بوابة الجزائر الإخبارية :يشكل قرار مصادقة مجلس الأمة الجزائري على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر تحولًا استراتيجيًا في العقيدة الأمنية للجزائر، كونه يمثل أول تفعيل عملي للآلية الدستورية التي تتيح انتشاراً عسكرياً خارج الحدود بعد موافقة البرلمان، استجابةً للتهديدات المتنامية في منطقة الساحل وحمايةً للمصالح الاستراتيجية المشتركة.
ما هي المادة الدستورية المؤطرة لهذا القرار؟
وفي هذا السياق، يصرح ميخائيل ماهر، خبير القانون الدولي بواشنطن، لبوابة الجزائر، متطرقاً إلى الأبعاد الدستورية والتشريعية البالغة الأهمية التي يحملها قرار مصادقة مجلس الأمة الجزائري على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، بأن هذه الخطوة الرائدة تستند في متاتها وأساسها القانوني المحكم إلى الفقرة الثانية من المادة 91 من الدستور الجزائري. ويوضح ميخائيل ماهر أن طبيعة هذه الصلاحية السيادية والاستراتيجية تمنح رئيس الجمهورية حصرياً، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن الدفاع الوطني، سلطة اتخاذ القرار الدقيق بخصوص إرسال وتوجيه وحدات عسكرية إلى خارج الوطن للتعامل مع التحديات الأمنية الإقليمية الطارئة.
ويشير الخبير الدولي ميخائيل ماهر في معرض حديثه لبوابة الجزائر إلى أن هذا التحرك لا يدخل في باب القرارات الفردية أو الانفرادية، بل يخضع لضوابط مؤسساتية صارمة، حيث يتمثل الشرط الدستوري والمؤسساتي الحاسم لصحة هذا القرار ونفاذه القانوني في ضرورة حصوله على مصادقة البرلمان بغرفتيه بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة، وهما مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني، وذلك لإضفاء أقصى درجات الرقابة البرلمانية والشفافية والشرعية الدستورية على التحركات العسكرية الخارجية للبلاد. ويؤكد ميخائيل ماهر أن إخضاع القرار لهذه الأغلبية المشددة يعكس حرص المشرع الجزائري على إحاطة قرارات السلم والحرب والانتشار العسكري الخارجي بإجماع وطني ومؤسساتي يعزز من قوة الموقف السيادي للدولة.

ويضيف ميخائيل ماهر لبوابة الجزائر أن هذا الإطار الدستوري الدقيق يرسخ مبدأ الفصل بين السلطات مع ضمان التناغم التام بين المؤسسة التنفيذية العسكرية والمؤسسة التشريعية، مما يجعل الخطوة نحو النيجر مرتكزة على قاعدة صلبة تحصن القرار ضد أي تجاذبات وتمنحه الغطاء الشرعي والقانوني الكامل أمام المجتمع الدولي وفي المحافل الدبلوماسية والإقليمية. ويختتم ميخائيل ماهر تصريحه بالتأكيد على أن احترام هذه الآليات الدستورية يعزز ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين في جدية ومصداقية المقاربة الأمنية الجزائرية التي توازن بدقة فائقة بين متطلبات الأمن القومي الخارجي ومقتضيات الديمقراطية الدستورية والشفافية البرلمانية.
ماهي أبرز الرسائل التي يوجهها الجيش من خلال هذه الخطوة؟
في إطار التحليل الاستراتيجي والعسكري الشامل للقرار التاريخي الصادر عن مجلس الأمة الجزائري، يصرح العميد منير شحادة، عضو مجلس الإدارة وكبير المستشارين لشؤون المشرق بمجموعة حلول الاستخبارات الاستراتيجية، لبوابة الجزائر، بأن مصادقة البرلمان الجزائري بأغلبية ساحقة على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى دولة النيجر تمثل سابقة تاريخية ورسالة استراتيجية متعددة الأبعاد، كونه التفعيل العملي الأول للمادة 91 من دستور 2020، ولأول تحرك عسكري رسمي خارج الحدود الوطنية منذ حرب تشرين عام 1973. ويؤكد العميد منير شحادة لبوابة الجزائر أن اختيار جمهورية النيجر كوحدة انتشار لم يكن عشوائيًا، بل جاء بحكم الجوار المباشر والشريط الحدودي الممتد على مسافة 960 كيلومترًا، فضلاً عن وجود مهمة حيوية تتمثل في حماية المنشآت النفطية التابعة لشركة سوناطراك في حقل كفرا، وتأمين المكتسبات التنموية المشتركة كخط أنابيب الغاز العابر للصحراء ومحطات الطاقة، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في النيجر وما تبعها من استجابة جزائرية سريعة لبناء شريان أمني لحماية تلك الاستثمارات.

ويرى العميد منير شحادة، في تصريحه لبوابة الجزائر، أن هذا التحرك العسكري يحمل أهدافًا جوهرية ترتبط بالعمق الأمني والاستراتيجي للجزائر، حيث يستهدف القرار بالدرجة الأولى تحقيق الأمن القومي المباشر ومواجهة التهديدات العابرة للحدود كالإرهاب وتهريب السلاح والمخدرات، إلى جانب ردم الفراغ الجيوسياسي الناجم عن انسحاب القوات الفرنسية ودخول الفيلق الأفريقي الروسي، وتطبيق مقاربة استراتيجية جديدة تقوم على حماية التنمية بالسلاح. ويضيف العميد منير شحادة لبوابة الجزائر أن التأثيرات الميدانية للقرار تتجلى في كسر الجزائر لعقيدة الدفاع المحصور داخل الحدود والتحول نحو القدرة على الإسقاط الجوي السريع والردع الاستراتيجي، وحماية مقومات الاستقرار المالي والاقتصادي المرتبط بإمدادات الغاز نحو أوروبا، فضلاً عن سد المنافذ أمام الجماعات الإرهابية في المناطق الحدودية الحساسة.
ويوضح العميد منير شحادة لبوابة الجزائر خريطة التوازنات والمواقف الدولية والإقليمية المحيطة بالقرار، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تحظى بدعم وتأييد حكومة النيجر والرأي العام الأفريقي التواق لحلول إفريقية للأزمات، بالإضافة إلى ترحيب دول جوار كموريتانيا، في مقابل رفض وانزعاج صريحين من طرف فرنسا التي ترى في التحرك الجزائري إنهاءً تامًا لما تبقى من نفوذها في المنطقة، وتحفظات من أطراف إقليمية ومعارضة داخلية بالنيجر. ويختتم العميد منير شحادة تصريحه لبوابة الجزائر بالتأكيد على أن القرار، رغم أنه يؤذي نفوذ القوى التقليدية والجماعات المسلحة ويوفر الحماية المطلوبة لنظام نيامي ومشاريع الجزائر الاستراتيجية، فإنه يضع السياسة الخارجية والعسكرية الجزائرية أمام اختبار ميداني حقيقي لتجنب الاستدراج إلى حرب استنزاف طويلة في رمال الساحل الإفريقي.














