بوابة الجزائر الإخبارية : سيارات فارهة، سفر متواصل، طائرات، فنادق فاخرة وحياة تبدو وكأنها بلا حدود مالية، هكذا تصنع بعض حسابات المؤثرين صورة الثراء على مواقع التواصل، فيتحول الاستعراض إلى محتوى يجذب ملايين المشاهدات ويصنع انطباعا بأن المال السريع والترف المفاجئ أصبحا نمط حياة عاديا.

لكن خلف هذه الصورة اللامعة، بدأت قضايا جنائية ثقيلة تفرض سؤالا أكثر إحراجا: هل كل ما نراه من مظاهر الثراء على منصات التواصل يعكس فعلا مصادر أموال واضحة ومشروعة؟
وتأتي قضية شبكة الـ228 كيلوغرامًا من الكوكايين المحجوزة بوهران لتعيد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، بعدما ارتبطت القضية بأسماء وشخصيات معروفة على مواقع التواصل، من بينها المؤثرة حمادي شهرزاد، المعروفة بلقب «شوشو».

وبينما تبقى حقيقة أي علاقة بالأفعال الإجرامية من اختصاص التحقيقات والعدالة، فإن القضية أعادت تسليط الضوء على الفجوة الصادمة بين صورة الرفاهية التي تُعرض أمام الجمهور، والواقع الذي قد تكشفه التحقيقات في بعض الملفات.
و في هذا السياق أكد مستشار تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، محمد شريف زايدي، في تصريح لـ«بوابة الجزائر»، أن الخوارزميات في منصات التواصل الاجتماعي، على غرار «تيك توك»، لا تحكم على المحتوى إن كان جيدًا أو سيئًا، ولا تعرف بالضرورة ما إذا كان الثراء الذي يعرضه الشخص حقيقيا أو مصطنعا ومزيفا، موضحا أن عملها يقوم أساسًا على منطق التفاعل.

وقال زايدي إن الخوارزمية تقيس مؤشرات، من قبيل مدة مشاهدة الفيديو، وما إذا كان المستخدم قد أكمله أم لا، وإعادة المشاهدة، والتعليقات والمشاركة والتفاعل معه، مشددًا على أن «الخوارزمية لا تفهم ولا تملك عاطفة، وإنما تفهم بالأرقام».
وأضاف أن خطورة الأمر تكمن في أن المحتوى الذي يعرض حياة فاخرة جدا، مثل السيارات والأموال والسفر والنجاح السريع وغير المعتاد، يثير الفضول والمقارنة وحتى الجدل، وبالتالي يحصل على وقت مشاهدة وتفاعل مرتفعين. وأشار إلى أنه كلما زادت هذه الإشارات، قد تفهم الخوارزمية أن المحتوى مرغوب فيه، فتوسع نطاق انتشاره.

وأوضح زايدي أن الخوارزمية «لا تُبنى على ما هو موجود»، وإنما على المشاهدات والمشاركة، مضيفًا أن الخوارزمية «لا تسأل صاحب الفيديو: من أين أتيت بهذا المال؟»، بل تطرح بصورة تقنية سؤالا مفاده: «هل هذا الفيديو قادر على إبقاء المستخدم أ نظنمام الشاشة؟».
وأشار إلى أن صناع المحتوى يعرفون ما يسمى بـ«القيمة»، أي ما إذا كان المحتوى يجعل المشاهد يكمل الفيديو أم لا، معتبرًا أن الأمر يمكن أن يتحول إلى تأثير اجتماعي حقيقي، خصوصًا على فئة الشباب.

وقال إن تعرض الشباب يوميًا لعشرات النماذج التي تربط النجاح بالمال السريع والمظاهر والثراء المفاجئ «يمكن أن يحدث مع الوقت نوعًا من إعادة تشكيل سلم القيم والتوقعات الاجتماعية»، بحيث يبدو أن الدراسة والعمل وبناء مشروع بطريقة تدريجية، باعتبارها طريقًا بطيئًا، لا تجلب النتائج، بينما يصبح الثراء السريع هو القاعدة.
وفيما يتعلق بوصف الظاهرة بـ«الحرب الناعمة»، دعا زايدي إلى استعمال المصطلح بدقة، مؤكدًا أنه «تقنيًا لا يمكننا اعتبار كل محتوى استعراضي جزءًا من حرب منظمة».
لكنه أوضح أنه في حال ثبت وجود استخدام منظم ومتعمد لشبكات من الحسابات بهدف التأثير على الرأي العام، أو تطبيع سلوكيات إجرامية، أو استدراج الشباب إلى أنشطة غير مشروعة، فإن الأمر ينتقل، حسبه، «من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى مسألة تتعلق بالأمن الرقمي وحتى بالأمن المجتمعي».
وأضاف أنه إذا أثبتت التحقيقات الرسمية أو الأحكام القضائية ارتباط بعض أصحاب هذه الحسابات بشبكات إجرامية، فإن المشكلة تصبح أخطر، لأن المنصة قد تكون منحت هؤلاء، بشكل آلي أو غير مقصود، قوة وصول وتأثير إلى مئات الآلاف أو الملايين من المستخدمين.
وفي الجانب القانوني والمؤسساتي، أكد زايدي أن هناك بالفعل أدوات قانونية ومؤسساتية للتعامل مع الجرائم المرتكبة باستعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، مشيرًا إلى وجود عدة قوانين متعلقة بالوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، إلى جانب الهيئة الوطنية للوقاية من هذه الجرائم ومكافحتها، فضلا عن القطب الجزائي الوطني المتخصص في الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال.
كما أشار إلى أن القانون يتضمن أحكامًا تخص النشر المتعمد للأخبار والأنباء الكاذبة والمغرضة عندما يكون الهدف منها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام.
غير أن زايدي شدد على أن التحرك بعد انتشار المحتوى لم يعد كافيًا، قائلًا: «نحن هنا في أمسّ الحاجة إلى الانتقال إلى الرقابة الذكية المبنية على المخاطر، وليست الرقابة الشاملة على المستخدمين».
وأوضح أن ذلك يعني تطوير منظومات للرصد المبكر، مؤكدًا أن الجزائر تملك طاقات قادرة على تنفيذ هذه الأفكار والابتكارات، التي يمكنها اكتشاف الحملات المنسقة، والشبكات التي تعيد نشر الرسائل نفسها، والحسابات التي تستعمل أنماطًا احتيالية وروابط مشبوهة، خاصة الروابط المشبوهة، وذلك باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل الشبكات.
كما شدد على ضرورة وجود آليات للتنسيق القانوني مع المنصات، بهدف الحفاظ على الأدلة الرقمية، وتوقيف الانتشار وإزالة المحتوى عندما تكون هناك أسس قانونية لذلك.
ويرى زايدي أن إحدى النقاط التي يجب تطويرها مستقبلا تتمثل في التعامل مع الحسابات ذات التأثير الجماهيري الكبير بطريقة مختلفة عن الحسابات العادية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنشاط تجاري أو مالي، من خلال مزيد من الشفافية حول الإعلانات والشراكات التجارية ومصادر العروض التي يتم الترويج لها، إلى جانب تعزيز التحقق من الهوية ومكافحة الحسابات والشبكات الوهمية.
وفي ختام تصريحه، أكد زايدي أن «المعركة ليست تقنية فقط»، لأن أفضل الخوارزميات، حسبه، لا يمكنها وحدها حماية المجتمع، مشددًا على الحاجة إلى «قانون، وتقنيات رصد، وتعاون مع المنصات، وإعلام مهني سريع في التحقق من المعلومات».
وأضاف أن الأهم يتمثل في «تربية رقمية تجعل الشباب يفهم أن ما يراه على الشاشة ليس بالضرورة انعكاسًا حقيقيًا لحياة صاحبه».

وختم بالقول إن «التحدي اليوم ليس منع وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما منع تحويل قوة الخوارزمية من أداة للاكتشاف»، موضحًا أنه يقصد اكتشاف المحتوى، «إلى أداة يستغلها المضللون أو المحتالون أو الشبكات الإجرامية للوصول إلى الشباب والتأثير فيهم».


































