من اليمن إلى لندن.. تحقيق بريطاني يفتح الملف الأسود لأموال أبوظبي وشبكات المرتزقة
بوابة الجزائر الإخبارية: عدة ملايين من الدولارات في رواتب وحوافز، وفريق أمني يراقب منزلًا وسيارة وتحركات شخص داخل قلب لندن، بهذه الوقائع أعاد تحقيق نشرته شبكة «ITV News» في 19 أوت 2026 فتح واحد من أكثر الملفات إحراجًا للإمارات، بعدما تتبع حركة أموال إماراتية وصلت إلى أبراهام غولان، المتعاقد الأمني الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية ومؤسس شركة «Spear Operations Group»، خلال عملية سرية استهدفت الأكاديمي والناشط البريطاني أنس التكريتي عام 2016. التحقيق لا يثبت أن مسؤولًا إماراتيًا أصدر أمرًا مباشرًا باغتيال التكريتي، لكنه يوثق أن الرجل الذي أدار المهمة داخل بريطانيا كان يتلقى أموالًا من أبوظبي، وأن فريقه لم يكتف بجمع معلومات عامة، بل صوّر المنزل والسيارة، درس مداخل المكتب، تتبع التحركات، بحث المساجد والمقاهي التي قد يرتادها الهدف، وحاول خلق فرصة للوصول إليه مباشرة، فيما ظهرت داخل المحادثات إشارات إلى احتمال تصفيته جسديًا.

قائمة إماراتية تحولت إلى عملية ميدانية
تبدأ القصة قبل عملية لندن بعامين. ففي نوفمبر 2014 أدرجت الإمارات 83 منظمة على قائمة الإرهاب، بينها ثلاث مؤسسات بريطانية هي «هيئة الإغاثة الإسلامية» و«الرابطة الإسلامية البريطانية» و«مؤسسة قرطبة» التي يرأسها أنس التكريتي. غير أن التصنيف الإماراتي لم يتحول تلقائيًا إلى موقف بريطاني؛ فقد أظهرت مراسلات دبلوماسية أن مسؤولين في لندن طلبوا من أبوظبي تقديم الأدلة التي بنت عليها قرارها، بينما لم تجد مراجعة حكومية بريطانية في 2015 ما يثبت تورط جماعة الإخوان المسلمين في نشاط إرهابي داخل المملكة المتحدة. وبذلك ظهر منذ البداية فاصل واضح بين ما تعتبره الإمارات خصمًا أيديولوجيًا وما تقبله دولة مثل بريطانيا كمعيار قانوني وأمني داخل أراضيها.
لكن القضية لم تبق عند مستوى اختلاف في التصنيف. فالتكريتي، وهو مواطن بريطاني يعمل في البحث والحوار والوساطة وشارك في جهود ساعدت على تحرير أكثر من 20 رهينة في إفريقيا والشرق الأوسط، وجد نفسه بعد ذلك هدفًا لعملية مراقبة سرية، لا بسبب حكم قضائي بريطاني أو اتهام جنائي، وإنما في سياق عداء سياسي أوسع تضع فيه أبوظبي جماعة الإخوان ومن تعتبرهم قريبين منها ضمن خانة التهديد.
وهنا يتحول الملف من خلاف سياسي إلى سؤال أكثر خطورة: إلى أي حد يمكن أن تذهب أموال دولة حليفة عندما تنقل خصوماتها من الشرق الأوسط إلى داخل عاصمة غربية؟

شبكة جُرّبت في اليمن قبل أن تصل إلى بريطاني
اسم أبراهام غولان لا يظهر لأول مرة في لندن. فقبل ذلك كان قد أسس شبكة أمنية خاصة تعتمد على عسكريين غربيين سابقين لتنفيذ عمليات في اليمن، بعد تعاقد شركته مع الإمارات في 2015. وضمت فرقته أفرادًا سبق أن خدموا في القوات الخاصة الأمريكية، فيما ارتبط اسم الشبكة بمحاولة استهداف السياسي اليمني أنصاف علي مايو، بعدما زرعت متفجرات قرب المبنى الذي كان يعمل فيه. ونجا مايو، ثم أصبحت الواقعة لاحقًا موضوع دعوى مدنية في الولايات المتحدة.
الأكثر إحراجًا أن غولان نفسه سبق أن تحدث عن إدارته برنامجًا للاغتيالات المستهدفة في اليمن، وقال إنه نفذه بموافقة إماراتية، بينما وصف ديل كومستوك، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة الأمريكية شارك في تلك العمليات، أفراد المجموعة بأنهم كانوا يعملون عمليًا كـ«جنود إماراتيين». هذه الخلفية هي التي تمنح عملية لندن وزنها الحقيقي: الشخص الذي ظهر في بريطانيا لم يكن مستشارًا أمنيًا مجهول التاريخ، وإنما رجلًا سبق أن قاد عمليات استهداف مسلحة في اليمن مرتبطة بعقود إماراتية.
ثم انتقلت الآلية إلى لندن في نوفمبر 2016. تواصل غولان مع مستشار بريطاني أطلق عليه التحقيق اسم «فيكتور»، وطلب منه فتح طريق نحو التكريتي ومؤسسة قرطبة، مع التشديد على السرية. وبعد أسابيع، وصل إلى لندن وعقد لقاءات في فندق «بولغاري»، وعمل إلى جانب عنصر سابق في القوات الخاصة البحرية الأمريكية، بينما أشار إلى وجود فريق آخر داخل العاصمة البريطانية.
العرض المالي بدأ عند 50 ألف جنيه إسترليني مقابل المساعدة في الوصول إلى التكريتي، ثم ارتفع إلى 100 ألف جنيه، مع اقتراح تمرير الأموال عبر حساب خارجي وطرف ثالث. ولم يكن المطلوب كتابة تقرير سياسي أو جمع معلومات مفتوحة؛ الخطة كانت استدراج التكريتي إلى لقاء خارج منزله أو مكتبه عبر انتحال صفة مؤلف يعمل على كتاب عن الإخوان المسلمين.
وتصاعدت العملية سريعًا. طُلب عنوان المنزل ومقر العمل والمقاهي المحتملة والمسجد الذي يرتاده، وتبادلت الشبكة صورًا لمنزله وسيارته وخرائط للطرق المؤدية إلى مكتبه وصورًا فضائية وملاحظات حول المدخل الذي يستخدمه. وفي ذلك الوقت كان التكريتي يعيش مع طفلين صغيرين، أحدهما في الثالثة والآخر في عامه الأول، ما يجعل مراقبة المنزل العائلي نفسها جزءًا من عملية تجاوزت أي مفهوم عادي لجمع المعلومات.
وعندما بدأ المستشار البريطاني يشك في طبيعة المهمة، سأله شريك لغولان عما قد يحدث للتكريتي ثم مرر إصبعه على عنقه، وهي إشارة فسرها المستشار بوصفها حديثًا عن التصفية الجسدية. كما أظهرت إحدى الرسائل أن الفريق سيكون جاهزًا ميدانيًا ابتداءً من بعد ظهر 15 ديسمبر. وبعد مغادرة غولان لندن إلى واشنطن، أبلغه بأن الفريق بقي في العاصمة وأن العملية مستمرة، قبل أن ينسحب المستشار نهائيًا من التواصل في 19 ديسمبر بعدما اقتنع بأن ما يجري قد يتجاوز المراقبة.
المال يقود إلى أبوظبي.. والأمر المباشر لم يُثبت
أشد ما يضغط على الرواية الإماراتية في هذا الملف ليس وجود غولان في لندن وحده، وإنما مسار الأموال. فالسجلات المالية السرية التي حصلت عليها ITV أظهرت أن غولان كان يتلقى مقابلًا ماليًا خلال الفترة نفسها التي كان يخطط فيها لعملية استهداف التكريتي، مع راتب سنوي من ستة أرقام وحوافز ومكافآت كبيرة. وقبل أسابيع من سفره إلى بريطانيا، تلقى مليون دولار مقابل عملية سابقة استهدفت شخصية في اليمن، ثم أظهرت حسابات مودعة في الإمارات بعد عودته إلى الولايات المتحدة حصوله على عدة ملايين من الدولارات في شكل رواتب ومكافآت مرتبطة بعمله خلال الأشهر السابقة.
هذه الوقائع لا تسمح بالقفز إلى استنتاج لم يثبته التحقيق. فالسجلات لا تحدد بدقة أي دفعة خُصصت لعملية لندن، كما لم تثبت ITV صدور أمر مباشر من مسؤول إماراتي بقتل أنس التكريتي أو حتى بإطلاق المهمة داخل بريطانيا. لكن ما ثبت صحفيًا يبقى شديد الثقل: متعاقد أمني له تاريخ في عمليات استهداف مرتبطة بالإمارات، كان يتلقى أموالًا من أبوظبي بينما يدير فريقًا يراقب مواطنًا بريطانيًا داخل لندن ويحاول استدراجه، في وقت ناقشت فيه الشبكة سيناريوهات حملت إيحاءً بالقتل.
وهنا تصبح محاولة اختزال القضية في القول إن غولان ربما تصرف من تلقاء نفسه غير كافية للإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الوثائق. فإذا كانت الإمارات لم تصدر أمرًا بالعملية، فكيف ظل شخص يعمل ضمن علاقة مالية معها يتحرك بفريق داخل دولة حليفة، ويعرض مئة ألف جنيه لاستدراج شخص مدرج على قائمة إماراتية، ويستخدم شبكة من العسكريين السابقين سبق أن عملت في اليمن لحسابها؟
التحقيق لا يقدم جوابًا قضائيًا نهائيًا، لكنه يجعل السؤال مشروعًا وثقيلًا.

حين تصبح دولة حليفة مصدر خطر داخل لندن
بعد العملية، زارت الشرطة البريطانية منزل التكريتي مرتين وحذرته من وجود تهديد محتمل لحياته، مستخدمة ما يعرف بـ«إشعار عثمان»، من دون أن تكشف له مصدر الخطر أو الجهة التي قد تكون وراءه. ولم يعرف التكريتي حقيقة ما كان يجري إلا بعد قرابة عشر سنوات، عندما شاهد صور منزله وسيارته واطلع على الرسائل التي تحدثت عن تحركاته وعائلته.
أما غولان فلم يقدم ردًا مفصلًا على نتائج التحقيق، والعسكري الأمريكي السابق الذي عمل معه في لندن لم يرد بدوره، فيما لم تقدم سفارتا الإمارات في لندن وواشنطن ردًا على نتائج التحقيق، وفق المادة التي استند إليها التقرير. كما امتنعت الحكومة البريطانية عن التعليق على التفاصيل الأمنية والاستخباراتية.
وهنا لا تعود القضية خلافًا بعيدًا في اليمن أو صراع نفوذ في الشرق الأوسط. إنها تمس مباشرة سيادة بريطانيا وسلامة مواطن داخل أراضيها. فالفريق الذي تصفه الوثائق لم يعمل في منطقة حرب، بل تحرك في شوارع لندن، راقب منزلًا بريطانيًا، صوّر سيارة، درس مداخل مكتب، حاول تجنيد وسيط مقابل أموال ضخمة، وكان قائده مرتبطًا ماليًا بدولة تصنف الشخص المستهدف خصمًا لها.
وهذا هو الجانب الأكثر خطورة في الملف بالنسبة إلى صورة الإمارات. فالتحقيق يرسم مسارًا يبدأ من قائمة سياسية أصدرتها أبوظبي في 2014، يمر بعمليات استهداف نفذتها شبكة مرتزقة في اليمن في 2015، ثم يصل إلى مراقبة ناشط بريطاني داخل لندن في 2016، قبل أن تظهر بعد عشر سنوات سجلات ورسائل تكشف كيف تحرك المال والأفراد بين هذه المحطات.
والقضية بهذا المعنى لا تتعلق فقط بما إذا صدر أمر قتل مباشر أم لا؛ فهذا تحديدًا ما لم يثبته التحقيق. الأخطر أنها تكشف كيف يمكن للمال والعقود الأمنية الخاصة أن تحمل خصومات دولة من ساحة حرب إلى عاصمة يفترض أنها محكومة بالقانون والسيادة والمؤسسات.
فإذا كان اليمن قد وفر لهذه الشبكات بيئة حرب تعمل فيها بمتفجرات وفرق قتالية، فإن لندن تكشف الوجه الآخر للنموذج نفسه: مراقبة، استدراج، حسابات خارجية، مرتزقة سابقون، سيارات، صور منازل، وقوائم أهداف.
ومن هنا يصبح التحقيق ضربة قاسية للصورة التي تسعى أبوظبي إلى تسويقها عن نفسها باعتبارها شريكًا للاستقرار والأمن. فوثائق ITV، حتى مع حدودها القانونية الواضحة، تضع أمام الرأي العام البريطاني سؤالًا لا يمكن دفنه وراء لغة العلاقات الاستراتيجية: كيف يمكن لدولة تصنف نفسها حليفًا لبريطانيا أن ترتبط أموالها بمتعاقد أمني يدير عملية سرية ضد مواطن بريطاني في قلب لندن؟
والأشد إحراجًا أن القضية لم تبدأ بمعلومة استخباراتية بريطانية أو اتهام جنائي ضد التكريتي، بل بقائمة إماراتية أحادية. ثم تحولت، وفق الوثائق، من تصنيف سياسي إلى مراقبة ميدانية، ومن مراقبة إلى محاولة استدراج، ومن استدراج إلى نقاشات حملت إيحاءً بالقتل.
وبين مليون دولار مكافأة، و100 ألف جنيه لاستدراج الهدف، وملايين الدولارات في حسابات المتعاقد، وفريق يتحرك داخل لندن، تترك القضية صورة قاتمة عن الطريقة التي يمكن أن تُستخدم بها الثروة وشركات الأمن الخاصة لنقل معارك أبوظبي السياسية إلى خارج حدودها.
لكن الحقيقة التي تبقى مثبتة بدقة هي الأهم والأشد كلفة سياسيًا: لم يثبت صدور أمر إماراتي مباشر بالقتل، غير أن التحقيق وثق استمرار تدفق الأموال الإماراتية إلى الرجل الذي كان يقود العملية بينما كانت شبكته تراقب مواطنًا بريطانيًا داخل بلده.
وهذه وحدها كافية لتحويل القضية من فضيحة فردية إلى ملف يمس حدود النفوذ الإماراتي، وحدود استخدام المال، وحدود ما يمكن أن تقبله دولة حليفة عندما تصل خصومات أبوظبي إلى شوارع عاصمتها.


















