بوابة الجزائر الاخبارية: لم تعد حوادث انهيار المنازل الآيلة للسقوط في المغرب مجرد وقائع معزولة تسجل في خانة الحوادث العرضية، بل تحولت إلى مشاهد متكررة تكشف عمق أزمة عمرانية واجتماعية ممتدة، عنوانها الأبرز هشاشة السكن وعجز التدخلات الوقائية. فمع كل انهيار جديد، تتجدد المأساة ذاتها: أرواح تزهق، وأسر تشرد، وأسئلة معلقة حول جدوى سياسات الإحصاء دون إنقاذ فعلي.
وفي هذا السياق، اهتزت المدينة القديمة بتطوان، ليلة السبت، على وقع فاجعة مؤلمة بعدما انهار منزل بحي “المطامر” فوق رؤوس قاطنيه، مخلفا وفاة طفلين، ومثيرا موجة غضب واسعة، أعادت إلى الواجهة ملفا طالما ظل مؤجلا رغم خطورته المتفاقمة.
” اللهم إن هذا منكر”.. صرخة في واد سحيق
في مكان الحادث، وبينما كانت فرق الإنقاذ تحاول انتشال ما تبقى من أحلام تحت الأنقاض، كانت ملامح الغضب واليأس تسيطر على وجوه الجيران والمتضررين.
“اللهم إن هذا منكر“، هكذا صرخ أحد المواطنين في وجه الكاميرات، معبرا عن لسان حال الآلاف من سكان المدن القديمة بالمغرب.
يقول المتضررون إنهم لم يتوقفوا يوما عن طرق أبواب السلطات المحلية، محذرين من التشققات التي تنهش جدران منازلهم، لكن الرد كان دائما عبارة عن مسكنات شفهية: “نحن قادمون”، “اللجنة ستزوركم”، “الملف قيد الدراسة”.
كلمات يصفها السكان اليوم بأنها كانت “تذكرة مجانية نحو الموت ” .
” لجان التصوير.. وعود بلا ميزانية ”
تتكرر الشهادات الصادمة التي استقتها “الصحافة” من عين المكان؛ أحد السكان يروي بحرقة كيف زارته لجنة تقنية قبل سنتين، وقامت بتصوير غرف منزله الأربع، وأكدت له رسميا أن البناية في خطر داهم.
” منذ ذلك الحين، أعيش مع عائلتي المكونة من 6 أفراد في رعب دائم، ننتظر الموت في كل لحظة، ولم يحرك أحد ساكناً”، يضيف المتحدث.
وعندما يشتد الخناق على المسؤولين، تبرز الحجة الجاهزة: “غياب الميزانية” أو “تعقيد المساطر القانونية”، يجد المواطن نفسه تائها في دهاليز الإدارة، بين مطالبة بالتوجه للمحاكم للحصول على إذن بالترميم، وبين واقع يمنع فيه الترميم الفعلي أو يتعثر بسبب البيروقراطية القاتلة، ليظل الفقير هو الحلقة الأضعف في معادلة “الإهمال الإداري”.
لا تقتصر الفاجعة على تطوان وحدها، فملف “الدور الآيلة للسقوط” يعد قنبلة موقوتة تهدد آلاف الأسر في مختلف ربوع المملكة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أرقام مهولة؛ حيث تم إحصاء ما يناهز 10 آلاف بناية مهددة بالانهيار في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وحدها، و4000 بناية في الدار البيضاء، و6000 في جهة الرباط-سلا.
ورغم إطلاق وزارة الداخلية المغربية لعمليات وطنية واسعة النطاق لإحصاء وجرد هذه المباني، إلا أن الواقع الميداني يؤكد أن “الإحصاء” وحده لا ينقذ الأرواح. ففي الوقت الذي تنشغل فيه اللجان بملء الاستمارات، تستمر الأمطار وعوامل الزمن في نخر ما تبقى من أساسات متهالكة، محولة هذه الدور إلى “مقابر مع وقف التنفيذ”.