بوابة الجزائر الإخبارية: تتجه التشيك إلى مضاعفة مشترياتها من الغاز الجزائري إلى 400 مليون متر مكعب سنويًا، في خطوة تعكس تنامي الأهمية التجارية للجزائر داخل سوق الطاقة في وسط أوروبا، بعدما نجحت خلال عامين في تأسيس مسار توريد منتظم نحو براغ. ويأتي الطلب الجديد في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر إمداداتها، ما يمنح الجزائر فرصة لتوسيع قاعدة زبائنها خارج الأسواق التقليدية وتعزيز حضورها في تجارة الغاز عبر القارة.
وكشف نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والتجارة التشيكي، كاريل هافليتشيك، خلال زيارته إلى الجزائر يوم 26 أكتوبر 2026، عن حصول بلاده على تعهد أولي من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بشأن زيادة الإمدادات، مؤكدًا إجراء مباحثات مع قيادة سوناطراك لمضاعفة الكميات الحالية، المقدرة بنحو 200 مليون متر مكعب سنويًا.
وأوضحت وزارة الصناعة والتجارة التشيكية، في بيان نشرته يوم 27 أكتوبر، أن المحادثات تستهدف رفع الإمدادات إلى نحو 400 مليون متر مكعب، على أن تُحدد الشروط التجارية في مفاوضات لاحقة. وبذلك، فإن الزيادة المطروحة تمثل هدفًا تفاوضيًا مدعومًا بتعهد أولي، ولم تتحول بعد إلى عقد نهائي معلن.
ويحمل التحرك التشيكي دلالة اقتصادية مهمة؛ إذ يأتي بمبادرة من دولة مستوردة تسعى إلى زيادة اعتمادها على مورد جزائري سبق أن اختبرته تجاريًا، بدل البحث عن علاقة توريد جديدة تبدأ من الصفر.
5.6 بالمئة من استهلاك التشيك.. الجزائر توسع موقعها في سوق أوروبية جديدة
تُظهر بيانات هيئة تنظيم الطاقة التشيكية أن استهلاك البلاد من الغاز الطبيعي بلغ نحو 7.2 مليارات متر مكعب خلال عام 2025، بزيادة قدرها 6.5 بالمئة مقارنة بالسنة السابقة.
وعلى أساس هذا المستوى من الاستهلاك، تعادل الكميات الجزائرية الحالية، المقدرة بنحو 200 مليون متر مكعب، قرابة 2.8 بالمئة من احتياجات السوق التشيكية، فيما سترتفع النسبة الحسابية إلى نحو 5.6 بالمئة إذا جرى التعاقد على 400 مليون متر مكعب سنويًا.
وتوضح هذه المقارنة الحجم الاقتصادي للطلب الجديد، دون أن تمثل توقعًا لحصة سوقية مستقبلية، لأن الاستهلاك السنوي وشروط التوريد قد يتغيران.
وتبرز أهمية الإمدادات الجزائرية أيضًا في طبيعة الطلب التشيكي، الذي يتأثر بالاستهلاك الصناعي واحتياجات التدفئة المنزلية. فقد سجل استهلاك الأسر ارتفاعًا بنسبة 9.9 بالمئة خلال 2025، مقابل 9.3 بالمئة لدى المؤسسات الصغيرة و3.4 بالمئة لدى كبار المستهلكين.
غير أن هيئة تنظيم الطاقة أوضحت أن النمو الإجمالي ينخفض إلى 0.5 بالمئة بعد تحييد تأثير درجات الحرارة، ما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من زيادة الاستهلاك ارتبط بالظروف المناخية.
وفي هذا السياق، تسعى براغ إلى تأمين مصادر متعددة تستطيع الاستجابة لتقلبات الطلب، مع تقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مورد واحد.
وقد عبّر هافليتشيك عن هذه الأولوية عندما أكد، وفق ما نقلته وكالة الأنباء التشيكية، أن توسيع الإمدادات الجزائرية يوفر ضمانة إضافية لتوافر الغاز للأسر، ويرفع قدرة بلاده على التفاوض بشأن الأسعار بفضل تنوع الموردين.
وبالنسبة إلى الجزائر، يتيح هذا التوجه فرصة لتعزيز موقعها التعاقدي في سوق جديدة نسبيًا، مع إمكانية بناء علاقة توريد أطول أمدًا، إذا اتفق الطرفان على الكميات والأسعار وشروط التسليم.
من أول عقد في 2024 إلى طلب مضاعفة الإمدادات
بدأ الحضور التجاري المباشر للغاز الجزائري في السوق التشيكية خلال أكتوبر 2024، عندما أعلنت مجموعة الطاقة التشيكية «ČEZ» إبرام عقد توريد مع سوناطراك، عقب مفاوضات استمرت نحو عامين.
وقدرت المجموعة آنذاك أن الكميات المتعاقد عليها تكفي لتغطية الاستهلاك السنوي لنحو 100 ألف أسرة تشيكية، مشيرة إلى أن الاتفاق يندرج ضمن جهود تنويع مصادر الغاز وتعزيز أمن الإمدادات.
وفي جويلية 2025، جرى تجديد التعاقد بكميات مماثلة للفترة الممتدة من أول أكتوبر 2025 إلى 30 سبتمبر 2026، وفق الوثائق المالية للمجموعة.
ويكشف هذا التسلسل عن تطور العلاقة على ثلاث مراحل: تأسيس قناة التوريد في 2024، وتجديدها في 2025، ثم الانتقال إلى مفاوضات مضاعفة الكميات خلال أكتوبر 2026.
وتكمن إحدى أبرز نقاط القوة الجزائرية في امتلاك بنية تحتية تسمح بإيصال الغاز إلى أسواق لا ترتبط مباشرة بالحدود الجزائرية.
فبحسب وثائق «ČEZ»، تصل الإمدادات الجزائرية إلى التشيك عبر تونس، ثم أنبوب الغاز البحري نحو إيطاليا، قبل انتقالها بواسطة الشبكات الأوروبية.
ويعني ذلك أن الجزائر استطاعت توظيف خطوط تصديرها القائمة وشبكات النقل الأوروبية للوصول إلى زبائن جدد في وسط القارة، دون الحاجة إلى إنشاء خط مباشر يربطها بالتشيك.
وتكتسب هذه القدرة أهمية تجارية في ظل المنافسة بين موردي الغاز، لأن الوصول إلى الأسواق يرتبط بتوافر الكميات والبنية التحتية وسعات النقل، إلى جانب تنافسية الأسعار ومرونة العقود.
ويأتي المسار الجزائري مكملًا لخيارات التوريد التشيكية الأخرى، التي تشمل مشتريات الغاز من الأسواق الأوروبية والغاز الطبيعي المسال عبر محطة إيمسهافن الهولندية.
وكانت «ČEZ» قد أعلنت، مطلع أكتوبر 2026، استقبال 92 شحنة من الغاز الطبيعي المسال عبر المحطة خلال أربع سنوات، بما يعادل 8.2 مليارات متر مكعب، في إطار استراتيجية لتأمين مصادر متعددة.
وعليه، فإن توسيع الإمدادات الجزائرية يعزز تنوع محفظة الشراء التشيكية، لكنه لا يعني الاستغناء عن بقية الموردين أو ضمان أسعار أقل تلقائيًا.
الغاز يفتح الطريق أمام شراكة اقتصادية أوسع
تزامنت مفاوضات زيادة الغاز مع زيارة حكومية تشيكية رفيعة المستوى إلى الجزائر، بقيادة رئيس الوزراء أندريه بابيش، ومشاركة مسؤولين وممثلين عن مؤسسات صناعية.
وتكشف هذه الزيارة عن توجه نحو توسيع العلاقات الثنائية خارج قطاع الطاقة، عبر مشاريع محتملة في صناعة معدات النقل والعتاد الفلاحي والتكنولوجيا والمناجم.
وتوفر المبادلات التجارية المتنامية أساسًا لهذا التوسع، بعدما ارتفعت قيمتها من نحو 139 مليون دولار في 2024 إلى قرابة 323 مليون دولار خلال 2025، بزيادة تقارب 132 بالمئة، وفق الأرقام التي عرضها الوزير الأول سيفي غريب خلال افتتاح منتدى الأعمال الجزائري–التشيكي.
وتعادل هذه القفزة زيادة بنحو 184 مليون دولار خلال سنة واحدة، لكنها لا تسمح وحدها بتحديد مساهمة الغاز في نمو المبادلات، لعدم توافر تفصيل قطاعي ضمن المعطيات المعلنة.
وتبرز أهمية هذه التطورات في أن الجزائر تتفاوض مع التشيك انطلاقًا من مصالح اقتصادية متبادلة؛ فبراغ تسعى إلى تأمين إمدادات إضافية من الغاز، بينما تعمل الجزائر على استقطاب الخبرة الصناعية التشيكية وإقامة مشاريع إنتاجية محلية.
وفي قطاع العتاد الفلاحي، تشمل المباحثات إمكانية تطوير تصنيع الجرارات داخل الجزائر، استنادًا إلى الاتصالات السابقة بين شركة «Zetor Tractors» ووحدة «Unia DZ»، اللتين وقعتا مذكرة تفاهم في فيفري 2025.
أما في النقل، فتتواصل الاتصالات بين «Škoda Transportation» و«سيترام»، في إطار بحث فرص التعاون التي قد تشمل تصنيع المعدات وتطوير الأنشطة التقنية والصناعية المرتبطة بالنقل الحضري.
كما شملت الزيارة ملفات المناجم والتجهيزات الصناعية، إلى جانب الإعلان عن إنشاء مجلس أعمال جزائري–تشيكي مشترك لمرافقة المتعاملين الاقتصاديين وتطوير الشراكات.
وتتيح هذه الملفات للجزائر توسيع نطاق التعاون من تصدير الطاقة إلى جذب استثمارات صناعية ونقل التكنولوجيا، لكن المعطيات المتاحة لا تثبت وجود اتفاق يربط زيادة إمدادات الغاز بالتزامات استثمارية مقابلة.
وتظل المفاوضات الطاقوية والصناعية مسارات مستقلة من الناحية التعاقدية، وإن كانت تتقدم ضمن مناخ سياسي واقتصادي مشترك.
وتمنح التحركات التشيكية الأخيرة الجزائر فرصة لتعزيز حضورها في سوق الغاز الأوروبية، مستفيدة من سجل توريد بدأ قبل عامين ومن بنية تحتية قادرة على إيصال إمداداتها إلى وسط القارة.
























