من «أكبر ضربة للاستخبارات المغربية» إلى تهديد بكشف مدبّري أحداث سبتة.. وسائل إعلام إسبانية تضع هشاشة أجهزة الرباط وعلاقتها بأوروبا تحت المجهر
بوابة الجزائر الإخبارية: لم تتعامل الصحافة الإسبانية مع إعلان مجموعة «جبروت» نشر بيانات أكثر من 70 ألف شخص يُفترض ارتباطهم بأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية باعتباره اختراقًا تقنيًا عابرًا، بل نقلته سريعًا إلى قلب النقاش المتعلق بالأمن القومي الإسباني، بعدما ربطت المجموعة التسريب بعمليات تجسس مزعومة داخل أوروبا، وهددت بالكشف عن أسماء مسؤولين وعناصر أمنية قالت إنهم أشرفوا على التخطيط لأحداث سبتة وتنسيقها.

وبينما لا تزال أصالة جميع الملفات وحجم الاختراق الحقيقي في حاجة إلى تدقيق تقني مستقل، اتفقت التغطيات الإسبانية على أن ما نشرته «جبروت» يمثل تحديًا غير مسبوق لجهازين يقعان في صميم البنية الأمنية للمغرب، هما المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، اللتان يشرف عليهما عبد اللطيف حموشي. كما أبرزت أن التسريب المعلن لا يقتصر، وفق المجموعة، على أسماء ووظائف، بل يشمل تواريخ الميلاد وأرقام الهوية والرتب وسنوات الالتحاق وبعض البيانات البنكية، بما يرفع القضية من مجرد إحراج سياسي إلى احتمال انكشاف هيكلي واسع داخل الجهاز الأمني المغربي.
غير أن الزاوية الأكثر حساسية في التناول الإسباني لم تكن عدد الأسماء في حد ذاته، رغم ضخامته، وإنما الرسالة التي وجهتها المجموعة مباشرة إلى أوروبا وإسبانيا، وادعت فيها أن عناصر مغربية نفذت على الأراضي الأوروبية مهام تجسس وتنصت وتركيب أجهزة مراقبة ورشوة سياسيين ورجال أعمال. فبمجرد إدخال إسبانيا وسبتة إلى قلب التسريب، أصبح الملف متعلقًا باحتمال نشاط استخباراتي أجنبي داخل المجال الأوروبي، وبمدى سلامة التعاون الأمني القائم بين مدريد والرباط.
من اختراق مغربي إلى قضية إسبانية
قدمت صحيفة «ABC» التسريب بوصفه قفزة جديدة في الحرب السيبرانية التي أصبح المغرب أحد أبرز ميادينها، وقالت إن «جبروت» نشرت قاعدة بيانات تضم أسماء 70 ألف عنصر مفترض في جهازي الاستخبارات الداخلية والشرطة المغربية. وركزت الصحيفة على تهديد المجموعة بنشر القائمة الاسمية لمن قالت إنهم «نسقوا خطة سبتة»، إلى جانب اتهامها مسؤولين نافذين في محيط القصر الملكي بالتورط في الأحداث.
كما أبرزت الصحيفة اسم فؤاد عالي الهمة، المستشار الرئيسي للملك محمد السادس وأحد أكثر رجال القصر نفوذًا، بعدما اتهمته المجموعة، رفقة مستشار آخر لم تكشف هويته، بالتخطيط لعملية تهدف إلى وضع إسبانيا في موقف صعب. وفي المقابل، نقلت «ABC» أن المجموعة استبعدت، في روايتها، علم الملك محمد السادس مسبقًا بما جرى، وهو تفصيل يعكس توجيه الاتهامات نحو الدائرة التنفيذية المحيطة بالقصر بدل تحميل المؤسسة الملكية المسؤولية المباشرة.
وذهبت «The Objective» أبعد في وصف حجم الضربة، إذ تحدثت عن كشف هويات 70,381 عنصرًا مفترضًا، من بينهم 21 مسؤولًا عن أجهزة استخباراتية داخل المغرب، إضافة إلى معلومات حساسة وردت، وفق الصحيفة، في أربعة ملفات إلكترونية. كما وصفت الكشف بأنه تطور «بالغ الأهمية لأوروبا وإسبانيا خصوصًا»، وربطته بما تقول المجموعة إنها أوامر مهمةات ووثائق تخص عناصر انتقلت إلى مدينة الفنيدق قبل أحداث سبتة وخلالها.
وقدمت الصحيفة التسريب باعتباره أكبر تحدٍّ فرضته «جبروت» على السلطات المغربية منذ ظهورها، معتبرة أن المجموعة وضعت أجهزة الرباط في مأزق متصاعد منذ أبريل 2025، بعدما سبق أن نشرت بيانات موظفين مرتبطين بالقصور الملكية ومعلومات منسوبة إلى ملايين المنخرطين في الضمان الاجتماعي، فضلًا عن وثائق تتعلق بممتلكات شخصيات سياسية وأمنية بارزة.
أما «El Confidencial»، الذي شكلت معلوماته مرجعًا لعدد من التغطيات اللاحقة، فقد استخدم توصيفًا أكثر حدة حين قدم التطور باعتباره «أكبر ضربة وُجهت على الإطلاق إلى الاستخبارات المغربية». وتناقلت عنه وسائل إعلام إسبانية أن تسريبات سابقة للمجموعة تضمنت معلومات صحيحة، غير أن هذا السجل لا يكفي وحده لإثبات صحة جميع البيانات الجديدة أو تأكيد أن كل اسم وارد فيها يعود إلى عنصر استخباراتي.

سبتة تعود بوصفها ورقة ضغط
لم يقتصر اهتمام الإعلام الإسباني على طبيعة الملفات المسربة، بل انتقل إلى ما يمكن أن تكشفه عن أحداث سبتة في نهاية يوليو 2026. فقد ادعت «جبروت» أن انتقال أعداد كبيرة من المغاربة نحو أوروبا، انطلاقًا من إسبانيا، لم يكن مجرد نتيجة لنشاط شبكات التهريب أو تراجع عرضي في المراقبة الحدودية، وإنما جاء ضمن «خطة رسمية» جرى إعدادها داخل المغرب.
كما هددت المجموعة بنشر أسماء عناصر أمنية قالت إنها نظمت العملية ونسقتها، وأعلنت امتلاكها نسخًا من أوامر مهمةات وُجهت إلى عناصر انتقلت إلى الفنيدق قبل الأحداث وخلالها. وإذا خضعت هذه الوثائق لفحص مستقل وثبتت أصالتها، فإن القضية ستنتقل من دائرة الاتهامات السياسية إلى ملف أمني ودبلوماسي بالغ الخطورة؛ لأنها ستطرح احتمال استخدام الضغط البشري على حدود سبتة أداةً لتحقيق أهداف داخلية أو خارجية.
وبهذا، أعادت التغطيات الإسبانية طرح سؤال ظلت مدريد تتعامل معه بحذر: هل يمثل المغرب شريكًا ضروريًا في ضبط الهجرة وحماية الحدود الجنوبية لإسبانيا، أم يملك في الوقت نفسه القدرة على تحويل هذه الملفات إلى أوراق ضغط كلما تغيرت موازين العلاقة؟
لا تقدم التسريبات وحدها إجابة نهائية عن هذا السؤال، لكنها تضرب الرواية التي تحصر أمن الحدود الإسبانية في مقدار التعاون الذي تبديه الرباط. فالشريك الذي يتحكم في تدفق المهاجرين يمكنه أن يصبح مصدر هشاشة إذا ظل الأمن الحدودي الأوروبي معتمدًا بصورة مفرطة على قراره السياسي، وهو ما يجعل الأزمة أوسع من عملية اختراق مهما بلغ حجمها.
وتظهر هذه الزاوية بوضوح في معالجة «El Faro de Ceuta»، الصحيفة الأقرب جغرافيًا إلى الحدث، التي ربطت تهديدات «جبروت» مباشرة بالدخول الجماعي إلى سبتة، وركزت على احتمال كشف هويات عناصر استخباراتية مغربية تحركت في محيط المدينة. فبالنسبة إلى الإعلام المحلي في سبتة، لا يتعلق الأمر بحرب رقمية بعيدة، بل باحتمال امتداد نشاط أمني منظم إلى الحدود الإسبانية نفسها.
سقوط صورة الجهاز «المحصّن»
ركز جزء معتبر من الصحافة الإسبانية على ما يكشفه الاختراق المزعوم عن البنية الداخلية للأجهزة المغربية. فالمغرب حرص طوال سنوات على تسويق أجهزته الأمنية بوصفها من بين الأكثر كفاءة في المنطقة، وقدم تعاونه في مكافحة الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة باعتباره خدمة استراتيجية لا غنى عنها لأوروبا.
غير أن قدرة مجموعة مجهولة الهوية على الوصول، وفق ادعائها، إلى عشرات الآلاف من السجلات الحساسة ونشر هويات مسؤولين وبياناتهم، تضع صورة الجهاز المحصن أمام اختبار قاسٍ. فالاختراق، إذا ثبت نطاقه، لا يعني مجرد فقدان ملفات، وإنما يمكن أن يكشف هياكل إدارية وشبكات ارتباط ومسارات تجنيد وترتيبات مالية، ويعرض الأشخاص الواردة أسماؤهم لمخاطر أمنية وقانونية، فضلًا عن شل قدرتهم على العمل داخل المغرب وخارجه.
ووصفت «The Objective» ما تعرضت له المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني بأنه «اختراق عميق وواسع»، ناقلة عن المجموعة أن الملفات المنشورة لا تمثل إلا جزءًا محدودًا مما حصلت عليه. كما ركزت على ورود هويات وبيانات 21 رئيسًا أمنيًا، في مؤشر ـ إذا تأكد ـ على أن الوصول لم يقتصر على موظفين صغار أو قواعد إدارية هامشية، بل لامس مستويات قيادية داخل الجهاز.
ومع ذلك، أظهرت بعض المنابر الإسبانية قدرًا أكبر من التحفظ المهني. فقد نبهت تغطيات إلى أن نشر عينة صحيحة لا يثبت تلقائيًا امتلاك قاعدة كاملة تضم 70 ألف اسم، وأن الظهور داخل سجل تابع لجهاز أمني لا يجعل كل شخص «جاسوسًا». كما أوضحت أن التسريب المعلن يرتبط أساسًا بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، ولا يقدم حتى الآن دليلًا علنيًا مكافئًا على اختراق المديرية العامة للدراسات والمستندات، المسؤولة عن الاستخبارات الخارجية.
وهذا التحفظ لا يقلل خطورة الواقعة، بل يمنع تضخيمها خارج ما تسمح به الأدلة المنشورة. فالمشكلة الثابتة ليست أن جميع أجهزة الاستخبارات المغربية انكشفت بالكامل، وإنما أن مجموعة ذات هوية غير معلومة استطاعت نشر بيانات حساسة تبدو مرتبطة بجهاز أمني مركزي، مع استمرار غياب تفسير مغربي رسمي يقنع الرأي العام بحقيقة ما حدث ونطاقه.

من «بيغاسوس» إلى «جبروت»
استدعى الإعلام الإسباني قضية «بيغاسوس» بوصفها الخلفية التي تمنح اتهامات «جبروت» وزنًا سياسيًا إضافيًا. فقد أكدت الحكومة الإسبانية سابقًا إصابة هواتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيري الدفاع والداخلية ببرنامج التجسس، مع استخراج كميات من البيانات، لكن التحقيق القضائي لم ينته إلى إسناد نهائي للهجوم إلى جهة محددة.
ومع أن المغرب نفى أي علاقة له بالعملية، ظلت الشبهات السياسية والتحقيقات الصحفية مرتبطة به، من دون صدور حكم قضائي يثبت ذلك. ولهذا شددت منابر متخصصة، بينها «Escudo Digital» و«Estrella Digital»، على أن ملفات «جبروت» لا تثبت في وضعها الحالي صلة المغرب بعملية «بيغاسوس»، وأن إقامة هذه الصلة تتطلب وثائق تقنية قابلة للتحقق، تشمل أوامر داخلية وتواريخ وأهدافًا وبيانات متطابقة مع نتائج التحقيق الإسباني.
لكن مجرد عودة اسم المغرب إلى نقاش التجسس داخل إسبانيا تعيد فتح جرح سياسي لم يُغلق. فالقضية لا تتعلق فقط بخصوصية مسؤولين حكوميين، وإنما باحتمال وصول جهة أجنبية إلى الطريقة التي تُصنع بها القرارات الإسبانية في ملفات الصحراء الغربية وسبتة ومليلية والهجرة والعلاقات مع الرباط.
ومن هنا، لم تعد «جبروت» في التناول الإسباني مجرد مجموعة تستهدف قواعد بيانات مغربية، بل تحولت إلى عامل يعيد تفكيك العلاقة المعقدة بين مدريد والرباط، حيث تتجاور الشراكة الأمنية مع الشكوك الاستخباراتية، ويتقاطع التعاون الحدودي مع الخوف من توظيف الهجرة، بينما تظل ملفات الصحراء الغربية وسبتة ومليلية حاضرة في خلفية كل أزمة.
محاولة تصدير الاتهام نحو الجزائر
في مواجهة التسريبات المتلاحقة، نسبت السلطات المغربية أنشطة «جبروت» إلى الجزائر، في امتداد لخطاب أصبح يربط الأزمات الداخلية والاختراقات الأمنية بالخصومة الإقليمية. غير أن الصحافة الإسبانية لم تتبنَّ هذه الرواية باعتبارها حقيقة مثبتة، بل نقلتها بوصفها اتهامًا مغربيًا يفتقر حتى الآن إلى دليل علني حاسم.
وأشارت «Euronews» و«El Faro de Ceuta» و«La Gaceta»، استنادًا إلى خبراء في الأمن السيبراني ومصادر استخباراتية، إلى وجود شكوك جدية في فرضية ارتباط المجموعة بالجزائر. كما أوردت احتمال أن تكون التسريبات صادرة عن عنصر سابق يمتلك معرفة داخلية بالمنظومة المغربية، بدل أن تكون عملية تقودها دولة أو شبكة إلكترونية واسعة.
ويحمل هذا التفصيل دلالة سياسية مهمة؛ إذ لم تنجح الرباط في تحويل اتهام الجزائر إلى رواية مسلّم بها داخل الإعلام الإسباني. وعلى العكس، أعاد الغموض المحيط بهوية «جبروت» توجيه الأنظار نحو احتمال وجود اختراق من الداخل، وصراع داخل أجهزة السلطة، أو ضعف في حماية قواعد البيانات الحساسة.
ولا تحتاج الجزائر إلى الانخراط في هذا السجال، لأن عبء إثبات الاتهام يقع على من يطلقه. كما أن توجيه الاتهامات إلى الخارج لا يجيب عن السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى المغرب وشركائه الأوروبيين: كيف خرجت بيانات بهذا الحجم من داخل مؤسسات يفترض أنها الأكثر تحصينًا، ومن يتحمل مسؤولية أمن الأشخاص الذين كُشفت معلوماتهم؟
المغرب من شريك أمني إلى مصدر قلق
تكشف الطريقة التي تناولت بها الصحافة الإسبانية القضية تحولًا يتجاوز عناوين الاختراق. فالمغرب الذي قُدّم لسنوات بوصفه خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة الهجرة والإرهاب، أصبح يظهر في هذه التغطيات أيضًا بوصفه ساحة اختراق سيبراني، ومصدرًا محتملًا لعمليات تجسس، وطرفًا متهمًا بتوظيف الضغط الحدودي لتحقيق أغراض سياسية.
ولا تعني هذه الصورة أن جميع الادعاءات المنسوبة إلى «جبروت» أصبحت مثبتة، لكنها تكشف تآكل الثقة المطلقة في المنظومة الأمنية المغربية. فالشراكة التي تحتاج دائمًا إلى غض الطرف عن الأسئلة الصعبة لا توفر أمنًا مستدامًا، والاعتماد الأوروبي المفرط على الرباط في ضبط الهجرة يمنحها قدرة تفاوضية قد تتحول إلى أداة ضغط عند كل أزمة.
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الخسارة لا تُقاس فقط بعدد السجلات التي أصبحت متاحة، بل بحجم الشك الذي تسلل إلى صورة أجهزته أمام شركائها. فالاستخبارات تعتمد على السرية والثقة واستمرارية الشبكات؛ وعندما تُنشر هويات مفترضة لعشرات الآلاف ويُلوَّح بكشف أوامر وعمليات خارج الحدود، يصبح الضرر سياسيًا وعملياتيًا حتى قبل التحقق من كل ملف.
لقد نجحت «جبروت» في فرض سؤالها على الإعلام الإسباني: ماذا تعرف مدريد فعلًا عن الأجهزة التي تتعاون معها جنوب المتوسط؟ أما الجواب، فلن تمنحه البيانات المسربة وحدها، بل يحتاج إلى تحقيق إسباني وأوروبي مستقل، وتدقيق تقني للملفات، ومراجعة جدية لطبيعة التعاون الأمني مع الرباط.
فإذا ثبتت أصالة الوثائق المتعلقة بسبتة، فلن تكون إسبانيا أمام اختراق للمغرب فحسب، وإنما أمام احتمال توظيف جهاز أمني لحدود دولة أوروبية وسكانها في معركة سياسية. وإذا لم تثبت، فإن حجم الارتباك الذي أحدثته العملية يظل كافيًا لإظهار ضعف الحماية الداخلية وسهولة تحويل الغموض إلى أزمة ثقة.
وفي الحالتين، تلقى المغرب ضربة يصعب اختزالها في تسريب إلكتروني: أجهزته تحت المجهر، وروايته تجاه الجزائر لم تقنع الخبراء الإسبان، وشراكته الأمنية مع أوروبا أصبحت محاطة بأسئلة تتعلق بالتجسس والهجرة والابتزاز السياسي. أما «جبروت»، فقد نقلت المعركة من خوادم الرباط إلى صدارة الصحافة الإسبانية، ووضعت مؤسسة حموشي أمام أصعب اختبار علني لصورتها ونفوذها وسريتها.










