بوابة الجزائر الإخبارية: 10 ملايين و400 ألف كبسولة بريغابالين، و33 كيلوغرامًا و400 غرام من الكوكايين، بقيمة سوقية تقارب 1000 مليار سنتيم، كانت شبكة إجرامية دولية تستعد لضخها في الجزائر قبل أن يسقط هيكلها بضربة أمنية امتدت من تتبع الشحنات إلى كشف مسارات الأموال خارج البلاد.

وأظهرت التحقيقات، وفق المديرية العامة للأمن الوطني، أن خيوط التنظيم لم تكن محلية؛ فقد قاد النشاط بارونات مخدرات موجودون في المغرب إلى جانب مطلوبين فارين من العدالة الجزائرية، بينما أُسند جانب من إدارة الأموال وتحويل عائدات السموم إلى عناصر موجودة في دبي، مع امتدادات أخرى في فرنسا.
وبذلك لم تواجه المصالح الأمنية مجرد مهربين يحاولون تمرير شحنة عبر الحدود، وإنما منظومة إجرامية متعددة المستويات تجمع المصدر الخارجي، والتمويل، والتهريب، والنقل، والتوزيع وغسل العائدات، في محاولة لضخ كمية هائلة من المؤثرات العقلية والمخدرات الصلبة داخل المجتمع الجزائري.

وتكمن خطورة القضية في أن الكميات المضبوطة تخرجها من نطاق الجريمة التقليدية إلى مستوى نشاط منظم قادر على تعبئة وسائل لوجستية وتمويلية كبيرة. فـ10.4 ملايين كبسولة لا تتحرك بواسطة مهرب منفرد، كما أن 33.4 كيلوغرامًا من الكوكايين لا تمثل تجارة هامشية؛ وراءها تمويل ومسارات إمداد ووسطاء ومركبات وشبكة توزيع تحتاج إلى إدارة وتنسيق عابرين للحدود.
الخيط بدأ غربًا.. وقاد إلى المغرب ودبي
بدأت المصلحة المركزية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية «SCLTISSP» تفكيك الشبكة منذ جانفي 2026، بعد عمل استعلاماتي ركز في مرحلته الأولى على نشاط مشبوه في الجهة الغربية للبلاد.
ومع تقدم التحقيق، لم يعد الأمر يتعلق بتحديد حامل الشحنة أو نقطة توزيعها فقط، بل بكشف من يعطي الأوامر، ومن يمول، ومن يحرك الأموال، ومن يستقبل الشحنات داخل الجزائر.
ووفق المعطيات الرسمية، قادت الخيوط إلى بارونات مخدرات مغاربة يديرون جانبًا من النشاط من خارج الجزائر، وإلى أشخاص مطلوبين من القضاء الجزائري، بينما ظهرت دبي ضمن المسار المالي للشبكة من خلال عناصر تتولى تسيير الأموال وتحويل العائدات، إلى جانب أطراف في فرنسا.
وهذه المعطيات تمنح القضية بعدًا يتجاوز الحدود الجزائرية؛ إذ تكشف كيف يمكن لشبكات المخدرات أن تفصل بين مكان القيادة ومكان التمويل ومكان التوزيع، مستفيدة من تعدد الدول لتصعيب التتبع وإبعاد الرؤوس المدبرة عن مسرح الجريمة.
غير أن التحقيق الجزائري استطاع، وفق الحصيلة المعلنة، أن يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: من الشحنة إلى الناقل، ومن الناقل إلى هيكل التوزيع، ثم من الهيكل الداخلي إلى الرؤوس الخارجية ومسارات الأموال.
سموم بمليارات الدنانير كانت موجهة إلى السوق الجزائرية
القيمة السوقية للمحجوزات، والمقدرة بنحو 10 مليارات دينار أو 1000 مليار سنتيم، تكشف الحجم الاقتصادي الموازي الذي كانت الشبكة تسعى إلى إنشائه داخل الجزائر.
فهذا المبلغ لا يمثل مجرد «قيمة مخدرات» على الورق؛ إنه سيولة كانت ستتولد من استهلاك غير مشروع داخل الأحياء والمدن، ثم يعاد تحويلها عبر قنوات الشبكة إلى الخارج، لتستخدم في تمويل عمليات جديدة وتوسيع نشاط التنظيم.
ومن هذه الزاوية، فإن إحباط العملية يعني حرمان الشبكة من مورد مالي ضخم قبل أن يدخل دورة الجريمة المنظمة.
كما أن ضبط أكثر من 15 مليون دينار نقدًا يمثل جزءًا فقط من العائدات التي استطاع المحققون الوصول إليها، بينما يكشف وجود عناصر مكلفة بتحريك الأموال من دبي أن البنية المالية للشبكة كانت منفصلة جزئيًا عن عناصر النقل والتوزيع الموجودة على الأرض.
وتضع هذه النقطة دبي في القضية باعتبارها حلقة مالية وردت في التحقيق الأمني، وليس بوصف المدينة أو سكانها جزءًا من الجريمة. فالوقائع المعلنة تتحدث عن عناصر موجودة هناك تولت تسيير وتحويل الأموال، وهو ما يفتح مسارًا موازيا للتحقيق في كيفية انتقال عائدات تجارة المخدرات بين الدول ومن هم المستفيدون النهائيون منها.
19 مركبة وصهريج.. شبكة بقدرات لوجستية لا عصابة شوارع
وتكشف قائمة المحجوزات أن التنظيم أنفق بدوره على بنية نقل مخصصة لتأمين تحرك الشحنات.
فقد حجزت المصالح الأمنية 19 مركبة من أنواع مختلفة، وثلاث دراجات نارية، وشاحنة ذات مقطورة من نوع صهريج.
وجود الصهريج تحديدًا يعكس مستوى من التخطيط يقوم على استخدام وسائل نقل تبدو في ظاهرها مرتبطة بنشاط اقتصادي عادي، بينما يمكن توظيفها لإخفاء الشحنات أو تسهيل حركتها لمسافات طويلة.
ويصل مجموع وسائل النقل المحجوزة إلى 22 مركبة ودراجة، وهو رقم يوضح أن الشبكة أقامت سلسلة توزيع تحتاج إلى الانتقال بين أكثر من منطقة، لا مجرد طريق واحد بين نقطة دخول ومستهلك نهائي.
وقد جاءت الضربة الأمنية متزامنة في وهران وتيزي وزو والجزائر العاصمة والبليدة وتيبازة، ما منع عناصر الشبكة من الاستفادة من الوقت لإخفاء الأدلة أو الفرار بعد سقوط الحلقة الأولى.
وأسفرت العمليات عن توقيف 25 شخصًا، بينهم امرأة وشخص يحمل جنسية أجنبية، مع تفكيك الهيكل الذي كان يدير النشاط داخل البلاد.
وهكذا لم تكتف العملية بانتزاع المخدرات من السوق، بل استهدفت القدرة التشغيلية للشبكة نفسها: الأشخاص، والسيارات، والأموال، ومسارات النقل والاتصالات.

الضربة الجزائرية وصلت إلى المال قبل أن يتحول إلى شحنة جديدة
الجانب الأكثر أهمية في العملية هو أن مكافحة المخدرات انتقلت من منطق «حجز الشحنة» إلى استهداف اقتصاد الجريمة.
فأي شبكة عابرة للحدود تستطيع تعويض مهرب أو مركبة، لكنها تصبح أكثر ضعفًا عندما تفقد المال الذي يمول شراء الكميات التالية، والوسطاء الذين يديرون التحويلات، وشبكة النقل التي تربط نقاط الدخول بمراكز التوزيع.
ولهذا يمثل كشف عناصر موجودة في دبي تدير وتحوّل الأموال عنصرًا نوعيًا في التحقيق، لأن تجارة المخدرات تصبح أكثر خطورة عندما تكتسب قدرة على فصل الأموال عن الجريمة الأصلية ونقلها إلى أماكن بعيدة عن موقع الضبط.
كما أن وجود قيادات خارج الجزائر يعكس محاولة واضحة لجعل السوق الجزائرية ساحة للاستهلاك وجني الأرباح، بينما تبقى رؤوس الشبكة وأموالها بعيدة عن المخاطر المباشرة.
إلا أن العملية أظهرت أن المسافة لم توفر الحماية التي راهن عليها التنظيم، إذ استطاع التحقيق الأمني تحديد الأدوار والوصول إلى الامتدادات الموجودة خارج الأراضي الجزائرية.

من المغرب إلى الجزائر.. محاولة لضخ ملايين الجرعات
ويكتسب ذكر بارونات موجودين في المغرب ثقله بالنظر إلى حجم الشحنة التي كانت موجهة إلى الجزائر.
فالمعطيات المعلنة لا تتحدث عن أفراد مغاربة عابرين أو نشاط محدود، وإنما عن بارونات مخدرات مغاربة في موقع القيادة داخل شبكة دولية منظمة، وفق توصيف الأمن الوطني.
وهنا ينبغي الفصل بوضوح بين الشبكات الإجرامية والشعب المغربي؛ الاتهام يتعلق بالبارونات الذين حددهم التحقيق وبمنظومة التهريب المرتبطة بهم، لا بجنسية بأكملها.
لكن هذا التمييز لا يقلل إطلاقًا من خطورة أن تتحول الأراضي الواقعة خارج الحدود الجزائرية إلى قاعدة تتحرك منها شبكات تسعى إلى إغراق السوق الوطنية بملايين الأقراص والمواد المخدرة.
فالرقم وحده صادم: 10 ملايين و400 ألف كبسولة بريغابالين.
وإذا كانت كل كبسولة تمثل وحدة قابلة للترويج داخل السوق غير المشروعة، فإن العملية أوقفت ملايين فرص التداول قبل وصولها إلى المستهلكين، فضلًا عن كمية الكوكايين التي تجاوزت 33 كيلوغرامًا.
وهذا يفسر لماذا تتجاوز القضية الاعتبار الأمني إلى بعد اجتماعي واقتصادي؛ فالمخدرات تستنزف دخل الأسر، وتغذي السوق السوداء، وترتبط بأنشطة إجرامية أخرى، بينما تتحول عائداتها إلى رأسمال جديد بيد الشبكات التي تستهدف المجتمع نفسه.
الجزائر تضرب الشبكة في خمس ولايات ورؤوسها خارج الحدود
العملية، التي جرت تحت إشراف النيابة المختصة وبدعم جمهرة العمليات الخاصة للشرطة «GOSP»، تكشف مستوى مختلفًا من الاستجابة الجزائرية للشبكات العابرة للحدود.
فبدل انتظار توزيع الشحنات ثم معالجة آثارها على الأرض، بدأ التحقيق قبل أشهر من المداهمات، واعتمد على الاستعلام وتتبع الحركة وربط الأشخاص بمسارات الأموال والشحنات، قبل الانتقال إلى التنفيذ المتزامن.
والنتيجة كانت إسقاط 25 عنصرًا، وحجز 10.4 ملايين كبسولة، و33.4 كلغ من الكوكايين، وأكثر من 15 مليون دينار نقدًا، و22 وسيلة نقل، إلى جانب كشف امتدادات خارجية في المغرب ودبي وفرنسا.
وتحول بذلك مبلغ 1000 مليار سنتيم من قيمة كان التنظيم يراهن على تحصيلها من السوق الجزائرية إلى محجوزات خرجت من دورة الجريمة قبل بيعها.
وتلك ربما أهم نتيجة اقتصادية للعملية: الشبكة لم تخسر بضاعتها فقط، بل فقدت القدرة على تحويلها إلى سيولة تمول بها دورة جديدة من السموم.
كما توجه العملية رسالة واضحة إلى الرؤوس المدبرة الموجودة خارج الحدود: إدارة الجريمة من المغرب، وتحريك الأموال عبر عناصر في دبي، والاستعانة بامتدادات في فرنسا، لا تعني أن الشبكة أصبحت بعيدة عن التتبع الجزائري.
فالضربة بدأت من الولايات الجزائرية، لكنها انتهت برسم خريطة أوسع للمنظومة التي كانت تقف خلف الشحنات.
وبذلك تكشف أكبر عملية من نوعها للأمن الوطني أن المواجهة لم تعد فقط مع المهرب الذي يعبر الحدود، بل مع اقتصاد إجرامي دولي يحاول جعل الجزائر سوقًا لتصريف السموم، بينما يحتفظ قادته وأمواله وهوامشه خارجها.
وفي المقابل، أثبتت المصالح الجزائرية قدرتها على قلب المعادلة: بدل أن تدخل ملايين الجرعات إلى السوق ثم تخرج عائداتها إلى الخارج، جرى اعتراض المخدرات، وتوقيف عناصر التوزيع، وحجز وسائل النقل، وضرب جزء من السيولة، والوصول استعلاماتيًا إلى من يقف وراء الشبكة.
10.4 ملايين كبسولة و33.4 كيلوغرامًا من الكوكايين لم تصل إلى الشارع، و10 مليارات دينار من السموم لم تتحول إلى عائدات. وهذه هي الخسارة الحقيقية التي تلقاها بارونات الشبكة، سواء أداروا نشاطهم من المغرب أو حركوا أموالهم عبر دبي أو امتدت خيوطهم إلى فرنسا.






























