بوابة الجزائر الإخبارية: 100 ألف مركبة سنويًا تمثل الطاقة الإنتاجية التي يطمح مشروع «جاك» بعين تموشنت إلى بلوغها، باستثمار تُقدّر قيمته بنحو 8 مليارات دينار، في وقت تتجه فيه وزارة الصناعة إلى تقييم قدرة المصنع على الانتقال من تركيب الشاحنات إلى تصنيع مركبات نفعية بمكونات وعمليات إنتاج محلية. ويأتي هذا التحول بعد انطلاق النشاط الصناعي خلال سبتمبر الماضي، وسط برنامج يستهدف تجاوز نسبة إدماج قدرها 30% وتوسيع التشغيل إلى 1700 منصب عمل، بما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا لمدى تقدم المشروع نحو إنشاء قاعدة صناعية تتجاوز التجميع التقليدي.
وعاد مشروع «إيمين أوتو»، الممثل لعلامة «JAC Motors» الصينية في الجزائر، إلى واجهة المتابعة الحكومية، عقب استقبال وزير الصناعة فريد كورتل، مساء الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، وفدًا عن الشركة بمقر الوزارة، في لقاء خُصص لاستعراض تقدم إنجاز المصنع الواقع بولاية عين تموشنت، وبحث آفاق توسيع نشاطه ورفع مساهمة المكونات المحلية في المركبات المنتجة.
ويعكس الاجتماع انتقال الاهتمام من مرحلة إطلاق المشروع وتجهيز خطوط الإنتاج إلى متابعة مردوديته الصناعية، ومدى تقدمه في تجسيد الالتزامات المرتبطة بالطاقة الإنتاجية والإدماج المحلي، خصوصًا أن المصنع شرع بالفعل في تركيب أولى الشاحنات الموجهة إلى السوق الجزائرية.
وتعود الجذور الاستثمارية للمشروع إلى سنة 2016، عندما أُدرج ضمن برنامج التنمية والاستثمار بولاية عين تموشنت، قبل أن يتطور إلى مجمع صناعي بالمنطقة الصناعية تامزوغة، يمتد على مساحة إجمالية تبلغ 32 هكتارًا.
ويضم الموقع أربع خطوط لإنتاج المركبات النفعية، إلى جانب منشآت لمراقبة الجودة وورشة مخصصة لتجهيز المركبات بحسب احتياجات الأنشطة المهنية، ما يسمح بتطوير تشكيلات موجهة إلى قطاعات النقل والتوزيع والأشغال والخدمات.
وكانت الشركة قد أعلنت، خلال سبتمبر 2026، عن انطلاق تركيب الشاحنات بعد استكمال إجراءات التخليص الجمركي لمكونات مستوردة تكفي لإنتاج نحو 3500 مركبة، وفق تصريحات مستشار الرئيس المدير العام للشركة، إلياس فروخي، التي نقلها موقع «ألجيري إيكو» في 26 سبتمبر.
وبحسب المعطيات المعلنة آنذاك، بدأت خطوط التركيب بوتيرة أولية تبلغ 60 شاحنة يوميًا، مع برنامج لرفع الإنتاج تدريجيًا إلى ما بين 80 و90 شاحنة، غير أن بيان وزارة الصناعة الصادر عقب اجتماع 3 نوفمبر لم يتضمن حصيلة محينة لعدد المركبات المنتجة أو مستوى التشغيل الفعلي للخطوط.
ويعني ذلك أن الأرقام المتداولة بشأن وتيرة الإنتاج تعكس وضعية سبق الإعلان عنها في سبتمبر، بينما يظل بلوغ الطاقة القصوى المستهدفة، المقدرة بـ100 ألف مركبة سنويًا، مرتبطًا باستكمال مراحل التوسع وتوفير التجهيزات والمكونات والقدرات التشغيلية اللازمة.
وتشمل الخطة الصناعية إدراج 15 طرازًا من المركبات، بينها حافلات وشاحنات نفعية موجهة إلى استعمالات مختلفة، مع تقديم الشاحنة «1040 S» ضمن أولى المنتجات المطروحة، بتجهيزات تتضمن الصندوق المسطح والقلّاب والتبريد.
ويمنح هذا التنوع المصنع إمكانية استهداف شرائح متعددة من الطلب المحلي، لا سيما المؤسسات العاملة في نقل البضائع والتوزيع التجاري والأشغال العمومية والخدمات اللوجستية، وهي أنشطة ترتبط احتياجاتها بطبيعة المركبات وقدرتها على تحمل الاستخدام المهني وتوافر الصيانة وقطع الغيار.
وعلى مستوى الاستثمار والتشغيل، أشارت تقارير اقتصادية متخصصة خلال سبتمبر إلى غلاف مالي يقارب 8 مليارات دينار، مع تسجيل نحو 380 منصب عمل مباشر عند الانطلاق، واستهداف رفع عدد العمال إلى 1700 منصب مع توسع النشاط.
وتبقى هذه المعطيات مرتبطة بالبرنامج الاستثماري المعلن سابقًا، ولا تعني أن المصنع بلغ بالفعل مستوى التشغيل أو الطاقة الإنتاجية المستهدفة.
غير أن الرهان الأساسي في المرحلة الجديدة لا يقتصر على عدد الشاحنات التي تغادر خطوط الإنتاج، بل يتعلق بالقيمة الصناعية التي تُنجز داخل الجزائر، وهو ما يفسر تركيز اجتماع وزير الصناعة مع مسؤولي «إيمين أوتو» على تطوير النشاط الإنتاجي وزيادة الإدماج المحلي.
فقد اعتمد المشروع في مرحلته الأولى على نظام التركيب «SKD»، القائم على تجميع مجموعات من المكونات المستوردة، ضمن مسار يفترض أن يتطور لاحقًا إلى عمليات صناعية أوسع ترتبط بنظام «CKD»، مع إدخال تجهيزات للكبس واللحام والطلاء.
ويشكل الانتقال إلى هذه العمليات تحولًا مهمًا في طبيعة النشاط، لأن تصنيع أجزاء من هيكل المركبة ومعالجتها وتجميعها محليًا يختلف من حيث التجهيزات والمهارات والقيمة المضافة عن تركيب مجموعات جاهزة مستوردة.
كما يتطلب هذا التطور استثمارات إضافية في المعدات الصناعية، وتأهيل الموارد البشرية، واعتماد أنظمة دقيقة لمراقبة الجودة، فضلًا عن تطوير علاقات مستقرة مع مؤسسات المناولة الوطنية القادرة على توفير المكونات وفق المواصفات المطلوبة.
وكانت الشركة قد وضعت ضمن أهدافها تجاوز نسبة إدماج محلي تبلغ 30%، غير أن هذا المستوى لا يزال هدفًا معلنًا، إذ لم تكشف الوزارة خلال الاجتماع الأخير عن النسبة المحققة فعليًا أو قائمة الأجزاء التي أصبحت تُصنع داخل الجزائر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء التوجه الحكومي نحو اعتماد أدوات أكثر دقة لقياس الإدماج الصناعي، بعدما ناقشت الحكومة يوم 21 أكتوبر 2026 آلية مقترحة لحساب وتقييم نسب الإدماج في صناعة المركبات الثقيلة والخفيفة، إلى جانب صناعة الهواتف المحمولة.
وتستهدف الآلية التمييز بين المكونات المستوردة والعمليات المنجزة محليًا، بما يسمح بتحديد المساهمة الفعلية للمصانع في الاقتصاد الوطني، بدل الاكتفاء بحساب عدد الوحدات المركبة أو المباعة.
ويضع هذا التوجه المؤسسات الصناعية أمام متطلبات جديدة، ترتبط بتطوير الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا ورفع كفاءة العمال وتوسيع شبكة الموردين الوطنيين، باعتبارها عناصر أساسية لتكوين صناعة سيارات ذات أثر اقتصادي مستدام.
وبالنسبة إلى مصنع «جاك»، فإن توسيع الإدماج يمكن أن يفتح فرصًا أمام مؤسسات جزائرية متخصصة في الأجزاء المعدنية والبلاستيكية والتجهيزات الكهربائية ومكونات الهياكل والخدمات الصناعية، شريطة استيفاء معايير الجودة والكلفة وانتظام التوريد.
كما أن تطوير شبكة المناولة لا يرتبط بتوفير الأجزاء فقط، بل يشمل خدمات الصيانة الصناعية والاختبارات والتجهيزات والتكوين، وهي أنشطة يمكن أن توسع الأثر الاقتصادي للمشروع خارج حدود المصنع نفسه.
ومن الناحية التجارية، يرتبط نجاح البرنامج بقدرة الشركة على توفير مركبات نفعية تتلاءم مع احتياجات السوق، مع ضمان توافر قطع الغيار وخدمات ما بعد البيع، لأن كلفة التوقف عن العمل والصيانة تمثل عنصرًا حاسمًا بالنسبة إلى المؤسسات التي تعتمد على الشاحنات في نشاطها اليومي.
ويبرز كذلك تحدي انتظام التموين بالمكونات المستوردة خلال المرحلة الانتقالية، إذ يتوقف الحفاظ على وتيرة إنتاج مستقرة على فعالية سلسلة الإمداد، وتوافر المخزون الصناعي، وقدرة المصنع على استيعاب العمليات الجديدة دون التأثير في الجودة أو آجال التسليم.
أما على المستوى الخارجي، فقد أدرجت «إيمين أوتو» التصدير نحو الأسواق الإفريقية ضمن رؤيتها المستقبلية، في مسعى للاستفادة من الموقع الجغرافي للجزائر وإمكانات تطوير صناعة المركبات النفعية.
غير أن الانتقال إلى التصدير يتطلب بلوغ مستويات تنافسية في الأسعار والجودة، وضمان انتظام الإنتاج، واستيفاء المتطلبات الفنية والتنظيمية للأسواق المستهدفة، فضلًا عن بناء شبكات توزيع وخدمات ما بعد البيع خارج الجزائر.
ولا يتضمن البيان الوزاري الصادر في 3 نوفمبر إعلانًا عن عقود تصدير جديدة أو مواعيد محددة لرفع الطاقة الإنتاجية، كما لم يعلن عن نسبة إدماج محققة، ما يجعل نتائج المتابعة الحكومية المقبلة ضرورية لتقييم مدى تقدم المشروع مقارنة بأهدافه الاستثمارية.
وتأتي أهمية مصنع عين تموشنت من ارتباطه بأحد القطاعات التي تسعى الجزائر إلى إعادة بنائها على أسس صناعية جديدة، تقوم على تعميق التصنيع المحلي وتقليص الاعتماد على استيراد المركبات الجاهزة، مع تطوير منظومة مناولة قادرة على توفير أجزاء وخدمات ذات قيمة مضافة.
غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطًا بحجم العمليات الصناعية المنجزة داخل البلاد، وليس بالطاقة الإنتاجية المعلنة وحدها، لأن ارتفاع عدد المركبات المركبة لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض موازٍ في فاتورة الواردات إذا بقيت معظم المكونات مستوردة.
وبذلك، يدخل مشروع «جاك» بعين تموشنت مرحلة جديدة من التقييم الصناعي، تتقاطع فيها أهداف رفع الإنتاج إلى 100 ألف مركبة سنويًا، وتجاوز 30% من الإدماج المحلي، وتوسيع التشغيل إلى 1700 منصب عمل. وبينما انطلق تركيب الشاحنات بالفعل، يبقى التحدي الأهم في تحويل هذه الأهداف إلى قدرات إنتاجية ومكونات محلية قابلة للقياس، بما يحدد مساهمة المصنع الفعلية في تطوير صناعة المركبات بالجزائر.










