بوابة الجزائر الإخبارية: بعد عقود من نقل الإنتاج إلى الخارج والتوسع في اقتصاد الخدمات، تعود فرنسا إلى مواجهة أحد أكثر الملفات الاقتصادية تعقيدًا: كيف يمكن إعادة بناء قاعدة صناعية فقدت أكثر من مليون وظيفة منذ مطلع الألفية، وتراجع وزنها في الاقتصاد الوطني إلى مستويات تثير تساؤلات بشأن القدرة التنافسية والسيادة الإنتاجية للبلاد؟
وبحسب تقرير نشرته صحيفة لوموند الفرنسية في الأول من نوفمبر 2026، عاد الجدل بشأن مستقبل الصناعة إلى الواجهة، بعدما كشفت التجربة الفرنسية عن حدود النموذج الاقتصادي الذي راهن على الاحتفاظ بالتصميم والابتكار والخدمات، مقابل نقل جانب من عمليات التصنيع إلى دول أقل تكلفة.

وتشير الأرقام التي استعرضتها الصحيفة إلى تراجع مساهمة الصناعة التحويلية في الاقتصاد الفرنسي من نحو 16% عام 2000 إلى 10% عام 2020، بالتزامن مع اختفاء أكثر من مليون وظيفة صناعية، في تحول عميق لم يقتصر تأثيره على المصانع، بل امتد إلى سوق العمل والتوازن الاقتصادي بين المناطق.

وتؤكد بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الصناعة التحويلية لم تكن تمثل بنهاية 2025 سوى 11.2% من القيمة المضافة في فرنسا، و9.1% من الوظائف المأجورة، مقابل متوسط بلغ 15% و13% على التوالي في دول المنظمة خلال 2024.
ويعود جزء مهم من هذا التراجع إلى الخيارات الاقتصادية التي سادت منذ نهاية القرن الماضي، عندما فضّلت شركات فرنسية نقل عمليات الإنتاج إلى الخارج للاستفادة من انخفاض تكاليف العمالة والتشغيل، مع الإبقاء على الأنشطة الأعلى قيمة، مثل البحث والتطوير والتسويق وإدارة العلامات التجارية.
وكانت شركة ألكاتيل الفرنسية من أبرز الأمثلة على هذا التوجه، بعدما ارتبط اسمها في مطلع الألفية بفكرة الشركة التي تستطيع تحقيق النجاح دون امتلاك مصانع، عبر الاعتماد على شبكات إنتاج خارجية.
غير أن التحولات التي شهدتها التجارة العالمية خلال السنوات اللاحقة كشفت أهمية الاحتفاظ بالقدرات الإنتاجية المحلية، خصوصًا في الصناعات الاستراتيجية التي ترتبط بالتكنولوجيا والدفاع والأدوية والمواد الأساسية.
وأصبح هذا النقاش أكثر إلحاحًا مع اشتداد المنافسة الصناعية الدولية، وارتفاع تكاليف الطاقة، والحاجة إلى تأمين سلاسل التوريد، وهي عوامل دفعت باريس إلى إعادة النظر في موقع الصناعة ضمن نموذجها الاقتصادي.
وتكشف المقارنة الدولية حجم التحدي الفرنسي. فوفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يبقى وزن الصناعة التحويلية في الاقتصاد الفرنسي أقل من المتوسط المسجل لدى الدول الأعضاء، رغم الجهود الحكومية الرامية إلى إعادة توطين الأنشطة الصناعية وجذب الاستثمارات.
لكن الخلاف داخل فرنسا لا يتعلق فقط بضرورة إعادة التصنيع، بل بطبيعة الصناعات التي تستحق الدعم والاستثمار.
فبينما يرى اقتصاديون أن توجيه الموارد إلى القطاعات التكنولوجية المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، قد يوفر عوائد أعلى، يدافع مسؤولون صناعيون عن ضرورة الحفاظ على قاعدة إنتاجية متنوعة تشمل الصلب والكيماويات والأدوية والصناعات الدفاعية.
ويعكس هذا الانقسام معضلة اقتصادية حقيقية: هل تستطيع فرنسا استعادة مكانتها الصناعية بالتركيز على القطاعات المستقبلية وحدها، أم أن الحفاظ على استقلالها الإنتاجي يتطلب أيضًا إعادة بناء صناعات تقليدية فقدت جانبًا من تنافسيتها؟
وتشير وزارة الاقتصاد الفرنسية إلى أن استعادة النشاط الصناعي لا تتوقف على تقديم الدعم المالي للمصانع، بل تتطلب معالجة تكاليف الإنتاج، وتحسين التنافسية، وتطوير المهارات، وتوفير بيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل.
ومع ذلك، لا تعني خسارة الوظائف الصناعية اختفاء الإنتاج الفرنسي، إذ لا تزال البلاد تحتفظ بقدرات مهمة في قطاعات الطيران والصناعات الدوائية والمنتجات الفاخرة والصناعات الغذائية. كما أن الأتمتة وارتفاع الإنتاجية ونقل بعض الوظائف إلى شركات الخدمات تفسر جانبًا من تراجع العمالة الصناعية.
لكن التحدي الأساسي يبقى في قدرة الاقتصاد الفرنسي على تحويل خطط إعادة التصنيع إلى مصانع منتجة ووظائف مستدامة، بدل الاكتفاء بالإعلانات الاستثمارية والمشاريع التي تحتاج إلى سنوات قبل دخولها مرحلة الإنتاج.
وبعد أكثر من عقدين من تراجع وزن الصناعة، تجد فرنسا نفسها أمام اختبار اقتصادي يتجاوز مسألة إعادة فتح المصانع، ليصل إلى تحديد موقعها في سلاسل القيمة العالمية، وقدرتها على إنتاج السلع والتكنولوجيات التي يحتاجها اقتصادها.
فالمشكلة التي تواجه باريس اليوم لا تتعلق فقط بمليون وظيفة صناعية فُقدت، بل بالسنوات والاستثمارات والخبرات التي ستحتاج إليها لاستعادة جزء من القاعدة الإنتاجية التي تخلت عنها تدريجيًا.













