بوابة الجزائر الإخبارية : شهدت القاعة الزجاجية لمجلس الأمن الدولي نيويورك جلسة تصويت محورية بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل). وفي خطوة تعكس التوازنات الدبلوماسية الدقيقة والديناميكيات الدولية المتداخلة حول الملف الليبي، اعتمد المجلس قرار التمديد لمدة عام كامل (حتى 31 أكتوبر 2025) بعد حصوله على تأييد 13 عضواً من أصل 15، في حين اختارت كل من روسيا والحديث عن اليونان (أو الصين وفق التوازنات الفنية للنصوص) الامتناع عن التصويت، مما يسلط الضوء على عمق الخلافات القائمة حول آليات إدارة الانتقال السياسي، وملف النفط، وتعيين مبعوث أممي جديد يمتلك التوافق الدولي اللازم.
وفي هذا السياق يؤكد أحمد دوغة، نائب رئيس حزب ليبيا الأمة في طرابلس، في تصريح خاص لـ”بوابة الجزائر”، أن قراءة المشهد السياسي الليبي تتطلب تجاوز اللغات الدبلوماسية الناعمة والرمادية نحو مقاربة واقعية تلامس مصلحة البلاد العليا.
وفي قراءته للأبعاد الدبلوماسية والسياسية لقرار مجلس الأمن الأخير بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل)، يوضح أحمد دوغة أن امتناع بعض الدول الدائمة والمؤثرة في مجلس الأمن عن التصويت لم يكن مجرد تسجيل موقف عابر، بل حمل رسائل سياسية خشنة ومباشرة مفادها رفض منح تفويض مطلق لبعثة تديرها عواصم غربية بمعزل عن التوافق الحقيقي بين الليبيين أنفسهم، ومعارضةً واضحة لمحاولات فرض أجندات تقزّم الدور الوطني.

ويشير أحمد دوغة إلى أن هذه الدول الممتنعة ترى في صياغة القرارات خلف الكواليس بضغط من الدول الكبرى الغربية تهميشاً لمواقف القوى الدولية الأخرى التي تمتلك مصالح وثقل حقيقي في المنطقة، متطرقاً إلى أزمة الثقة العميقة في آلية اختيار وتكليف المبعوث الأممي والتي تتحول إلى صراع نفوذ يترك البعثة بلا قيادة قوية، فضلاً عن إخفاق البعثة في تقديم حلول جذرية لشفافية إنفاق العوائد النفطية وتوحيد المؤسسات، وتحولها أحياناً إلى جزء من الأزمة عبر تثبيت حالة الانقسام المدار.
ويحذر أحمد دوغة من أن هذا الانقسام الدولي يشل قدرة البعثة ويجعلها مجرد مراقب لا يملك نابض القوة، لافتاً إلى أن السياسيين المنتفعين من بقاء الحال على ما هو عليه يستغلون هذا التخبط الدولي، حيث يجد كل طرف ليبي ظهيراً خارجياً يبرر به عرقلة القوانين الانتخابية ورفض تسليم السلطة، لتصبح الانتخابات الشاملة حلماً بعيد المنال ما لم تتوحد الإرادة الدولية تحت سقف مصلحة ليبيا وحدها.
أما على الصعيد الميداني والإقليمي، فينتقل أحمد دوغة لتحليل تداعيات التمديد لمدة عام كامل مقارنة بالتمديدات السابقة التي كانت تُحلب كل بضعة أشهر كنوع من الابتزاز السياسي والضغط المستمر على الأطراف الليبية.
يوضح أحمد دوغة أن منح البعثة فترة أمان واستقرار إداري ولوجستي لمدة عام كامل يساهم ميدانياً في تخفيف حالة التوجس الدائم التي كانت تسبق كل جلسة تجديد وتتزامن مع تحركات واستعراضات للقوة على الأرض، كما يعطي دفعة للجنة العسكرية المشتركة (5+5)، لكنه يشكك في قدرة هذا التمديد الطويل على صنع معجزة عسكرية بمفرده ما لم يكن مقروناً بإرادة دولية وإقليمية جادة لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية في ظل تعقيدات جيوستراتيجية مستمرة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يرى أحمد دوغة أن هذا العام الكامل يمنح المؤسسات الحيوية كمصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط هامشاً من الاستقرار التشغيلي بعيداً عن خطر الشلل المرتبط بانتهاء الولاية الأممية، غير أنه يحذر من بقاء هذا الاستقرار هزيلاً وهشاً طالما غاب التوزيع العادل للثروة وغابت الرقابة الوطنية الحقيقية التي تحمي قوت الشعب الليبي من العبث والفساد الممنهج الذي ترعاه شبكات المصالح المرتبطة بالطبقة السياسية المهيمنة على المشهد.
ويختتم أحمد دوغة طرحه بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لم يعد يجوز أن يظل معلقاً على أروقة مجلس الأمن وتوافق الكبار المتصارعين، بل يكمن حصراً في فرض إرادة وطنية جامعة وقوية تتجاوز أصلاً وجود البعثة الأممية ومبعوثيها لتصنع الحل الليبي الخالص بأيدي أبنائها.









