بوابة الجزائر الإخبارية: وقود طائرات يُصدَّر فعليًا إلى النيجر، رقعة نفطية تعمل فيها سوناطراك، مصفاة تخضع للتعاون التقني، وشطر نيجري لأنبوب قادر على نقل ما بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا نحو الجزائر ثم أوروبا؛ بهذه السلسلة لم يعد حضور الجزائر في الساحل قائمًا على الوساطة السياسية وحدها، بل أصبح يرتبط بأصول طاقوية وعقود وإمدادات ومشروعات بنية تحتية تجعل استقرار المنطقة جزءًا مباشرًا من مصالحها الاقتصادية.

وهذه هي الزاوية التي أعادت صحيفة «فايننشال تايمز» طرحها في تحليل نشرته يوم 6 أكتوبر 2026، عندما اعتبرت أن الجزائر تتحرك لاستعادة وتوسيع وزنها في فضاء الساحل عبر مزيج من الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والدعم الأمني، بعد سنوات من الاضطراب في علاقاتها مع عدد من دول المنطقة. وترى الصحيفة أن التحرك نحو النيجر ومالي وبوركينا فاسو يعكس مقاربة أكثر براغماتية تربط الأمن بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الجزائرية.
وحسب ما رصدته بوابة الجزائر، تكشف العلاقة مع النيجر بصورة أوضح طبيعة هذا التحول؛ فالجزائر لم تعد تتعامل مع نيامي باعتبارها جارًا أمنيًا فقط، بل باعتبارها سوقًا وممرًا وشريكًا داخل سلسلة طاقوية تمتد من المنتجات النفطية إلى الاستكشاف ثم إلى الغاز العابر للقارات.
وأول ما يميز هذا المسار أنه لم يعد محصورًا في الاتفاقات المستقبلية. ففي 14 أوت 2026 بدأت سوناطراك أولى عمليات تسليم وقود الطائرات Jet A1 إلى السوق النيجرية انطلاقًا من مصفاة أدرار، تنفيذًا لعقد بيع وشراء مع الشركة النيجرية للمنتجات البترولية «سونيداب». وقالت سوناطراك إن العملية تفتح المجال أمام إمدادات منتظمة من المنتجات البترولية الجزائرية إلى أسواق الساحل.
ويمنح هذا العقد التعاون بعدًا تجاريًا مباشرًا؛ فالجزائر لا تنتظر اكتمال المشاريع الكبرى حتى تدخل السوق النيجرية، بل بدأت بالفعل في بيع منتجات مكررة من الجنوب الجزائري، بما يربط مصفاة أدرار بطلب حقيقي خارج الحدود.
وفي المستوى الثاني، تتحرك سوناطراك داخل قطاع المنبع النيجري من خلال مشروع البحث والاستكشاف في رقعة كفرا، الذي عاد إلى صدارة المباحثات خلال زيارة وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب إلى نيامي في سبتمبر. كما تناولت المحادثات التعاون في تطوير موارد المحروقات وصيانة المنشآت النفطية، بما يوسع الحضور الجزائري من التجارة إلى النشاط التقني والصناعي داخل القطاع النيجري.
لكن الحلقة الأكبر تبقى أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP، الذي يحول النيجر من سوق مستوردة وشريك في المحروقات إلى دولة عبور داخل واحد من أكبر مشاريع الطاقة الإفريقية.

وتحدد وزارة المحروقات طول المشروع في نحو 4200 كيلومتر بقطر 48 بوصة، مع قدرة تصديرية تقدر بـ20 مليار متر مكعب سنويًا وقابلية للارتفاع إلى نحو 30 مليار متر مكعب وفق تطور المشروع واحتياجات الأسواق. ويهدف الخط إلى نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ثم استخدام البنية الجزائرية في النقل والمعالجة والتصدير نحو الأسواق الإقليمية والدولية، خصوصًا أوروبا.
وهنا تظهر القيمة الاقتصادية الحقيقية للنيجر في الحساب الجزائري. فالبلد ليس محطة عبور ثانوية يمكن تجاوزها، بل الحلقة البرية التي تربط موارد نيجيريا بحاسي الرمل ثم بمنافذ التصدير الجزائرية. وكل تأخير أمني أو سياسي على أراضيه ينعكس مباشرة على الدراسات والأشغال والتمويل والرزنامة الاستثمارية للمشروع.
ولهذا يكتسب التحرك الجزائري في الساحل معنى مختلفًا عندما يُقرأ إلى جانب الأنبوب. فاستقرار النيجر لا يتعلق فقط بضبط الحدود أو مواجهة الجماعات المسلحة، بل باستمرارية مشروع يحتاج إلى فرق مسح وهندسة ومعدات وورشات وتمويل وعقود تمتد لسنوات.
وانتقل هذا الملف خلال 2026 من التخطيط إلى مراحل تنفيذية أكثر وضوحًا. ففي 3 جوان صادقت لجنة التوجيه الثلاثية على نتائج دراسة الجدوى المحينة التي أنجزها مكتب «Penspen»، قبل إطلاق أشغال الشطر الجزائري في اليوم التالي بمنطقة أولف في ولاية أدرار. وتؤكد وزارة المحروقات أن هذا الشطر مصمم لاستيعاب الغاز القادم مستقبلًا من نيجيريا عبر النيجر، إلى جانب كميات إضافية من الأحواض الجزائرية.
وفي 22 سبتمبر، انتقلت المتابعة إلى الشطر النيجري، حيث بحث عرقاب مع الوزير الأول علي محمد لمين زين الشروع في حملة المسح الطبوغرافي لمسار الأنبوب داخل النيجر، وهي مرحلة تسبق تثبيت المسار الهندسي والأشغال الميدانية التفصيلية.
وبذلك، يصبح المشروع بوابة محتملة أيضًا أمام المؤسسات الجزائرية. فإلى جانب سوناطراك، تفتح الدراسات والهندسة وإنجاز المقاطع والصيانة والتكرير والنقل مجالًا لتصدير الخبرة والخدمات التقنية الجزائرية إلى السوق النيجرية، بدل حصر العائد في رسوم مرور الغاز أو بيعه عند وصوله إلى أوروبا.
ويختلف هذا النموذج عن علاقة المورد بالزبون التقليدية. الجزائر تنتقل تدريجيًا إلى بناء شبكة مصالح تبدأ من بيع الوقود الجاهز، وتمتد إلى الاستكشاف والخدمات النفطية، ثم تبلغ مشروع بنية تحتية قاريًا يربط حقول الغاز النيجيرية بالمنظومة الجزائرية.
كما يمنح موقع الجزائر في نهاية الممر وزنًا إضافيًا لا يتوافر تلقائيًا لباقي الأطراف. فحاسي الرمل مرتبط أصلًا بشبكة وطنية واسعة ومنشآت معالجة وأنابيب تصدير إلى المتوسط، وهو ما يسمح للمشروع بالاستفادة من أصول قائمة بدل إنشاء سلسلة تصدير مستقلة من الصفر. وتضع وزارة المحروقات هذا العامل ضمن عناصر تخفيض النفقات الرأسمالية للمشروع.
ومن هذه الزاوية، فإن استعادة الجزائر للتقارب مع دول الساحل لا تبدو منفصلة عن الاقتصاد. فالطاقة نفسها أصبحت وسيلة لبناء ارتباطات يصعب فكها بسهولة: عقد وقود يحتاج إلى انتظام النقل، واستكشاف يحتاج إلى استقرار قانوني وأمني، ومصفاة تحتاج إلى الصيانة، وأنبوب عابر للحدود يحتاج إلى تعاون طويل الأجل بين ثلاث حكومات ومؤسساتها الوطنية.
وهو ما يفسر أيضًا قراءة “فايننشال تايمز” للتحرك الجزائري باعتباره توسعًا في أدوات النفوذ وليس مجرد عودة دبلوماسية. فالصحيفة ربطت بين الدعم الذي قدمته الجزائر للنيجر خلال محاولة الانقلاب في أوت وبين توسيع التعاون مع دول الساحل، معتبرة أن الجزائر باتت أكثر استعدادًا لاستخدام أدوات مختلفة لحماية مصالحها الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن أنبوب الغاز أصبح مشروعًا مكتمل التمويل أو مضمون التشغيل؛ فلا تزال هناك ترتيبات مالية وتعاقدية وأشغال في النيجر ونيجيريا يجب إنجازها، كما لم يعلن موعد نهائي مؤكد لبدء التدفقات التجارية الكاملة.
لكن الفارق في 2026 أن المشروع لم يعد مجرد مذكرة ثلاثية قديمة؛ هناك دراسة جدوى محينة مصادق عليها، وشطر جزائري دخل الإنجاز، ومسح طبوغرافي يجري التحضير له في النيجر، بالتوازي مع عقود طاقة أخرى بدأت فعليًا بين سوناطراك والسوق النيجرية.
وهذا يجعل القيمة الاقتصادية للتحرك الجزائري في الساحل قابلة للقياس تدريجيًا عبر ثلاثة مستويات: تجارة حالية في المنتجات النفطية، حضور صناعي وتقني داخل قطاع المحروقات، ومشروع غاز عابر للقارات يمكن أن يعيد تشكيل خريطة نقل الطاقة بين غرب إفريقيا والمتوسط.
وبذلك، فإن ما يُقرأ سياسيًا باعتباره عودة جزائرية إلى الساحل، يُقرأ اقتصاديًا بطريقة أكثر مباشرة: الجزائر تعمل على تحويل حدودها الجنوبية من منطقة أمنية حساسة إلى امتداد لسوقها الطاقوية، وربط استقرار الجوار بعقود وإمدادات ومشروعات تمنح مؤسساتها موطئ قدم أعمق خارج الحدود.
وإذا وصل «TSGP» إلى التشغيل التجاري، فلن يكون أثره محصورًا في نقل 20 أو 30 مليار متر مكعب من الغاز؛ بل سيكرس نموذجًا تصبح فيه الجزائر بوابة عبور ومعالجة وتصدير للموارد الإفريقية نحو أوروبا، ومصدرًا في الوقت نفسه للوقود والخبرة الهندسية والخدمات الصناعية داخل الساحل نفسه.




























