بوابة الجزائر الاخبارية: لم تكن زيارة الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزارة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، إلى الجزائر مجرد محطة بروتوكولية مرتبطة بإحياء ذكرى مجازر الثامن ماي 1945، بل بدت أقرب إلى رسالة سياسية متعددة الأبعاد تعكس تحولا في مقاربة باريس لعلاقاتها مع الجزائر، في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة الإفريقية والمتوسطية، وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في القارة السمراء مقابل صعود قوى دولية جديدة تنافس فرنسا على مواقعها التاريخية.
وقد ازدادت دلالات هذه الزيارة وضوحا بعد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي أعرب فيها عن أمله في استئناف العلاقات مع الجزائر، معتبرا أن بعض مواقف السياسة الداخلية خلال الأشهر الماضية ألحقت ضررا كبيرا بالبلدين، في إقرار ضمني بحجم الخسائر السياسية والاستراتيجية التي خلفها التوتر بين الجانبين.
كما أن اللغة التي استخدمتها المسؤولة الفرنسية عقب استقبالها من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لم تكن لغة “القوة الوصية” التي طبعت العلاقات الفرنسية الإفريقية لعقود طويلة، بل خطابا قائما على “الندية والاحترام والهدوء والثقة”، بما يعكس إدراكا فرنسيا بأن المعادلات القديمة لم تعد صالحة، وأن الجزائر أصبحت رقما محوريا في التوازنات الإقليمية والدولية.
إفريقيا تغير جلدها… وفرنسا تخسر مواقعها
خلال السنوات الأخيرة، تلقت فرنسا سلسلة ضربات سياسية واستراتيجية في منطقة الساحل الإفريقي، التي كانت تعتبر تاريخيا مجالا حيويا لنفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.
فمن مالي إلى بوركينا فاسو ثم النيجر، وجدت باريس نفسها أمام موجة رفض شعبي ورسمي غير مسبوقة، انتهت بطرد قواتها العسكرية وإنهاء اتفاقيات تعاون كانت لعقود إحدى أدوات الهيمنة الفرنسية في المنطقة.
هذا التراجع لم يكن مجرد أزمة ظرفية، بل كشف تحولا عميقا في المزاج الإفريقي، حيث بدأت دول الساحل تبحث عن شركاء جدد خارج المظلة الفرنسية التقليدية، سواء تعلق الأمر بروسيا أو الصين أو تركيا أو حتى قوى إقليمية صاعدة.وفي خضم هذا الانهيار التدريجي للنفوذ الفرنسي، تبدو الجزائر بالنسبة لباريس بوابة استراتيجية لا يمكن تجاوزها، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، بل أيضا بسبب قدرتها على لعب أدوار محورية في ملفات الساحل والهجرة والطاقة والأمن الإقليمي.
الجزائر… القوة الإقليمية التي تحتاجها باريس
لم يكن حديث أليس روفو عن “التعاون الأمني والدفاعي” أمرا عابرا، بل يعكس بوضوح حجم القلق الفرنسي من التحولات الأمنية في إفريقيا.
فالجزائر، بحكم خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب وحدودها الشاسعة مع دول الساحل، أصبحت طرفا أساسيا في أي مقاربة أمنية تخص المنطقة.فرنسا تدرك اليوم أن أي محاولة لإعادة بناء حضورها في الساحل دون تنسيق مع الجزائر ستكون محدودة النتائج، خاصة بعد تراجع الثقة الإفريقية في المقاربة الفرنسية القائمة على التدخل العسكري المباشر.
كما أن باريس باتت بحاجة إلى الجزائر في ملف الهجرة غير الشرعية، الذي تحول إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل السياسة الفرنسية الداخلية، خصوصا مع تصاعد خطاب اليمين المتطرف الذي يربط الأزمات الاجتماعية والأمنية بالمهاجرين.
الطاقة… ورقة جزائرية ثقيلة
إلى جانب الأمن، برزت الجزائر خلال السنوات الأخيرة كفاعل مهم في معادلة الطاقة العالمية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية والأزمة التي ضربت أسواق الغاز في أوروبا.وفي وقت تبحث فيه أوروبا عن بدائل للغاز الروسي، وجدت فرنسا نفسها أمام أهمية متزايدة للدور الجزائري، سواء كمصدر للطاقة أو كشريك استراتيجي في استقرار منطقة المتوسط.
لهذا، لم تعد العلاقة مع الجزائر بالنسبة لباريس مجرد ملف تاريخي أو دبلوماسي، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية تمس الأمن الطاقوي الفرنسي والأوروبي.
منطق الندية .. باريس تتحدث بلغة جديدة
أبرز ما حملته التصريحات الفرنسية الأخيرة هو الإقرار الضمني بأن العلاقة مع الجزائر لا يمكن أن تستمر بالعقلية القديمة. فحديث باريس عن “الاحترام والندية” يعكس تحولا في موازين القوة السياسية، حيث أصبحت الجزائر تتعامل بثقة أكبر في ملفات الذاكرة والسيادة والتعاون الأمني.
وقد ساهمت التحولات الدولية، إلى جانب الحضور الجزائري المتزايد في القضايا الإقليمية، في فرض هذا الواقع الجديد على فرنسا، التي باتت تدرك أن استعادة قنوات الحوار مع الجزائر تمر عبر الاعتراف بمكانتها الإقليمية واحترام حساسياتها التاريخية.








