بوابة الجزائر الإخبارية : تفتح مشاركة الجزائر في النقاش الإفريقي الخليجي حول تنقل العمالة مجالا أوسع لطرح مقاربة تتجاوز التعامل مع الهجرة المهنية باعتبارها مجرد انتقال للأفراد بين دول المنشأ ودول المقصد، نحو بناء منظومة متكاملة تربط احتياجات أسواق العمل بحماية الحقوق والرقمنة والاعتراف بالمؤهلات والحماية الاجتماعية، بما يجعل حركة الكفاءات جزءا من مسار التنمية المشتركة.

وفي هذا السياق، يصرح رامي الزهدي، خبير الشؤون الإفريقية، لـ”بوابة الجزائر”، أن الجزائر تستطيع أن تقدم للنقاش الإفريقي الخليجي خبرة دولة إفريقية تنظر إلى تنقل العمالة باعتباره جزءا من منظومة أوسع للسياسات الاجتماعية وسوق العمل، وليس مجرد حركة أفراد من دولة إلى أخرى.
ويرى الزهدي أن هذا التصور ينسجم مع ما يحتاجه الحوار بين الدول الإفريقية والخليجية في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى أن التحدي الأساسي لا يرتبط بحركة العمالة في حد ذاتها، وإنما بمدى توفر منظومة قادرة على جعل هذه الحركة أكثر أمنا وتنظيما وشفافية وعدالة بالنسبة إلى العامل ودولة المنشأ ودولة المقصد في الوقت نفسه.
وأوضح الزهدي أن أهمية المقاربة الجزائرية تكمن في الجمع بين عدة عناصر مترابطة، من بينها رقمنة قطاع العمل، وتحسين مواءمة العرض والطلب، وتعزيز حماية حقوق العمال، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، فضلا عن مسألة الاعتراف بالمؤهلات العلمية والمهنية، وهي ملفات تكتسب أهمية متزايدة مع توسع حركة العمالة بين القارة الإفريقية ودول الخليج.من إدارة الهجرة إلى حوكمة دورة تنقل العمالة.
وبحسب الزهدي، فإن الإضافة الأساسية التي يمكن للجزائر المساهمة بها تتمثل في الانتقال من مفهوم “إدارة العمالة المهاجرة” إلى حوكمة دورة تنقل العامل بكامل مراحلها، بدءا من تحديد احتياجات أسواق العمل واختيار الكفاءات وتأهيلها، مرورا بمرحلة التعاقد وضمان الحقوق خلال فترة العمل، وصولا إلى تنظيم عودة العامل إلى بلده أو انتقاله إلى فرصة مهنية أخرى.وتزداد أهمية هذا الطرح بالنظر إلى حجم حركة العمالة بين إفريقيا ومنطقة الخليج، إذ يشير الزهدي إلى بيانات للاتحاد الإفريقي تفيد بوجود نحو 4.7 مليون مهاجر إفريقي في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2024، وهو ما يجعل هذا المسار واحدا من الممرات المهمة لحركة العمالة، ويعني في الوقت نفسه أن أي اختلال في تنظيمه قد تكون له انعكاسات اجتماعية واقتصادية على دول المنشأ والمقصد معا.
وفي هذا الإطار، تصبح حماية العامل مرتبطة بمنظومة تبدأ قبل مغادرته بلده، عبر وضوح شروط التوظيف والعقد والمؤهلات المطلوبة، وتستمر خلال وجوده في سوق العمل، من خلال ضمان الحقوق والحماية، ولا تنتهي إلا بتنظيم العودة والاستفادة من الخبرات والمهارات المكتسبة.الرقمنة بوابة نحو سوق عمل أكثر تكاملا.
وفي ما يتعلق بإمكانات التعاون في مجال رقمنة سوق العمل، يعتبر خبير الشؤون الإفريقية أن التجربة الجزائرية يمكن أن تشكل أرضية لتطوير تعاون أوسع مع الدول الإفريقية والخليجية، شريطة ألا تظل الرقمنة مجرد وسيلة لتحديث الإجراءات الإدارية داخل الحدود الوطنية.
وأكد رامي الزهدي أن القيمة الأكبر للتحول الرقمي تظهر عندما يصبح أداة للربط بين أسواق العمل، من خلال تطوير المنصات الرقمية وقواعد بيانات المهارات والكفاءات، وربط الباحثين عن العمل بالفرص المتاحة، إضافة إلى تسريع التحقق من المؤهلات والخبرات وتبادل المعلومات بصورة أكثر شفافية.
ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير، بحسب الزهدي، في آليات رقمية متوافقة بين الدول تسمح بتحديد المهارات التي تحتاج إليها الأسواق الخليجية ومطابقتها مع الكفاءات المتاحة في الدول الإفريقية، إلى جانب متابعة عقود العمل وتوفير المعلومات الضرورية للعامل وربطه بأنظمة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي في الحالات التي تسمح فيها الاتفاقيات المبرمة بين الدول بذلك.
ويرى المتحدث أن مثل هذا الربط من شأنه أن يحد من الاختلال بين العرض والطلب، ويقلص الاعتماد على قنوات توظيف غير منظمة، كما يتيح للدول الإفريقية تكوين كفاءاتها بصورة تتناسب بشكل أفضل مع التحولات التي تشهدها أسواق العمل الدولية.الاعتراف بالمؤهلات.. مفتاح حركة الكفاءات
ويضع الزهدي الاعتراف المتبادل بالمؤهلات في صلب أي تعاون مستقبلي، معتبرا أن القارة الإفريقية لا تواجه فقط تحدي نقص فرص العمل، وإنما تعاني أيضا من ضعف استثمار جزء من رأسمالها البشري بسبب الصعوبات المرتبطة بالاعتراف بالشهادات والمهارات والخبرات المهنية خارج الحدود الوطنية.ويؤدي غياب آليات واضحة للاعتراف بالمؤهلات إلى وجود عامل أو صاحب كفاءة في وظيفة لا تتناسب مع مستوى تكوينه، أو إلى اضطراره لإعادة إثبات مهارات سبق أن اكتسبها، وهو ما يقلل من كفاءة حركة اليد العاملة ويحرم دول المنشأ والمقصد من الاستفادة الكاملة من الكفاءات المتاحة.
لذلك، يرى الزهدي أن الجزائر تستطيع الدفع باتجاه اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف للاعتراف بالمؤهلات المهنية والعلمية، لاسيما في القطاعات التي تعرف طلبا متزايدا على اليد العاملة والكفاءات، على غرار الصحة والبناء والنقل والطاقة والخدمات والتكنولوجيا.نحو حركة للكفاءات بدلا من استنزاف العقولوفي المقابل، يشدد الزهدي على ضرورة ألا يؤدي تسهيل انتقال العمالة الماهرة إلى تكريس ظاهرة استنزاف الكفاءات الإفريقية، وإنما ينبغي بناء نموذج يسمح بتحويل الهجرة المهنية إلى دورة لتبادل الخبرات والمعرفة والاستثمارات.ويقتضي ذلك، حسبه، إنشاء مسارات واضحة ومنظمة أمام العمالة الماهرة، مع الحفاظ على صلة الكفاءات المهاجرة باقتصادات دولها الأصلية، وتهيئة الظروف التي تسمح بنقل الخبرات والتكنولوجيا والمعرفة المكتسبة إلى الداخل.
ومن شأن هذه المقاربة أن تغير النظرة التقليدية إلى هجرة الكفاءات، بحيث لا تصبح مغادرة المهندس أو الطبيب أو التقني خسارة نهائية للدولة، وإنما جزءا من حركة مهنية يمكن أن تنتج عنها خبرات وشبكات وعلاقات اقتصادية وفرص استثمار جديدة إذا جرى تنظيمها بالشكل المناسب.تحويلات المهاجرين من دعم للأسر إلى تمويل للتنميةويتعلق المسار الآخر، وفقا للزهدي، بالتحويلات المالية للعمال المهاجرين، والتي يمكن أن تلعب دورا أكبر من مجرد توفير دخل إضافي للأسر.
وأوضح رامي الزهدي أن تطوير هذا الجانب يبدأ بتسهيل عمليات تحويل الأموال، وخفض تكلفتها، وتوسيع استخدام القنوات الرسمية والآمنة، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما تقوم على توفير أدوات تسمح بتوجيه جزء من مدخرات العمال والكفاءات في الخارج نحو الاستثمار والمشروعات الصغيرة والأنشطة المنتجة.وبهذه الطريقة، يمكن للتحويلات أن تنتقل تدريجيا من وظيفتها الاستهلاكية والاجتماعية المباشرة إلى دور أوسع في التمويل التنموي، مع الحفاظ بطبيعة الحال على حرية العامل في التصرف في مدخراته.الجزائر أمام فرصة لتحويل الحوار إلى مبادرات عملية.
ويرى رامي الزهدي أن الفرصة المتاحة أمام الجزائر تكمن في تحويل مشاركتها في الحوار من مجرد مساهمة في النقاش إلى الدفع بمبادرات قابلة للتطبيق، خاصة في ملفات الاعتراف بالمؤهلات، وربط منصات سوق العمل، وتسهيل المسارات القانونية والمنظمة لحركة الكفاءات.
ويعتبر الزهدي أن نجاح التعاون الإفريقي الخليجي في هذا المجال لن يقاس فقط بعدد الاجتماعات أو التفاهمات السياسية، وإنما بمدى قدرته على إنتاج ترتيبات واضحة تحمي العمال، وتوفر مسارات توظيف عادلة، وتسهل الاعتراف بالمهارات والمؤهلات، وتعزز الحماية الاجتماعية، وتجعل التحويلات المالية أكثر أمنا وكفاءة.
ويخلص رامي الزهدي إلى أن تحقيق هذه الأهداف من شأنه أن ينقل ملف تنقل العمالة بين إفريقيا والخليج من التعامل معه كمسألة إدارية أو أمنية إلى اعتباره شراكة حقيقية في رأس المال البشري، تحقق مصالح العامل ودول المنشأ ودول المقصد، وتضع حركة الكفاءات في خدمة التنمية المشتركة.




























