بوابة الجزائر الإخبارية: قبل خمسة أشهر من زيارته الجزائر، كان وزير الاقتصاد والطاقة والسياحة النمساوي فولفغانغ هاتمانسدورفر يضع الجزائر علنًا في حسابات بلاده الجديدة لأمن الطاقة، واصفًا إياها بشريك مركزي محتمل لواردات الهيدروجين الأوروبية وبنقطة انطلاق للممر الجنوبي الذي تريد فيينا أن يربط الإنتاج في شمال إفريقيا بالصناعة في وسط أوروبا.
وفي 30 سبتمبر، ينتقل هذا التصور من المؤتمرات إلى الميدان؛ فالوزير يصل إلى الجزائر مصحوبًا بـ23 شركة ومنظمة تغطي الطاقة والصناعة والسكك والمياه والتمويل، في بعثة تكشف أن اهتمام النمسا لم يعد محصورًا في شراء الطاقة مستقبلًا، بل يمتد إلى اقتناص موقع داخل دورة الاستثمار الصناعي التي تنفذها الجزائر اليوم.
هذه هي الزاوية التي تمنح الزيارة وزنها الاقتصادي. فالنمسا تواجه حسب ما أوردته الجريدة الاقتصادية تادامسا نيوز ، مثل جزء واسع من الصناعة الأوروبية، كلفة مرتفعة للطاقة وضغوطًا متزايدة لخفض الانبعاثات وتأمين سلاسل توريد أكثر استقرارًا، فيما وضعت حكومتها استراتيجية صناعية تمتد إلى 2035 وتدفع نحو حماية القدرة الإنتاجية ورفع الاستثمار في التقنيات الاستراتيجية. وفي المقابل، تتحرك الجزائر في اتجاه مختلف لكنه مكمل: توسيع إنتاج المحروقات، إطلاق مشروعات منجمية وصناعية كبيرة، بناء خطوط سكك جديدة، رفع قدرات التحلية، تطوير صناعة السيارات والحديد والأسمدة، والتحضير لدخول سوق الهيدروجين الأوروبية.
وعند تقاطع المسارين تظهر مصلحة اقتصادية متبادلة أكثر وضوحًا من مجرد زيادة المبادلات التجارية. النمسا تبحث عن مصدر مستقبلي للطاقة وعن عقود لشركاتها الصناعية، والجزائر تبحث عن التكنولوجيا والتجهيزات والخدمات والتمويل التي تسمح لها بتسريع مشروعاتها ورفع الإدماج الصناعي.
ولهذا لا يصل الوفد النمساوي إلى سوق مجهولة. فبعض الشركات المرافقة للوزير تملك بالفعل عقودًا أو حضورًا تجاريًا في الجزائر، وبعضها أصبح طرفًا في مشروعات طاقة قارية تمس الجزائر مباشرة، بينما يأتي الجزء الآخر بحثًا عن موقع داخل برامج استثمار أصبحت واضحة المعالم.
الجزائر في قلب حساب الهيدروجين النمساوي
المدخل الأول للزيارة هو الطاقة، لكن من موقع مختلف عن علاقات الجزائر التقليدية مع الدول الأوروبية المستوردة للغاز.
ففي أفريل 2026، أعلن هاتمانسدورفر من فيينا أن الجزائر تتمتع بإمكانات كبيرة في الطاقات المتجددة وببنية تحتية طاقوية قائمة تجعلها شريكًا مركزيًا لواردات الهيدروجين المستقبلية إلى أوروبا. وربط الوزير التعاون مع الجزائر مباشرة باستراتيجية النمسا الجديدة تجاه إفريقيا وبهدف تنويع مصادر الطاقة وتقليل التبعية الجيوسياسية.
وبذلك تأتي زيارة سبتمبر استكمالًا لمسار سبق أن حدده الجانب النمساوي قبل أشهر، وليست بداية اتصال جديد.
فالوفد يضم مشغلي البنية التي يفترض أن تستقبل الهيدروجين الجزائري في الطرف الأوروبي، وعلى رأسهم TAG وGas Connect Austria، إلى جانب «VERBUND» وذراعها «VERBUND Green Hydrogen» وهيئة تنظيم الكهرباء والغاز «E-Control».
وهذه التركيبة مهمة، لأن النمسا لا تأتي بمورد تكنولوجيا هيدروجين واحد، بل بجزء من المنظومة التي يفترض أن تتلقى المنتج وتنقله وتوزعه وتضع له القواعد التنظيمية داخل أوروبا.
ويمتد ممر SoutH2 المخطط على نحو 3300 كيلومتر لربط شمال إفريقيا بإيطاليا ثم النمسا وألمانيا. أما أهم رابط مباشر بالجزائر فيتمثل في تحالف ALTEH2A، الذي يجمع سوناطراك وسونلغاز مع «VNG» الألمانية و«Snam» و«SeaCorridor» الإيطاليتين و«VERBUND Green Hydrogen» النمساوية، بهدف دراسة إنتاج الهيدروجين في الجزائر وتصديره إلى أوروبا.
وتكتسب هذه الحلقة وزنًا أكبر بعدما وقعت سوناطراك و«VNG» في جويلية 2026 عقدًا لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى ألمانيا ابتداء من جانفي 2027، بينما أكدت سوناطراك أن الشركتين شريكتان أيضًا في «ALTEH2A» وممر SoutH2. وهو ما يضع الغاز الحالي والهيدروجين المستقبلي داخل علاقة طاقوية أوروبية تتوسع تدريجيًا بدل التعامل معهما كملفين منفصلين.
وبالنسبة إلى النمسا، لا يتعلق الأمر فقط بسياسة مناخية. فالهيدروجين المستورد يستهدف أساسًا الصناعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، مثل الحديد والصلب والكيماويات والزجاج، أي قطاعات ترتبط مباشرة بالقدرة التنافسية الصناعية للبلاد.
ولهذا قال هاتمانسدورفر بوضوح إن ممر الجنوب يفترض أن يربط مناطق الإنتاج الإفريقية بالمصانع في وسط أوروبا، وأن يجعل النمسا عقدة توزيع للهيدروجين الأخضر.
بهذا المعنى، تدخل الجزائر إلى الحساب النمساوي ليس فقط كسوق لشركاتها، وإنما أيضًا كجزء محتمل من قاعدة الطاقة التي ستحتاج إليها صناعتها في العقود المقبلة.
أكبر ماكينة ورق في إفريقيا تغيّر نظرة الشركات النمساوية للسوق
لكن الزيارة لا تتحرك على وعود الهيدروجين وحدها. ففي الجانب الصناعي يوجد عقد واحد يكفي لإظهار حجم السوق الذي تنظر إليه الشركات النمساوية.
فشركة ANDRITZ حصلت في أفريل 2026 على طلبية من «جنرال أمبلاج» لتجهيز مصنع جديد في النعامة بخط متكامل لصناعة الورق. وأكدت الشركة رسميًا أن قيمة الصفقة تقع في النطاق الأدنى من مئات الملايين من اليورو، أي فوق 100 مليون يورو، وأن المشروع سيضم أكبر ماكينة ورق في إفريقيا بطاقة تصل إلى 350 ألف طن سنويًا، مع برمجة بدء التشغيل في الربع الأخير من 2028.
وهذا العقد لا يتعلق باستيراد آلة منفردة، بل بمنظومة صناعية كاملة تشمل تحضير المادة الأولية، وخط الورق، والأتمتة والرقمنة، وقطع الغيار والخدمات، مع استخدام الورق المسترجع مادةً أساسية للإنتاج.
كما تنفذ «أندريتز» مشروعًا آخر في بجاية لتوريد خط لإنتاج الأقمشة غير المنسوجة المستخدمة في المنتجات الصحية والطبية والنظافة والمنسوجات التقنية.
وبالتالي، تدخل إحدى أكبر شركات الوفد الزيارة وفي دفاترها بالفعل طلب جزائري كبير، وليس مجرد دراسة للسوق.
وتحمل هذه السابقة رسالة لبقية الشركات المرافقة للوزير: توسع الاستثمار الجزائري أصبح قادرًا على توليد طلبيات صناعية بمئات الملايين من اليورو في قطاعات لا ترتبط بالمحروقات.
وهذه النقطة تحديدًا تغير طبيعة الاهتمام النمساوي. فالجزائر لا تظهر في الزيارة كمصدر محتمل للهيدروجين فقط، بل كسوق رأسمالية للمعدات والهندسة والرقمنة والصيانة.
مليارات الجزائر في السكك والمناجم تفتح سوقًا أخرى
هذه القراءة تظهر أيضًا في نوعية الشركات المختارة للبعثة.
فوجود Siemens Mobility Austria يأتي بينما تنفذ الجزائر توسعًا واسعًا في شبكة السكك المرتبطة بالمناجم والجنوب والموانئ، بدءًا من غارا جبيلات والخط المنجمي الشرقي وصولًا إلى مشاريع الربط الجديدة باتجاه أعماق الجنوب.
وتملك «Siemens» أصلًا سجلًا تقنيًا في الجزائر، بعدما شاركت في أنظمة الإشارات والتحكم «ETCS» على عدة خطوط، ما يجعل اهتمامها الحالي أقرب إلى توسيع أعمال سابقة في الإشارات والكهرباء والرقمنة والصيانة بدل الدخول إلى سوق جديدة كليًا.
ويظهر المنطق نفسه مع «RHI Magnesita» المتخصصة في المواد الحرارية المستخدمة في الحديد والصلب والإسمنت والزجاج، و«AMAG» في الألمنيوم، و«EVG» في تجهيزات حديد التسليح واللحام، و«PALFINGER» في الرفع والمناولة.
هذه الشركات لا تستهدف مشروعًا واحدًا، وإنما دورة استثمار تشمل توسع الحديد والصلب والمناجم والبناء والمصانع واللوجستيك.
أما AVL، فلا تأتي بوصفها شركة تصنيع سيارات، بل كمجموعة هندسية تعمل في المحركات وأنظمة الدفع والبطاريات وخلايا الوقود والاختبارات والمحاكاة. وهذا يضعها في تقاطع مباشر مع توجه الجزائر نحو رفع الإدماج في صناعة السيارات وبناء قدرات محلية في الاختبارات والهندسة بدل الاقتصار على التركيب.
ومن هنا يمكن قراءة الوفد باعتباره استجابة نمساوية لخريطة الاستثمار الجزائرية الجديدة: كلما انتقلت الجزائر من استيراد المنتج النهائي إلى إقامة المصنع أو المنجم أو خط السكة، تغير نوع الطلب الذي تتلقاه الشركات الأجنبية من سلعة جاهزة إلى تكنولوجيا وتجهيز وهندسة وخدمة طويلة الأجل.
الماء يدخل الحساب الصناعي
الملف نفسه يمتد إلى المياه.
فالجزائر تنفذ برنامجًا واسعًا في تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستعملة وإعادة استخدامها، بالتوازي مع حاجات متزايدة للمشروعات الصناعية والمنجمية الجديدة.
ولهذا تشارك «GIS Aqua Austria» و«fluvicon»، وهما شركتان تعملان في معالجة مياه الشرب والمياه المستعملة والتحلية والحلول الصناعية وإعادة الاستخدام. وتتيح هذه التخصصات فرصًا في محطات التحلية والمواقع الصناعية والمناجم، خصوصًا مع انتقال قضية توفير المياه من ملف خدمي إلى عنصر أساسي في قرارات الاستثمار الصناعي.
لكن لا توجد حتى الآن محطة محددة أُسندت إلى أي من الشركتين، ولذلك يبقى الملف في مرحلة التفاوض واستكشاف التطبيقات المناسبة، وهو ما يختلف عن حالة «أندريتز» التي تدخل بعقود نافذة بالفعل.
حتى الأسمدة تلتقي بالهيدروجين
ويكشف حضور LAT Nitrogen عن تقاطع آخر بين برامج الجزائر الحالية واحتياجات الصناعة الأوروبية.
فالمجموعة تعمل في الأسمدة النيتروجينية والمواد الكيميائية، بينما تنفذ الجزائر مشروع الفوسفات المدمج بشرق البلاد بطاقة مستهدفة تبلغ 2.4 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية و570 ألف طن من الأسمدة الآزوتية سنويًا، إضافة إلى الأمونيا والأحماض الصناعية.
ولا توجد معطيات تثبت دخول الشركة النمساوية في عقود هذا المشروع، لكن وجودها يفتح مجالات في التكنولوجيا والتسويق والخدمات وسلاسل التوريد، خصوصًا مع توسع النقاش الأوروبي حول إنتاج الأمونيا والأسمدة باستخدام الهيدروجين منخفض الانبعاثات.
وهنا يلتقي ملفان كانا يبدوان منفصلين: مشروع الهيدروجين الجزائري لا يرتبط فقط بالتصدير نحو أوروبا، بل يمكن أن يصبح كذلك مدخلًا لخفض البصمة الكربونية لصناعات جزائرية تريد الوصول إلى السوق الأوروبية، وفي مقدمتها الأسمدة والحديد.
النمسا لا تأتي بالتكنولوجيا وحدها.. بل بأداة تمويلها
وتكتمل هندسة الوفد بمشاركة Raiffeisen Bank International.
فالبنك قادر على تمويل التجارة والمعدات والمشروعات، بما في ذلك هياكل ائتمانية مدعومة بضمانات وكالة ائتمان الصادرات النمساوية «OeKB».
وتعطي هذه المشاركة للبعثة بعدًا يتجاوز تقديم الكتالوجات الصناعية. فالشركة التي تعرض خط إنتاج أو معدات سكك أو تجهيزات مياه تستطيع، من حيث المبدأ، ربط العرض بحزمة تمويل تصديرية طويلة الأجل.
وهذا نموذج معروف في المنافسة الدولية على المشروعات الكبرى؛ إذ لا تتنافس الدول على التكنولوجيا والسعر فقط، بل على قدرة شركاتها وبنوكها ومؤسسات ضمان الصادرات على تقديم التجهيز والتمويل داخل العرض نفسه.
ولا يوجد حتى الآن خط ائتماني محدد القيمة معلن لصالح مشروع جزائري، لكن وجود البنك داخل الوفد يجعل التمويل جزءًا من المحادثات وليس ملفًا منفصلًا يأتي بعد اختيار المورد.
زيارة خريفية بدأت فكرتها في فيينا
وهنا تتضح دلالة توقيت الزيارة.
ففي أفريل، عندما التقى هاتمانسدورفر مسؤولًا جزائريًا على هامش مؤتمر «اليونيدو»، أعلن أنه يعتزم التوجه إلى الجزائر في الخريف لمواصلة الحوار الاستراتيجي واستكشاف مشاريع تعاون ملموسة. وفي البيان نفسه، وضعت وزارة الاقتصاد النمساوية التعاون مع الجزائر ضمن استراتيجية النمسا الجديدة لإفريقيا، التي تستهدف توسيع العلاقات الاقتصادية والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيات المستقبلية والطاقة المتجددة.
وبعد خمسة أشهر، يصل الوزير ومعه 23 شركة ومنظمة. وهذا التسلسل يجعل المهمة أكثر من زيارة بروتوكولية. فهي تمثل محاولة لنقل تصور صيغ في فيينا حول الجزائر بوصفها شريك طاقة مستقبليًا إلى محفظة أوسع تشمل العقود الصناعية والتكنولوجيا والتمويل.
كما تأتي الزيارة في توقيت تعمل فيه النمسا نفسها على إعادة ترتيب سياستها الصناعية. فقد أطلقت حكومة فيينا استراتيجية «الصناعة 2035» وأعلنت في سبتمبر إجراءات جديدة لدعم التقنيات الرئيسية وربط الشركات الكبرى بالمؤسسات الصغيرة والبحث العلمي، في ظل ضغوط أوروبية مرتبطة بكلفة الطاقة والمنافسة الأميركية والصينية.
ومن هذه الزاوية، تصبح الجزائر ذات أهمية مزدوجة للنمسا: مصدرًا محتملًا للطاقة التي تحتاج إليها الصناعة الأوروبية، وسوقًا لمعدات الشركات التي تحتاج إلى فرص نمو خارج أوروبا.
وهذه المعادلة هي التي تفسر تنوع الوفد أكثر من العدد نفسه.
فـ«TAG» و«Gas Connect Austria» تنظران إلى الجزائر من منظور الطاقة التي ستتحرك شمالًا، بينما تنظر «أندريتز» و«Siemens Mobility» و«AVL» و«RHI Magnesita» وغيرها إلى الاستثمارات التي تتحرك داخل الجزائر، ويضيف «Raiffeisen» الجانب المالي القادر على ربط المسارين بعقود قابلة للتنفيذ.
وهكذا تصبح زيارة 30 سبتمبر اختبارًا لمرحلة مختلفة في العلاقة الاقتصادية الجزائرية-النمساوية. فالرهان بالنسبة إلى فيينا لم يعد اكتشاف ما إذا كانت السوق الجزائرية تحمل فرصًا؛ عقد «أندريتز» أثبت حجم إحداها بالفعل، وممر الهيدروجين حدد أحد المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
ما ينتظر الزيارة هو تحديد مقدار المساحة التي تستطيع الشركات النمساوية حجزها داخل الاستثمارات الجزائرية، ومقدار الدور الذي تستطيع الجزائر حجزه داخل منظومة الطاقة الصناعية التي تبنيها النمسا وأوروبا للمستقبل.
وبهذه القراءة، لا تتحرك التجارة في اتجاه واحد. التكنولوجيا والآلات والتمويل يمكن أن تأتي من النمسا إلى الجزائر، بينما تتحرك الطاقة مستقبلًا في الاتجاه المعاكس نحو المصانع الأوروبية. وبين التدفقين، تحاول الدولتان بناء علاقة تنتقل من بيع وشراء السلع إلى ارتباط أطول في الصناعة والطاقة والبنية التحتية.


























