بوابة الجزائر الإخبارية: دخل الأوفشور الجزائري مرحلة جديدة من التقييم بعدما أعادت شركة SLB، بالشراكة مع الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات «ألنفط»، معالجة قاعدة واسعة من البيانات الزلزالية البحرية، بما سمح بإعادة بناء صورة أكثر دقة للنظام البترولي على امتداد أكثر من 130 ألف كيلومتر مربع من المجال البحري الذي ظل لعقود من أقل المناطق استكشافًا في الجزائر.
وتشمل العملية نحو 15 ألف كيلومتر خطي من المسوحات الزلزالية ثنائية الأبعاد الممتدة على طول الساحل، في وقت لا يتجاوز فيه عدد الآبار الاستكشافية المحفورة في المجال البحري، وفق معطيات SLB، ثلاثة آبار فقط. وهو تفاوت يبرز حجم المساحة التي بقيت خارج الاختبار المباشر بالحفر رغم امتلاك الجزائر واحدًا من أقدم وأكبر القطاعات النفطية والغازية في المنطقة.
وتضع SLB النتائج الجديدة ضمن مستوى مختلف من الجاذبية الاستثمارية، بعدما سمحت تقنيات إعادة التصوير العميق بتحسين رؤية التكوينات الجيولوجية فوق الطبقات الملحية وداخلها وتحتها، ورفع مستوى الثقة في تحديد المصائد والأهداف المحتملة والخزانات.
ولا تعني هذه النتائج اكتشاف احتياطات تجارية جديدة في البحر، لكنها تقلص أحد أهم عناصر المخاطر التي تسبق قرار الحفر، وهو ضعف المعرفة الجيولوجية الدقيقة. فكلما تحسنت جودة الصورة تحت السطح، أصبح المستثمر قادرًا على تقييم احتمال النجاح وتحديد الهدف وكلفة البئر بدرجة أكبر من الدقة قبل الالتزام ببرنامج استكشاف بحري مرتفع التكاليف.
ويأتي هذا العمل في إطار مشروع EXALT – Explore Algeria Today، الذي أطلقته «ألنفط» وSLB سنة 2023 بهدف إعادة معالجة وتجميع بيانات باطن الأرض الجزائرية ورفع قيمتها التقنية والتجارية، بحيث تتحول الأرشيفات الجيولوجية القديمة إلى قاعدة حديثة قابلة للاستخدام من طرف الشركات الراغبة في تقييم فرص الاستكشاف.
وتشير القراءة الجديدة، وفق العرض الذي نشرته SLB، إلى وجود وحدتين محتملتين للصخور المصدرية، إلى جانب مؤشرات تدعم احتمال وجود نظام بترولي فعال من حيث توليد المحروقات وهجرتها واحتجازها، فضلًا عن مجموعة من الأهداف الاستكشافية موزعة على مستويات طبقية وتراكيب جيولوجية مختلفة.
وتتقاطع هذه النتائج مع التقسيم الجيولوجي الذي تعتمده «ألنفط» للمجال البحري الجزائري، الموزع بين حوض ألبوران غربًا والحوض الجزائري–البروفنسالي في الوسط والشرق، في بيئة جيولوجية معقدة مرتبطة بتقارب الصفيحتين الإفريقية والأوروبية.
وتصل أعماق المياه في أجزاء من هذا المجال إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر، مع جرف قاري ضيق وانحدارات بحرية حادة، ما يجعل الاستثمار في المياه العميقة وفائقة العمق أكثر تعقيدًا من الاستكشاف في معظم الأحواض البرية الجزائرية، لكنه في المقابل يفتح مجالًا واسعًا أمام شركات تمتلك التكنولوجيا والخبرة المالية اللازمة للعمل في البيئات البحرية المعقدة.
من ملف جيولوجي إلى أصل قابل للتسويق
تكمن أهمية EXALT في أنه ينقل الملف البحري من مرحلة تجميع المعلومات إلى مرحلة إعداد مادة تقنية قابلة للتسويق أمام المستثمر.
فالمستثمر لا يدخل منطقة بحرية بناءً على حجمها فقط، بل على جودة البيانات المتعلقة بالصخور المصدرية والخزانات والمصائد وسلامة الأغطية ومسارات الهجرة البترولية. وكل نقص في هذه العناصر يرفع كلفة عدم اليقين ويؤثر مباشرة في قرار الحفر.
ومن هنا يأتي توصيف SLB للأوفشور الجزائري باعتباره فرصة يمكن أن تكون جذابة تجاريًا مع مخاطر جيولوجية قابلة للإدارة، بعد تحسين جودة البيانات وإعادة تفسيرها.
غير أن المرحلة الحاسمة ستبقى مرتبطة بالحفر. فالنماذج الزلزالية والمؤشرات الجيوفيزيائية يمكن أن تحدد أهدافًا واعدة، لكنها لا تتحول إلى احتياطيات مؤكدة قبل اختبارها بآبار استكشافية وعمليات تقييم وقياس اقتصادي للمكمن.
ويبرز هذا التحدي بوضوح في العدد المحدود للآبار التي حُفرت حتى الآن. فثلاثة آبار فقط في مجال يتجاوز 130 ألف كيلومتر مربع تعني أن نسبة كبيرة من الأوفشور الجزائري ما تزال غير مختبرة مباشرة، وهو ما يفسر وصف SLB له بأنه من المقاطعات الهيدروكربونية الحدودية القليلة الاستكشاف.
ولا يبدأ اهتمام الجزائر بالأوفشور من البرنامج الحالي. ففي أكتوبر 2018، دخلت سوناطراك في اتفاقات مع Eni وTotal لدراسة إمكانات الاستكشاف البحري، وكانت Eni قد وصفت المجال في ذلك الوقت بأنه شبه غير مستكشف.
لكن التطور الحالي يختلف من حيث المقاربة، لأن EXALT لا يرتبط برقعة واحدة أو شركة واحدة، بل يبني قاعدة بيانات أوسع تستطيع «ألنفط» استخدامها لاحقًا في إعداد فرص استثمارية مفتوحة أمام عدد أكبر من المشغلين.
كما جاء عام 2026 ليمنح هذا التوجه بعدًا إضافيًا، بعدما خصصت «ألنفط» والجمعية الأوروبية لعلماء ومهندسي الجيولوجيا EAGE ورشة دولية للأوفشور الجزائري العميق وفائق العمق، عقدت في الجزائر بين 11 و13 ماي، وركزت على الإمكانات الجيولوجية وتقنيات اقتناء ومعالجة البيانات وفرص الاستثمار.
وتزامن ذلك مع إطلاق Algeria Bid Round 2026 في أفريل، في استمرار لسياسة إعادة تنشيط جولات التراخيص بعد الجولة السابقة التي انتهت بتوقيع خمسة عقود محروقات جديدة.
غير أن الرقع المطروحة في جولة 2026 الحالية برية، ولا تشمل مناطق بحرية، ما يعني أن نتائج EXALT لا تمثل إعلانًا عن جولة أوفشور جديدة ولا عن بدء الحفر في البحر.
وتكمن قيمتها في إعداد الأرضية التقنية التي يمكن أن تستند إليها «ألنفط» إذا قررت في مرحلة لاحقة طرح مناطق بحرية أمام المستثمرين.
كما يعزز فتح غرف البيانات الافتراضية خلال 2026 هذا المسار، بعدما أصبح بإمكان الشركات تحليل ملفات الرقع والمعلومات التقنية عن بعد ضمن بيئة رقمية مؤمنة، وهو توجه يتكامل مباشرة مع هدف EXALT في رفع قيمة البيانات الجيولوجية وتحويلها إلى أداة جذب لرأس المال الاستكشافي.
الرهان ينتقل إلى قرار الحفر
تصل الجزائر اليوم إلى مرحلة يصبح فيها السؤال أقل ارتباطًا بوجود مؤشرات جيولوجية وأكثر ارتباطًا بمدى استعداد المستثمر لتحويلها إلى بئر.
فالحفر البحري، خاصة في المياه العميقة وفائقة العمق، يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وسفن ومنصات متخصصة، وخدمات لوجستية وتقنية عالية الكلفة، ما يجعل جودة المعلومات السابقة للحفر عاملًا حاسمًا في جذب الشركات.
ولهذا يمثل مشروع إعادة معالجة 15 ألف كيلومتر من البيانات خطوة اقتصادية بقدر ما هو عملية تقنية.
فالجزائر لا تضيف احتياطيات جديدة بمجرد تحسين الصور الزلزالية، لكنها ترفع القيمة الاستثمارية للمعلومة نفسها، وتقلل نسبة المخاطر التي يتحملها المستثمر قبل أن يتخذ قراره.
ويأتي هذا التحرك ضمن سياسة أوسع لتجديد موارد المحروقات ورفع جهود الاستكشاف، في وقت تؤكد فيه سوناطراك أن المجال المنجمي الجزائري يمتد على نحو 1.5 مليون كيلومتر مربع وأن أجزاء معتبرة منه ما تزال غير مستكشفة بالكامل.
وقد ظهر هذا التوجه بالفعل في الأحواض البرية، حيث سمحت جولة 2024 بإبرام عقود جديدة مع شركات دولية، بينها رخصة Ahara التي دخلت فيها TotalEnergies وQatarEnergy إلى جانب سوناطراك.
كما سبقت جولة 2026 عملية Nomination Process شملت مجموعة من المشاريع وأتاحت للشركات إبداء اهتمامها والمساهمة في تحديد المناطق الأكثر جاذبية قبل طرح الرقع رسميًا.
وفي هذا السياق، يمثل EXALT امتدادًا بحريًا للمنطق نفسه: تحسين المعلومات أولًا، خفض المخاطر الفنية، ثم تقديم فرصة أكثر وضوحًا للمستثمر.
وبذلك، فإن الرقم الأهم في الأوفشور الجزائري اليوم لا يتعلق باحتياطي نفطي أو غازي معلن، بل بمساحة بحرية تتجاوز 130 ألف كيلومتر مربع أُعيدت قراءتها على أساس تقني جديد بعد معالجة 15 ألف كيلومتر من البيانات، في مقابل سجل حفر لا يتجاوز ثلاثة آبار.
وتمنح هذه المعادلة الجزائر أصلًا استكشافيًا واسعًا لم يُختبر بعد بالقدر الذي يتناسب مع حجمه، بينما تمثل البيانات المحسنة أول خطوة عملية نحو تحويله من مجال جيولوجي غير مكتشف نسبيًا إلى فرصة استثمار يمكن عرضها بصورة أكثر تنافسية أمام شركات الطاقة الدولية.
أما الانتقال الحقيقي إلى مرحلة جديدة فسيبدأ عندما تتحول إحدى هذه الفرص من شاشة التفسير الزلزالي إلى منصة حفر، لأن البئر الأولى الناجحة وحدها قادرة على نقل الأوفشور الجزائري من خانة الإمكانات إلى خانة الموارد القابلة للتقييم والتطوير.









