بقلم حسين لنصاري
بوابة الجزائر الإخبارية : تفتح مالي فصلاً جديداً من تعاونها الاقتصادي والتقني مع روسيا، من بوابة قطاع المناجم، بعدما وقّعت باماكو اتفاقين مع شركة «زاروبيججيولوجيا»، التابعة للمجموعة الحكومية الروسية «روسجيولوجيا»، لإنجاز خرائط جيولوجية رقمية وإنشاء نظام وطني للمعلومات المنجمية، في مشروع استراتيجي يطرح تساؤلات بشأن كلفته المالية، وضمانات السيادة على البيانات، ومدى قدرة الشريك الروسي على تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المالي.
وجرى توقيع الاتفاقين يوم 28 أكتوبر في موسكو، على هامش القمة الروسية الإفريقية الثالثة، من طرف وزير المناجم المالي أمادو كيتا، حيث ينص الاتفاق الأول على إنجاز خرائط جيولوجية بمقياس 1/200 ألف خلال 24 شهراً، تشمل منطقتين ذات أولوية تمتدان على أكثر من نصف مساحة البلاد، من خلال بعثات ميدانية وتحليل صور الأقمار الصناعية وتقييم الإمكانات المعدنية.أما الاتفاق الثاني، فيتعلق بإنشاء منصة رقمية وطنية تحت تسمية «إدارة باطن الأرض»، خلال ثمانية أشهر، تتولى جمع البيانات الجيولوجية والمنجمية وتحليلها، فضلاً عن متابعة التراخيص والامتيازات المنجمية.ورغم الطابع الاستراتيجي للمشروع، فإن إسناد مهمة رسم الخرائط وتطوير قاعدة البيانات المنجمية إلى شركة روسية يطرح تساؤلات حول طبيعة الشراكة وحدود نقل الخبرة والتكنولوجيا، خصوصاً أن المعلومات الجيولوجية لا تمثل مجرد بيانات تقنية، بل تشكل أحد أهم مفاتيح التحكم في الثروات الطبيعية وتحديد قيمتها وشروط استغلالها.
تعاون بلا شفافية مالية معلنة
ومن أبرز نقاط الغموض المحيطة بالاتفاقين عدم الكشف عن تكلفتهما المالية، أو تفاصيل الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، وهو ما يترك علامات استفهام بشأن حجم الأعباء التي قد تتحملها الخزينة المالية، ومدى تناسبها مع النتائج المنتظرة.كما تبرز مسألة أكثر حساسية تتعلق بمكان تخزين البيانات الجيولوجية، والجهة التي ستتولى إدارتها، وضمانات احتفاظ الدولة المالية بالسيطرة الكاملة عليها، خاصة أن المشروع يستهدف إنشاء قاعدة بيانات مركزية تشمل معلومات واسعة عن الثروات المعدنية ومناطق الاستغلال والتراخيص.
تجربة سابقة تعيد طرح علامات الاستفهام
وتأتي هذه الخطوة بعد تعثر مشروع سابق ممول من البنك الدولي سنة 2019 بقيمة 40 مليون دولار، خُصص منها 19 مليون دولار لأعمال المسح الجيولوجي والجوي في غرب وجنوب البلاد.وبسبب الاضطرابات الأمنية والانقلابات العسكرية خلال عامي 2020 و2021، والعقوبات التي شهدتها البلاد سنة 2022، إضافة إلى تداعيات جائحة كورونا، تعطل تنفيذ المشروع، قبل إلغاء نحو 15 مليون دولار في مايو 2023. ولم يتجاوز ما أُنجز 81 خريطة من أصل 110 خرائط كانت مبرمجة، وفق التقرير النهائي الصادر في يونيو 2025.وتضع هذه التجربة المشروع الروسي الجديد أمام اختبار التنفيذ الفعلي، بعيداً عن الإعلانات السياسية والوعود المرتبطة بتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين باماكو وموسكو.
الثروات المالية بين الحاجة إلى الخبرة ومخاطر الارتهان الخارجي
وبينما تسعى مالي، باعتبارها من أبرز منتجي الذهب في منطقة غرب إفريقيا، إلى تعزيز حضورها في سوق المعادن، خصوصاً مع دخولها مجال الليثيوم عبر مشروع غولامينا، فإن استعادة السيطرة على بياناتها الجيولوجية تظل خطوة ضرورية لتحسين إدارة الموارد واستقطاب الاستثمارات.غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على خرائط رقمية ومنصات معلوماتية حديثة، بل في ضمان امتلاك الدولة للمعرفة والتكنولوجيا والقدرات البشرية اللازمة لإدارتها بصورة مستقلة، حتى لا يتحول التعاون التقني إلى شكل جديد من الاعتماد الخارجي في قطاع يمثل ركيزة أساسية لاقتصاد البلاد.وفي ظل غياب التفاصيل المالية والتوضيحات الكافية بشأن سيادة مالي على البيانات التي سينتجها المشروع، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح باماكو في توظيف الشراكة الروسية لبناء استقلالها المنجمي، أم أنها بصدد نقل جانب حساس من إدارة ثرواتها إلى شريك خارجي جديد؟


















