بوابة الجزائر الإخبارية : شهد الاقتصاد العالمي عبر تاريخه الحديث محطات مفصلية أعادت رسم الخريطة الجيو-اقتصادية الدولية، غير أن التقاطع الراهن بين الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد يضع العالم أمام اختبار استثنائي ومزدوج الرهانات. تكتسب المعطيات الواردة في تقرير «آفاق أسواق السلع الأولية» الصادر عن البنك الدولي خطورة خاصة، إذ إن التوقعات القادمة بقفزة في الأسعار العالمية تبلغ نسبة 23% وارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 32% لا تؤشر مجرد ضغوط مالية عابرة، بل تعلن عن تشكل موجة تضخمية مركبة تعيد توزيع الأوراق ونفوذ القوى الاقتصادية بين الدول التي تملك السلعة وتلك التي تستوردها.تؤدي هذه الطفرة الحادة في أسعار النفط، مع وصول خام برنت إلى حدود 91 دولاراً للبرميل وانكماش المعروض العالمي بنسبة 5.2%، إلى تحولات هيكلية عميقة في موازين القوة الدولية.

فمن جهة، تُكسب هذه الارتفاعات الدول المصدرة للطاقة فائضاً مالياً ضخماً يعزز موازناتها العامة ويمنحها هامش مناورة واسعاً في السياسة الدولية، حيث تتحول موارد الطاقة والغذاء إلى أدوات ضغط جيو-اقتصادية وأوراق مساومة استراتيجية في التكتلات العالمية. وعلى الجانب الآخر، تجد الدول المستوردة للغذاء والوقود نفسها أمام عجز متزايد في الموازين التجارية وفرار متسارع لرؤوس الأموال، مما يفرض على العديد منها إما الخضوع لإملاءات اقتصادية قاسية أو البحث عن تحالفات جديدة لضمان الحد الأدنى من التدفقات السلعية، وهو ما يسرّع التفكك التدريجي للتحالفات التقليدية لصالح تكتلات جديدة مبنية بالكامل على مفهوم أمن الإمدادات. ومع امتداد هذه الضغوط التراكمية إلى أسعار المواد الغذائية التي يُتوقع أن تسجل ارتفاعاً بنسبة 18% على مدار عامين متتاليين، ينشأ محور نفوذ جديد يربط بين كبار منتجي الطاقة وكبار منتجي الأسمدة والحبوب، مما يهمش القوى المستوردة التي تفتقر للموارد الطبيعية وتفتقد للحماية المالية.وتتضاعف هذه المخاطر بالنظر إلى أن الاقتصادات النامية والمستوردة للطاقة تمثل الحلقة الأضعف في مواجهة هذه الصدمات المركبة. فتصاعد أسعار الوقود واضطرابات الشحن يرفعان تكاليف اللوجستيات إلى مستويات قياسية، مما يدفع الدول والشركات نحو ممارسات الاحتراس المخزوني وفرض قيود على التصدير لحماية أسواقها المحلية، وهي سلوكيات تفرغ سلاسل الإمداد من مرونتها وتُحدث نقصاً حاداً في توفر المواد الخام الأساسية. ونظراً لأن الاقتصادات النامية تعتمد بشكل أساسي على استيراد الغذاء والوقود، فإن ارتفاع أسعارها عالمياً يُترجم فوراً إلى تضخم مستورد يلتهم الدخل الحقيقي للمواطنين، ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية وانخفاض مستويات المعيشة، مما يرفع من مخاطر الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. ولتطويق هذا التضخم، تضطر البنوك المركزية في هذه الدول إلى رفع أسعار الفائدة بمستويات قياسية، ورغم أن الهدف هو كبح جماح الأسعار، إلا أن ذلك يعوق الاستثمار المحلي وترتفع معه تكلفة خدمة الديون السيادية، مما يدفع بهذه الاقتصادات نحو حالة معقدة من الركود التضخمي حيث يجتمع ركود النمو مع ارتفاع الأسعار في بيئة اقتصادية شديدة الاضطراب.
ويرى الدكتور خثير شين، مدير معهد اقتصاد إيليزي، في تصريح لبوابة الجزائر، أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة لا يمثل مجرد اضطراب ظرفي عابر في الأسواق النفطية، بل يعكس تحولاً أعمق في موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية، حيث أصبحت القدرة على تأمين إمدادات الطاقة والغذاء أحد المحددات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والسيادة الوطنية.
ويستند شين إلى توقعات البنك الدولي الصادرة في أكتوبر 2026، والتي يُرتقب فيها ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 32% بالتزامن مع تراجع المعروض النفطي العالمي بنسبة 5.2%، ليؤكد حجم الضغوط الهيكلية التي تواجه الأسواق الدولية وتدفع نحو إعادة توزيع الموارد المالية بين الدول المصدرة والمستوردة. ففي الوقت الذي تستفيد فيه الدول المصدرة من تحسن إيراداتها وعائداتها من النقد الأجنبي بما يمنحها هامشاً أوسع لتمويل الاستثمارات وتعزيز احتياطاتها المالية، تجد الدول المستوردة نفسها في مواجهة قفزات متتالية في فواتير الطاقة وضغوط متزايدة على موازين المدفوعات والميزانيات العمومية.ويستدرك الدكتور خثير شين موضحاً أن استفادة الدول المنتجة ليست مطلقة أو تلقائية، كونها تظل مرهونة بحجم صادراتها الفعلية واستقرار مستويات إنتاجها، إلى جانب تأثرها بتباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع تكاليف السلع التي تستوردها من الخارج. وتتكشف خطورة هذه الموجة الحالية في انتقال آثارها المباشرة وغير المباشرة من أسواق الطاقة إلى أسواق الغذاء، بالنظر إلى أن النفط والغاز يشكلان مدخلاً رئيسياً في تكاليف الإنتاج الفلاحي وصناعة الأسمدة وعمليات النقل والتخزين. وعندما تقترن هذه الارتفاعات باضطرابات الشحن وتراجع المحاصيل، تجد الدول المستوردة للغذاء والطاقة نفسها أمام صدمة مزدوجة، تتقلص معها قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية وتتزايد درجة اعتمادها على الموردين الخارجيين.
وعلى صعيد التوازنات الدولية، يؤكد شين أن هذه التحولات تعيد تشكيل العلاقات التجارية والتحالفات الاقتصادية بشكل ملموس، من خلال دفع الدول نحو تنويع مصادر الاستيراد، وإبرام عقود توريد طويلة الأجل، وتدعيم المخزونات الاستراتيجية، فضلاً عن توسيع الاستثمار في الطاقات البديلة والإنتاج الغذائي المحلي؛ وبذلك تتجاوز الطاقة والغذاء مفهوم السلع التجارية المجرّدة لتصبح عناصر حاسمة في معادلة الأمن الاقتصادي.
ويخلص مدير معهد اقتصاد إيليزي إلى أن التحول الجيوسياسي الأبرز لا يكمن فقط في تدفق عائدات مالية إضافية للبلدان المصدرة، بل في ارتفاع القيمة الاستراتيجية للدول القادرة على توفير إمدادات مستقرة وموثوقة، مشدداً على أن الدول التي ستنجح في الجمع بين أمن الطاقة والأمن الغذائي وتنويع الشركاء ستكون الأكثر قدرة على مواجهة الصدمات وصيانة استقلالية قرارها الاقتصادي، إذ لم تعد القوة الاقتصادية تُقاس بحجم الموارد الطبيعية المجرّدة، بل بالقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد وتحويل الموارد إلى قدرات إنتاجية وصناعية وتكنولوجية مستدامة.
الانعكاسات المباشرة على سلاسل الإمداد ومعدلات التضخم في الاقتصادات النامية
ويوضح الدكتور خثير شين لبوابة الجزائر أن الاقتصادات النامية والمستوردة للطاقة تأتي في مقدمة الدول الأكثر هشاشة وتعرّضاً للتداعيات، بالنظر إلى اعتمادها الواسع على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها الأساسية من الوقود والحبوب والزيوت والأسمدة. وتتضاعف خطورة هذا الوضع نتيجة تزامن الارتفاع السعري مع اختناقات سلاسل الإمداد، مما يتجاوز مجرد زيادة عبء الفاتورة الاستيرادية إلى احتمالات تجسد أزمات حقيقية في تأخر وصول السلع أو تراجع الكميات المتاحة في الأسواق المحلية.
وتنتقل هذه الصدمة التضخمية عبر قنوات متتابعة تتصدرها فاتورة الطاقة، لتسري في عروق تكاليف الإنتاج الصناعي والفلاحي والنقل والتخزين، وتستقر أخيراً في أسعار السلع والمنتجات النهائية.ويشير شين إلى تقديرات البنك الدولي التي تتوقع ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً بنحو 10% في عام 2026، يليه ارتفاع إضافي بنسبة 7% في عام 2027، بما يمثل زيادة تراكمية تقارب 18% على مدار العامين، وهو ما ينبئ باستمرار الضغوط السعرية حتى وإن شهدت الاضطرابات الجيوسياسية انحساراً نسبياً. وتشتد حدة هذه الآثار داخل الاقتصادات النامية مع تراجع قيمة العملات الوطنية، حيث يؤدي انخفاض سعر الصرف إلى مضاعفة تكلفة الواردات بالعملة المحلية. ويترتب على قفزات أسعار الغذاء استنزاف الجزء الأكبر من دخل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، ما يقلص قدرتها الإنفاقية على قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والخدمات، وينعكس سلباً على حركة الطلب الداخلي ومجمل النشاط الاقتصادي.
وعلى مستوى القطاع الإنتاجي والمؤسساتي، يلفت الدكتور خثير شين إلى أن ارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة والنقل يتسبب في تضخم تكاليف التشغيل وتآكل هوامش الربحية، مما يدفع العديد من المنتجين إما إلى تحويل العبء السعري للمستهلك أو تقليص الإنتاج وتأجيل الاستثمارات.
وتفتح هذه الديناميكية الباب أمام مخاطر السقوط في ظاهرة “الركود التضخمي”، حيث ترتفع الأسعار بالتزامن مع تراجع القدرتين الإنتاجية والشرائية، وهو معطى يصعب معالجته باستخدام أدوات السياسة النقدية التقليدية بمفردها. وفي المقابل، تجد الحكومات نفسها أمام معادلة مالية صعبة تشترط حماية القدرة الشرائية وضمان التموين، مقابل ارتفاع كلفة دعم الطاقة والغذاء وزيادة الضغط على الميزانيات؛ الأمر الذي يجعل التوسع غير المدروس في الدعم مفاقماً للاختلالات المالية، بينما يؤدي رفعه المفاجئ إلى صدمات اجتماعية حادة، ما يستدعي اعتماد تدخلات موجّهة بدقة للفئات الأكثر هشاشة وترشيد كفاءة الإنفاق العمومي.ويؤكد شين في ختام تحليله أن تجاوز هذه الصدمات المركبة يتطلب الانتقال الحاسم من نمط إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومات اقتصادية مرنة تتسم بالاستباقية، وذلك عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتطوير الإنتاج الفلاحي والصناعات الغذائية المحلية، وتحسين شبكات اللوجستيات والتخزين، واستحداث أنظمة رقمية متطورة لمتابعة الأسعار وحركة المخزون.
ويختم الدكتور خثير شين بتأكيد أن الخطر الأكبر لا يقف عند حدود الارتفاع الظرفي للأسعار العالمية، بل في احتمال تحول الصدمات الخارجية إلى اختلالات هيكلية داخلية تمس الإنتاج والتشغيل والاستقرار المالي؛ مبيناً أن الاقتصادات الأكثر قدرة على الصمود في وجه التضخم المستورد ليست تلك التي تمتلك أضخم الاحتياطيات المالية فحسب، بل التي تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة وسلاسل إمداد مرنة وقدرة مؤسسية على التدخل المبكر.





















