالجزائر العاصمة ووهران، يكشف أنه لم يتصالح بعد مع التاريخ الذي وقع فعلًا.
وقد اختصر عمار بلاني هذا المسار حين اعتبر أن تاريخ دريانكور يدور بصورة بائسة حول الجزائر، مع رعاة جدد يحملون كراهية ثابتة لها. فالرجل غادر السفارة، لكنه لم يغادر معركته الشخصية؛ وتغيرت صفته من ممثل لدولة إلى مرشد لأقصى اليمين، بينما بقيت الجزائر محور خطابه وسبب حضوره الإعلامي.
إن خطورة دريانكور لا تكمن في قدرته على إعادة تقسيم الجزائر؛ فهذا فصل أغلقه الشعب الجزائري نهائيًا. إنما تكمن في محاولته تحويل اللغة الاستعمارية إلى مادة مقبولة في النقاش السياسي الفرنسي، وربطها بخطاب يطعن في انتماء ملايين الفرنسيين من أصول جزائرية.
يبدأ بالتحسر على جيبين فرنسيين ضائعين في الجزائر، وينتهي بالإيحاء بوجود جيوب جزائرية داخل مرسيليا. وبين البداية والنهاية، يسقط قناع الدبلوماسي ليظهر خطاب واحد: حنين إلى أرض لم تعد مستعمرة، وعداء إلى بشر لم يعودوا مستعمَرين.
أما الجزائر التي يبحث دريانكور عن تقسيمها في كتب بيرفيت، فقد حسمت المسألة منذ 1962. بقيت موحدة، واستعادت صحراءها ومدنها وسيادتها، بينما بقي أنصار «الجزائر الفرنسية» يحملون خرائطهم القديمة من منبر إلى آخر، على أمل أن يمنحهم الحبر ما عجز الاستعمار عن الاحتفاظ به بالقوة.









