بوابة الجزائر الاخبارية – في مشهد يعكس عمق العزلة والتخبط وقف ممثل الاحتلال المغربي أمام مجلس الأمن ليقدم عرضا مفضوحا من الأكاذيب والتناقضات، محاولا عبثا شرعنة نصف قرن من الاحتلال العسكري والضم القسري للصحراء الغربية. لم تكن كلمته دفاعا عن القانون الدولي، بل تباكيا رخيصا وهروبا إلى الأمام من حقيقة واحدة لا تحتمل التأويل: المغرب قوة احتلال، والصحراء الغربية إقليم غير مستقل ينتظر تقرير مصيره.
انبرى مندوب المخزن، مسكونا بهوسه المرضي تجاه الجزائر، ليهاجم الدور الجزائري المبدئي الداعم لحق الشعوب في تقرير مصيرها. نسي أو تناسى أن الجزائر لم تحتل شبرا واحدا من أرض الصحراء الغربية ولم تبنِ جدارا مليئا بالألغام، ولم تمارس اعتقالا تعسفيا ولا اختفاء قسريا. الجزائر تستضيف لاجئين هجّرتهم آلة الحرب المغربية عام 1975، بينما الرباط هي التي دخلت الإقليم بالقوة ورفضت الاستفتاء الذي سبق أن وافقت عليه. ويرفض الاحتلال المغربي حتى اليوم تنظيم استفتاء حر ونزيه ويحاول فرض «حكم ذاتي» تحت سيادته كبديل عن حق تقرير المصير الذي تؤكده الأمم المتحدة صراحة كما ورد في قرار مجلس الأمن 2797 (2025) الذي نرفق نسخة مصورة منه.

الأسطوانة المشروخة التي رددها ممثل الاحتلال عن أن سكان مخيمات تندوف «ليسوا صحراويين» بل مواطنون من دول مجاورة، تكشف حجم الإفلاس السياسي والأخلاقي. هذه محاولة يائسة لطمس هوية شعب بأكمله، وإنكار حقائق ديموغرافية وتاريخية وثقتها الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية على مدى عقود. وتؤكد بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) تطور عدد اللاجئين من الصحراء الغربية المسجلين في الجزائر بين عامي 2023 و2024 كما هو موضح في الصورة المرفقة، حيث ارتفع العدد المسجل بشكل واضح مما يدحض مزاعم الإنكار المتكررة. الصحراويون في المخيمات هم أبناء الأرض الأصليين فرّوا من القصف والبطش وما زالوا يتمسكون بحقهم في العودة إلى وطن حر وسيد. من ينكر وجودهم اليوم هو نفسه الذي يرفض تسجيل السكان في المناطق المحتلة ويمنع المفوضية السامية من العمل بحرية هناك.

كما ادّعى ممثل المغرب حرصه على «حرية التنقل» و«حقوق الإنسان» متجاهلا تماما جدار العار الذي بناه نظامه بطول أكثر من 2700 كيلومتر والمليء بالألغام، والذي يفصل العائلات ويمنع أي حركة حرة وفيه تمارس الاعتقالات التعسفية والتعذيب والقمع الممنهج ضد أي صوت صحراوي، وتغلق الأبواب أمام لجان تقصي الحقائق الأممية. من يتحدث عن حماية اللاجئين وهو يمنع عودتهم الكريمة إلا تحت سقف الاحتلال يمارس ابتزازا سياسيا مكشوفا.
وتؤكد وقائع لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (ماي 2026) حجم هذا النفاق حيث خلصت مجددا إلى أن المغرب انتهك حقوق المحتجزين الصحراويين المرتبطين باحتجاجات مخيم أكديم إيزيك مشيرة إلى «نمط ثابت من الاعتقالات التعسفية، الحبس الانفرادي وأعمال التعذيب أو سوء المعاملة أثناء الاستجواب، واستخدام الاعترافات المنتزعة بالإكراه في الإجراءات القضائية». ونشرت اللجنة قراراتها بعد مراجعة شكاوى تتعلق بمحتجزين تعرضوا – بحسب ما أفادوا – للضرب المبرح والحرق بالسجائر والتهديد بالاغتصاب والتعليق في وضعية «الدجاجة المشوية» والفلقة والحرمان من الطعام والرعاية الطبية ومنع التواصل مع المحامين. وأكدت اللجنة أن هذه ليست حالات فردية بل خلل بنيوي، داعية المغرب إلى تحقيقات نزيهة وفق بروتوكول إسطنبول وتقديم تعويض كامل ومراجعة الإدانات.


أما المزايدة الرخيصة بقضية فلسطين فهي قمة الوقاحة والنفاق. نظام يهرول نحو التطبيع العسكري والاستخباراتي مع الكيان الصهيوني، ويحوّل أراضيه إلى منصة للتنسيق الأمني وصفقات السلاح والتجسس لا يملك أي حق أخلاقي في الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني أو الشعوب المحتلة. فقد كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن تعاون سري وثيق استمر قرابة ستين عاماً بين المغرب وإسرائيل في مجالات السلاح والتجسس وحتى الاغتيالات قبل أن يتوج بالتطبيع الرسمي. كما أكدت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن المغرب أصبح أحدث زبائن شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) بنشر منظومة الدفاع الجوي «باراك إم إكس» المتوسطة المدى، في صفقة بلغت قيمتها 500 مليون دولار، في وقت يواجه فيه تهديدات جوية متزايدة. المقارنة بين الصحراء الغربية وفلسطين ليست «مخزية» كما ادّعى ممثل المخزن بل منطقية: شعبان يواجهان احتلالا ورفضا لتقرير المصير ومحاولات ضم بالقوة.




وبهذا كانت كلمة ممثل الاحتلال المغربي في مجلس الأمن لم تكن سوى حلقة جديدة في مسلسل التزييف الممنهج. حاول قلب الضحية جلادا والمحتل مدافعا عن القانون والاحتلال واقعا يُراد فرضه بالقوة والدعاية. لكن الوقائع أقوى من كل الأكاذيب والجلسة نفسها كشفت حجم العزلة التي تحيط بأطروحته التوسعية.
فبينما انشغل مندوب المخزن بمهاجمة الجزائر وإنكار هوية شعب بأكمله أعادت مواقف دول دائمة العضوية التأكيد على أن حق تقرير المصير للشعب الصحراوي يبقى الأساس الذي لا غنى عنه لأي تسوية. وضربت روسيا بموقفها الحازم مستخدمة حق الفيتو لرفض محاولات الالتفاف على جوهر القضية أو تحويلها إلى ملف إنساني أو فرض حلول أحادية تتجاوز قرارات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة.
بهذا يتضح أن خطاب ممثل الاحتلال لم يكن دفاعا عن القانون الدولي بل محاولة يائسة لتغطية إفلاس سياسة التوسع فحق تقرير المصير ليس ورقة تُساوَم عليها، والاستفتاء الحر والنزيه يبقى الطريق الوحيد لإنهاء احتلال طال أمده مهما حاول المحتل وحلفاؤه طمس هذه الحقيقة.














