بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل المؤسسات الصناعية الجزائرية الساعات الأخيرة لاستكمال التصريح ببيانات إنتاجها ومدخلاتها وتقارير نشاطها عبر المنصة الرقمية «الإنتاج الوطني»، قبل انقضاء الأجل المحدد يوم الاثنين 31 أوت 2026، لتبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية تتمثل في تحويل الكتلة الجديدة من البيانات إلى خريطة تشغيلية تكشف حجم الإنتاج الفعلي، ومستوى استغلال المصانع، والطاقات المعطلة، وحاجات سلاسل القيمة، وفرص تصنيع السلع المستوردة محليًا.

تستعد وزارة الصناعة للانتقال من جمع التصريحات الإدارية المتفرقة إلى بناء قاعدة معلومات أوسع عن الجهاز الإنتاجي الوطني، بعد استكمال المؤسسات الاقتصادية التابعة للقطاع الصناعي عملية إدخال بياناتها عبر منصة «الإنتاج الوطني»، في خطوة يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة السياسة الصناعية على أساس الأرقام الفعلية، بدل الاعتماد على القدرات النظرية أو التقديرات الجزئية.
وخلافًا لما ورد بشأن انتهاء العملية يوم 30 أوت، فإن وزارة الصناعة حددت يوم 31 أوت 2026 آخر أجل للتصريح بالإنتاج وتقديم تقارير النشاط، داعية المؤسسات المعنية إلى استكمال العملية قبل انقضاء مدتها القانونية. وأوضحت أن الإجراء يندرج ضمن دعم النظام الإحصائي الوطني، بما يسمح بتوفير معطيات شاملة وموثوقة تساعد على اتخاذ القرار وحماية الإنتاج الوطني.
وتستند العملية إلى القرار الوزاري المشترك المؤرخ في 26 أفريل 2025، الذي يحدد كيفيات تسليم المؤسسات الاقتصادية التابعة لقطاع الصناعة، والخاضعة للقانون الجزائري والممارسة لنشاط إنتاج السلع، بياناتها المتعلقة بالإنتاج المادي والعناصر الداخلة المستعملة، فضلًا عن إعداد تقارير نشاطها. وبذلك لا يقتصر التصريح على رقم الأعمال أو التسمية التجارية للمؤسسة، بل يمتد إلى صميم العملية الصناعية: ماذا تنتج المؤسسة، وبأي كمية، وبأي مدخلات، وما مستوى نشاطها الفعلي؟

وتحمل هذه التفاصيل قيمة اقتصادية أكبر من مجرد استكمال قاعدة إحصائية، لأن الفارق بين امتلاك الجزائر آلاف المؤسسات المسجلة وامتلاك جهاز إنتاجي قابل للقياس يكمن في معرفة ما يعمل منها فعلًا، ونسبة استخدام خطوطه، وحجم مساهمته في تلبية الطلب الوطني، وطبيعة المدخلات التي يعتمد عليها، ومدى ارتباطه بموردين محليين أو خارجيين.
فالطاقة الإنتاجية المعلنة لا تساوي بالضرورة الإنتاج المحقق. وقد تمتلك وحدة صناعية قدرة سنوية كبيرة، لكنها لا تستخدم سوى جزء منها بسبب نقص المواد الأولية أو صعوبات التموين أو أعطال التجهيزات أو ارتفاع كلفة النقل أو ضعف الطلب أو مشكلات التسويق. وفي المقابل، قد تعمل وحدات أخرى بالقرب من حدودها القصوى، بما يكشف حاجة السوق إلى توسعة خطوطها أو إنشاء استثمارات مكملة داخل الشعبة نفسها.
ومن هنا، تسمح مقارنة الطاقة المركبة بالإنتاج المحقق باحتساب معدل استغلال القدرات لكل مؤسسة وشعبة ومنطقة صناعية. كما تكشف الفجوة بين الرقمين مقدار العرض الذي يمكن إضافته إلى السوق من دون بناء مصانع جديدة، وذلك عبر معالجة الاختناق الذي يعطل الوحدة القائمة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المرحلة التي تقود فيها الجزائر، تحت إشراف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تحولًا اقتصاديًا يستهدف رفع مساهمة القطاعات المنتجة، وتقليص التبعية للواردات، وتوسيع الصادرات خارج المحروقات. فالانتقال إلى صناعة أكثر تنافسية لا يبدأ دائمًا من تشييد وحدات جديدة، وإنما من معرفة الأسباب التي تمنع المصانع القائمة من العمل بكامل إمكاناتها.
وفي بعض الأنشطة، قد يكون رفع استغلال قدرة موجودة من 40% إلى 70% أسرع أثرًا وأقل تكلفة من إنشاء استثمار جديد يؤدي الوظيفة الإنتاجية نفسها. غير أن الوصول إلى هذا القرار يتطلب بيانات دقيقة تفسر مصدر التعطيل: هل يتعلق بالمواد الأولية، أم قطع الغيار، أم التمويل، أم العقار، أم الطاقة، أم النقل، أم صعوبة النفاذ إلى السوق؟
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف أن الرهان الفعلي يبدأ بعد انتهاء مرحلة التصريح، مؤكدًا أن «قيمة اليقظة الصناعية لا تكمن في جمع البيانات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى معرفة، ثم إلى قرار».
ويعني ذلك أن نجاح المنصة لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي صرحت ببياناتها، بل بجودة المعلومات المودعة، ونسبة تغطيتها للنسيج الصناعي، وقدرة الوزارة على تدقيقها وتحيينها وربطها بمؤشرات التجارة الخارجية والاستثمار والتشغيل والتموين.
كما يرى هادف أن معرفة عدد المؤسسات لا تكفي لتكوين صورة حقيقية عن الصناعة الوطنية، إذا لم تقترن بمستويات الإنتاج الفعلية، والقدرات المتاحة، ومعدلات استغلالها، والتوزيع القطاعي والجغرافي للنشاط. فمؤسستان تعملان في النشاط نفسه قد تبدوان متشابهتين في السجل الإداري، بينما تختلفان جذريًا من حيث التكنولوجيا والإنتاجية ونسبة الإدماج وحجم العمالة والقدرة على التصدير.

ويمكن للتحليل الجغرافي للبيانات أن يضيف بدوره بُعدًا جديدًا إلى السياسة الصناعية، إذ يسمح بتحديد الولايات التي تضم تجمعات إنتاجية متكاملة، والمناطق التي تملك مصانع لكنها تفتقر إلى الموردين أو الخدمات اللوجستية، فضلًا عن رصد الفوارق في استغلال المناطق الصناعية ومناطق النشاط.
وعند إسقاط هذه المعلومات على شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومصادر الطاقة ومواقع المواد الأولية، يمكن الانتقال من توزيع إداري للاستثمار إلى تخطيط صناعي يقوم على الكلفة والجدوى والاقتراب من المدخلات والأسواق. كما تستطيع السلطات تحديد المواقع الأنسب لإقامة منصات التخزين والتحويل والمناولة، بدل تشتيت الاستثمارات من دون روابط إنتاجية بينها.
وتبرز القيمة الثانية للمنصة في تحديد الحلقات المفقودة داخل سلاسل القيمة الوطنية. فعندما تصرح المؤسسات بالمواد والعناصر الداخلة في عملياتها الإنتاجية، يمكن معرفة المكونات التي تُصنع محليًا، وتلك التي تعتمد المصانع في توفيرها على الاستيراد، والمواد التي يتسبب غيابها في تعطيل عدة فروع صناعية في الوقت نفسه.
وبذلك لا يعود ملف الإحلال محل الواردات قائمًا على قوائم عامة للسلع المستوردة، بل ينتقل إلى تحليل تقني يحدد المنتج المطلوب ومواصفاته والكميات التي يستهلكها النسيج الصناعي وعدد المشترين المحتملين وحجم السوق الذي ينتظر المستثمر.

وتسمح هذه القراءة بالتمييز بين سلعة يمكن تصنيعها محليًا بصورة تنافسية، ومدخل لا يزال إنتاجه يحتاج إلى تكنولوجيا أو حجم سوق أو استثمار لا تتوافر شروطه بعد. كما تساعد على تجنب إنشاء مشاريع لا تستند إلى طلب صناعي قابل للقياس، أو فرض بدائل محلية لا تستجيب لمعايير الجودة والسعر وآجال التسليم.
ويتوقف نجاح سياسة الإحلال على هذه الدقة، لأن تقليص الواردات بصورة مستدامة لا يتحقق بمجرد منع دخول منتج أجنبي، وإنما بتطوير عرض محلي قادر على ضمان الكمية والجودة والاستمرارية والتكلفة المقبولة. وإذا كشفت البيانات، على سبيل المثال، أن عددًا كبيرًا من المصانع يستورد مكوّنًا وسيطًا واحدًا، فإن تجميع الطلب الوطني عليه قد يحول إنتاجه محليًا إلى مشروع قابل للتمويل والتنفيذ.

وفي الاتجاه نفسه، تستطيع قاعدة الإنتاج الجديدة تحسين إدارة رخص وبرامج الاستيراد، عبر الفصل بين احتياجات حقيقية مرتبطة بخطوط تعمل وتنتج، وطلبات لا تتناسب مع مستويات النشاط المصرح بها. كما يمكن مطابقة كميات المدخلات المستوردة مع حجم الإنتاج المحقق، بما يعزز شفافية السوق ويحمي المنتجين الجادين من المنافسة غير المتكافئة ومن تحويل بعض الامتيازات الموجهة للإنتاج إلى نشاط تجاري مقنع.
غير أن هذا الاستخدام يتطلب منظومة ربط مؤسساتي لا تبقى فيها بيانات الصناعة معزولة داخل منصة واحدة. فالقيمة الاقتصادية القصوى تظهر عندما تُقاطع معلومات الإنتاج، ضمن الضوابط القانونية وحماية سرية المؤسسات، مع بيانات الجمارك والسجل التجاري والجباية والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار والديوان الوطني للإحصائيات وهيئات التشغيل والتجارة.
ومن شأن هذا الربط أن يجيب عن أسئلة مركزية: ما الصناعات التي حصلت على استثمارات جديدة ورفعت إنتاجها فعلًا؟ ما أثر الامتيازات الممنوحة في حجم العرض والتشغيل؟ ما الشعب التي تستورد مدخلات كثيفة لكنها تحقق قيمة مضافة مرتفعة؟ وأي الأنشطة تملك فائضًا قابلًا للتصدير؟
كما تسمح المتابعة الدورية بقياس الفاصل الزمني بين دخول الاستثمار مرحلة الاستغلال وبلوغه طاقته المستهدفة، ورصد المشروعات التي تعطلت بعد حصولها على العقار أو التمويل أو الامتيازات. وعندها تتحول البيانات من وصف ساكن للنسيج الصناعي إلى أداة لمراقبة التنفيذ وقياس مردودية السياسات العمومية.

وتتسع القيمة الاستراتيجية للعملية إلى ملف التصدير، إذ يمكن تحديد المؤسسات التي تنتج بأقل من طاقتها رغم امتلاكها منتجات مطابقة وقابلة للتسويق خارجيًا، ثم توجيه المرافقة إليها بدل توزيع برامج الدعم بصورة أفقية. فقد تكون المشكلة في غياب الاعتماد التقني أو ضعف التغليف أو نقص المعلومات عن الأسواق أو ارتفاع كلفة النقل، وهي عراقيل تختلف جذريًا عن نقص القدرة الإنتاجية.
وعندما تعرف السلطات حجم الفائض الممكن داخل كل شعبة، تستطيع بناء برامج تصدير أكثر دقة، وربط المؤسسات بالأسواق المستهدفة، والتفاوض بشأن المسائل الجمركية والصحية والفنية على أساس عرض وطني محدد، بدل الترويج العام لمنتجات لا تتوافر عنها كميات منتظمة.
في المقابل، تستوجب مرحلة ما بعد غلق المنصة معالجة تحديات مرتبطة بجودة البيانات. فقد تستخدم المؤسسات منهجيات مختلفة في احتساب قدراتها، أو تقدم أرقامًا لا تسمح بالمقارنة المباشرة، أو تخلط بين الطاقة النظرية والإنتاج الممكن في ظروف التشغيل الفعلية. لذلك يتطلب بناء الخريطة الصناعية توحيد التعاريف، والتحقق من التناسق الداخلي للتصريحات، ومعالجة القيم غير المنطقية، ثم تحيين المعلومات دوريًا.
كما ينبغي ألا تتحول العملية إلى لقطة إحصائية تُلتقط مرة واحدة ثم تفقد صلاحيتها، لأن الإنتاج الصناعي يتغير تبعًا للطلب والأسعار والاستثمارات والصيانة وتوافر المدخلات. فقاعدة البيانات التي لا تُحدّث قد تقود إلى قرارات أكثر ضررًا من غياب المعلومة، خصوصًا عند تحديد حاجات الاستيراد أو توجيه رؤوس الأموال.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى لوحات قيادة قطاعية تُحدّث بانتظام، وتعرض مؤشرات الطاقة المركبة والإنتاج الفعلي ونسبة الاستغلال وحجم المدخلات المحلية والمستوردة والمبيعات والمخزون والعمالة والصادرات. كما يمكن تطوير نظام إنذار مبكر يرصد التراجع غير المعتاد في إنتاج سلعة استراتيجية، أو الارتفاع المفاجئ في استهلاك مدخل مستورد، أو ظهور اختناق مشترك بين عدد من المؤسسات.
ولا تعني مركزية المعلومات الكشف عن الأسرار التجارية للمؤسسات، بل تتطلب حوكمة دقيقة تحدد صلاحيات الوصول، وتحمي البيانات الفردية، وتنشر في المقابل مؤشرات مجمعة تساعد المستثمرين والباحثين والمنظمات المهنية على فهم اتجاهات السوق. فالمستثمر يحتاج إلى معرفة حجم الطلب والفجوات القائمة من دون الاطلاع على التفاصيل السرية لمنافسيه.
كما أن نشر مؤشرات صناعية مجمعة ومحيّنة يمكن أن يحسن جودة القرار الخاص، لا القرار العمومي فقط. فعندما تتوفر رؤية واضحة عن تطور الشعب والطاقات والطلب على المدخلات، يصبح بوسع البنوك تقييم المشاريع بصورة أفضل، وتستطيع المؤسسات بناء خطط توسع أكثر واقعية، بينما يحدد الموردون فرص إقامة صناعات مناولة جديدة.
وبهذه الصورة، تمثل منصة «الإنتاج الوطني» نواة محتملة لمرصد دائم لليقظة الصناعية، ينتقل بالقطاع من عدّ المؤسسات إلى قياس أدائها، ومن تسجيل النشاط إلى تحليل سلاسل القيمة، ومن معالجة طلبات الاستثمار فرادى إلى توجيه رأس المال وفق الفجوات الحقيقية في السوق.
لكن القيمة النهائية لن تتحدد بحجم البيانات المخزنة، بل بنوعية القرارات التي ستنتج عنها. فإذا استُخدمت الأرقام لتشغيل الطاقات المعطلة، وتطوير المناولة، وتوطين المدخلات القابلة للتصنيع، وتوجيه الاستثمارات إلى الحلقات الناقصة، وتحسين الجاهزية للتصدير، تكون الجزائر قد قطعت خطوة عملية نحو سياسة صناعية تقودها المعلومة.
أما الرهان الأكبر، فيتمثل في تحويل الجرد إلى دورة مستمرة تبدأ بالتصريح، ثم التدقيق والتحليل، وبعدها القرار والتنفيذ، وصولًا إلى قياس الأثر وإعادة تحيين المعطيات. وعندها لن تكون وزارة الصناعة أمام جدول جديد للمؤسسات، بل أمام لوحة قيادة تحدد بدقة ماذا تنتج الجزائر، وما الذي تستطيع إنتاجه سريعًا، وأين تهدر قدراتها، وأي الاستثمارات قادرة على تحقيق أعلى قيمة مضافة.
وهكذا يصبح انتهاء آجال التصريح في 31 أوت بداية فعلية لا نهاية إدارية؛ بداية بناء ذاكرة رقمية للإنتاج الوطني، قادرة على جعل الاستثمار أكثر عقلانية، والاستيراد أكثر دقة، والمرافقة العمومية أكثر استهدافًا، والصناعة الجزائرية أكثر قدرة على الاندماج والتوسع والمنافسة.










