بوابة الجزائر الاخبارية : وسط متغيرات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، نجحت الجزائر في صياغة نموذج اقتصادي طموح يرتكز على صلابة الاستقرار المالي والمؤشرات الإيجابية المتصاعدة، مما جعلها محط أنظار الدوائر الاستثمارية العالمية والجهوية. فقد استطاعت الدولة بفضل الإصلاحات الهيكلية العميقة، وتبسيط المنظومة التشريعية والتنظيمية للاستثمار، وتفعيل دور الشباك الوحيد، أن ترسخ مكانتها فوجهّة موثوقة وآمنة لرؤوس الأموال. ولم تقتصر هذه النهضة على تحقيق معدلات نمو محترمة وتوازنات كبرى فحسب، بل امتدت لتكرس دورها الريادي كشريك استراتيجي فاعل في القارة الإفريقية، تقود مشاريع التكامل الطاقوي، وتؤسس لشراكات اقتصادية واعدة — إقليمياً وقارياً — تنطلق من ثوابت السيادة الوطنية ورؤية استشرافية تعيد صياغة موقع الجزائر كمحور استراتيجي لا غنى عنه لصناعة القرار الاقتصادي والتنموي في المنطقة.
وفي هذا السياق أكد حسام هيبة، الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر، أن الجزائر تمتلك مقومات اقتصادية واستراتيجية تؤهلها لتكون واحدة من أبرز الوجهات الاستثمارية الموثوقة في إفريقيا وشمال إفريقيا، بفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي وثرواتها الطبيعية وطاقاتها البشرية، مشدداً على أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات مستدامة قادرة على تعزيز التنويع الاقتصادي وترسيخ مكانة البلاد في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، صرّح حسام هيبة لـ«بوابة الجزائر» بأن الجزائر تمتلك اليوم المقومات الأساسية التي تجعل منها وجهة استثمارية موثوقة، غير أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على توافر الموارد والفرص، وإنما يرتبط بمدى القدرة على تحويل هذه المزايا إلى تجربة استثمارية سلسة وجاذبة للقطاع الخاص، سواء بالنسبة للمستثمرين المحليين أو الأجانب.
وأوضح هيبة أن الجزائر تتمتع بموقع جيوستراتيجي بالغ الأهمية، يجعل منها بوابة طبيعية تربط حوض البحر الأبيض المتوسط بالأسواق الأوروبية والعمق الإفريقي، ولا سيما دول الساحل والصحراء، وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية في مجالات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للحدود.
وأشار الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار المصرية إلى أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يمثل نموذجاً عملياً لإمكانية تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية، موضحاً أن المشروع، الذي يمتد لأكثر من أربعة آلاف كيلومتر، يستهدف نقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها نحو الأسواق الأوروبية.
وأضاف هيبة أن انطلاق الأشغال في المقطع الجزائري من هذا المشروع يعكس أهمية الرهان على البنية التحتية الطاقوية في تعزيز التكامل الإقليمي، وترسيخ دور الجزائر باعتبارها حلقة وصل استراتيجية بين مصادر الطاقة الإفريقية والأسواق الدولية.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن أهمية الجزائر الاستثمارية لا تنحصر في موقعها الجغرافي، بل تمتد إلى امتلاكها احتياطات معتبرة من الغاز والنفط، وثروات معدنية ضخمة تشمل الحديد والفوسفات، فضلاً عن المساحات الزراعية الواسعة والإمكانات الكبيرة في مجال الطاقة الشمسية، وهي عناصر تشكل، بحسب تقديره، قاعدة صلبة لبناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على المنافسة.
وفي قراءته لآفاق الاقتصاد الجزائري، أكد حسام هيبة أن حجم الاقتصاد، الذي يتجاوز 300 مليار دولار وفق الأرقام التي استند إليها، يعكس وزناً اقتصادياً مهماً، لكنه لا يزال مرتبطاً بدرجة كبيرة بقطاع المحروقات، الذي يمثل أكثر من 80 بالمائة من الصادرات ونحو نصف الإيرادات العامة، الأمر الذي يجعل الأداء الاقتصادي عرضة لتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق الدولية.

واعتبر هيبة أن هذه المعطيات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عائقاً دائماً، وإنما فرصة لإعادة توجيه النموذج الاقتصادي نحو قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة، مشيراً إلى أن الجزائر تمتلك القدرة على مضاعفة حجم اقتصادها مستقبلاً إذا نجحت في الانتقال التدريجي من تصدير المواد الخام إلى تطوير الصناعات التحويلية وتعزيز الإنتاج المحلي.
وفي هذا الإطار، أوضح الخبير الاقتصادي المصري أن تحويل الغاز إلى منتجات بتروكيماوية وأسمدة، والحديد إلى صناعة الصلب، والفوسفات إلى صناعات كيميائية، إلى جانب تطوير الصناعات الغذائية القائمة على الإنتاج الزراعي، من شأنه أن يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والتشغيل وزيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات.
وشدد حسام هيبة على أن الجزائر تمتلك ركيزتين أساسيتين لتحقيق هذا التحول، تتمثلان في وفرة الموارد الطبيعية ووجود قوة بشرية شابة ومتعلمة، مؤكداً أن الاستفادة المثلى من هذين العنصرين تتطلب تسريع وتيرة التنفيذ وتجاوز العقبات الإدارية التي قد تؤخر تجسيد المشاريع الاستثمارية.
وبخصوص الإصلاحات التي شهدتها البيئة الاستثمارية الجزائرية، ثمّن هيبة الخطوات التي اتخذتها السلطات العمومية، وفي مقدمتها إلغاء التطبيق العام لقاعدة الشراكة 51/49 خارج القطاعات الاستراتيجية، وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، واعتماد آليات لتسهيل الإجراءات وتوفير ضمانات قانونية للمستثمرين.
وأوضح المتحدث أن هذه الإصلاحات تعكس توجهاً نحو تحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين، لافتاً إلى تسجيل أكثر من 20 ألف مشروع استثماري بقيمة تتجاوز 67 مليار دولار، يُتوقع أن توفر أكثر من نصف مليون فرصة عمل، وفق المعطيات التي أوردها، وهو ما يعكس حجم الاهتمام بالفرص الاقتصادية التي تتيحها السوق الجزائرية.
غير أن حسام هيبة أكد أن نجاح الإصلاحات الاستثمارية لا يُقاس بالنصوص القانونية وحدها، وإنما بقدرتها على إحداث تحول ملموس في واقع المستثمرين، خصوصاً فيما يتعلق بسرعة معالجة الملفات، وتبسيط الإجراءات، وتقليص تعدد الوثائق المطلوبة، وتوفير رؤية واضحة ومستقرة لأصحاب المشاريع.
واعتبر هيبة أن اعتراف السلطات الجزائرية بوجود بعض القيود الإدارية يمثل في حد ذاته مؤشراً إيجابياً على إدراك التحديات القائمة، مشدداً على أن معالجة هذه الاختلالات من شأنها تعزيز مصداقية الإصلاحات الاقتصادية وتحويل الوعود الاستثمارية إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع.
واستناداً إلى تجربته السابقة في قيادة الهيئة العامة للاستثمار في مصر، أوضح حسام هيبة أن نجاح نظام الشباك الواحد يتطلب توافر ثلاثة شروط رئيسية، تتمثل في منح الوكالة الاستثمارية صلاحيات فعلية للتنسيق مع مختلف الإدارات، واعتماد رقمنة شاملة للإجراءات ضمن آجال زمنية ملزمة، وضمان استقرار الإطار التشريعي بما يسمح للمستثمر بوضع خطط طويلة الأمد تمتد لعشر سنوات أو أكثر.
وفي السياق ذاته، شدد هيبة على ضرورة الانتقال إلى مرحلة أوسع من الانفتاح على القطاع الخاص، من خلال تعزيز الشراكة بين الاستثمار العمومي والمبادرات الخاصة، وتسهيل الحصول على النقد الأجنبي وفق الأطر التنظيمية المعمول بها، وتخفيف القيود المرتبطة باستيراد مدخلات الإنتاج، بما يضمن استمرارية النشاط الصناعي ورفع تنافسية المؤسسات.
كما دعا الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار المصرية إلى تطوير سوق رأس المال في الجزائر، حتى تتحول إلى قناة تمويل فعالة للمشاريع الاقتصادية، بما يتيح تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على الآليات التقليدية، ويدعم توسع المؤسسات الوطنية واستقطاب الاستثمارات الجديدة.
وعلى صعيد التعاون الإقليمي، أكد حسام هيبة أن الجزائر تمتلك فرصاً استراتيجية كبيرة لتعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الإفريقية، خصوصاً من خلال تطوير الروابط التجارية والطاقوية واللوجستية مع دول الجوار والساحل، والاستفادة من المشاريع العابرة للحدود، وفي مقدمتها أنبوب الغاز والطريق العابر للصحراء.
وأوضح هيبة أن هذه المشاريع، إلى جانب الفرص التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، يمكن أن تجعل من الجزائر منصة اقتصادية ولوجستية رئيسية نحو أسواق غرب إفريقيا، بما يعزز حركة السلع والاستثمارات ويدعم الاندماج الاقتصادي بين دول القارة.
وفيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الجزائرية المصرية، اعتبر حسام هيبة أن البلدين يمتلكان مقومات تكامل اقتصادي طبيعية، بالنظر إلى حجم السوقين وتنوع الموارد والخبرات، موضحاً أن مصر تتمتع بتجارب مهمة في المناطق الاقتصادية والصناعات الدوائية والتشييد والمقاولات، بينما تمتلك الجزائر موارد طاقوية ومعدنية كبيرة وسوقاً واعدة.
وأكد هيبة أن الاستفادة من هذا التكامل تتطلب الانتقال من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشاريع استثمارية وصناعية مشتركة، تقوم على تبادل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير سلاسل الإنتاج وتعزيز الاستثمارات المتبادلة، بما يخدم المصالح الاقتصادية للبلدين ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون داخل الأسواق الإفريقية.
وفي السياق نفسه، أشار المتحدث إلى أن تنامي العلاقات الاقتصادية الجزائرية مع الصين وتركيا ودول الخليج يمثل فرصة إضافية لتنويع الشراكات الدولية واستقطاب رؤوس الأموال، غير أنه شدد على أهمية أن تقوم هذه الشراكات على نقل التكنولوجيا وتطوير التصنيع المحلي وبناء القدرات الوطنية، بدلاً من الاقتصار على تنفيذ مشاريع المقاولات والإنجاز.
واعتبر حسام هيبة أن هذا التوجه من شأنه تعزيز استقلالية الاقتصاد الجزائري ورفع تنافسية المنتجات الوطنية، إلى جانب توفير فرص عمل نوعية وتطوير الكفاءات البشرية، بما يسمح بتحويل الشراكات الخارجية إلى أدوات حقيقية للتنمية المستدامة.
وفي ختام تصريحه لـ”بوابة الجزائر”، أكد حسام هيبة أن الجزائر تمتلك عناصر قوة اقتصادية واستراتيجية يصعب تعويضها، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية واتساع السوق والطاقات البشرية، معتبراً أن هذه المزايا تمنحها قاعدة قوية لتعزيز مكانتها باعتبارها شريكاً اقتصادياً واستثمارياً رئيسياً في إفريقيا وشمال إفريقيا.
وخلص الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار المصرية إلى أن مستقبل الريادة الاقتصادية الجزائرية سيتحدد بمدى نجاحها في تسريع التحول نحو الصناعات التحويلية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وضمان استقرار القواعد المنظمة للاستثمار، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، مؤكداً أن الجمع بين هذه الإصلاحات والمقومات المتاحة يمكن أن يفتح المجال أمام مضاعفة حجم الاقتصاد الجزائري وترسيخ موقع البلاد قوةً اقتصاديةً واستراتيجيةً مؤثرة في القارة الإفريقية.












