بقلم :إدريس محمد سنوسي سعيد
قسم الاتصال والإذاعة الإسلامية (KPI)، جامعة كياي حاج عبد الرحمن وحيد الإسلامية الحكومية بيكالونجان، إندونيسيا
بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد إفريقيا مجرد مساحة جغرافية تتنافس القوى الدولية على مواردها الطبيعية وأسواقها ومواقعها الاستراتيجية؛ فقد أصبحت كذلك ساحة يتزايد فيها التنافس على إنتاج المعنى وتوجيه الإدراك العام وتشكيل الروايات التي تفسر تحولات القارة.
فبينما تعيد دول إفريقية ترتيب علاقاتها الخارجية، وتبحث عن شركاء جدد، وتراجع بعض ترتيباتها الأمنية والاقتصادية التقليدية، تتوسع في المقابل محاولات القوى الدولية للتأثير في الطريقة التي تُعرض بها هذه التحولات أمام الجمهور الإفريقي والعالمي.في هذا السياق، لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت وسائل الإعلام الدولية تقدم صورة دقيقة عن إفريقيا، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يحدد القضايا التي تستحق التغطية؟ ومن يختار المصادر التي تفسر الأحداث؟ وهل تستطيع المؤسسات الإعلامية الإفريقية أن تنتج روايتها الخاصة، أم أنها تظل في كثير من الأحيان مستهلكة لأطر تفسيرية تُصاغ خارج حدود القارة؟تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من أن التحولات الإفريقية الراهنة لا تجري في فراغ إعلامي.
فالتنافس بين القوى الغربية والصين وروسيا، وتغير الشراكات الأمنية، وتصاعد النقاش حول السيادة الاقتصادية والسياسية، كلها تحولات تترافق مع توسع الحضور الإعلامي الخارجي. وهكذا تصبح التغطية الإعلامية أكثر من مجرد نقل للأخبار؛ إذ يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتفسير التحولات، ومنح بعض الفاعلين الشرعية، والتشكيك في آخرين، وتحديد ما يُنظر إليه بوصفه تقدماً أو تهديداً أو استقلالاً.ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات الإعلامية تتحرك وفق توجيه حكومي مباشر، أو أن كل اختلاف في التغطية دليل على الدعاية. فالمسألة أكثر تركيباً، وتتداخل فيها المصالح السياسية، والاختيارات التحريرية، والقدرات المهنية، والموارد الاقتصادية، وطبيعة الجمهور المستهدف. لكن تجاهل هذه الأبعاد يجعل فهم صورة إفريقيا في الإعلام الدولي ناقصاً.أولاً: إفريقيا المتغيرة وصورة لم تواكب التحولاتتعيش القارة الإفريقية تحولات متداخلة في موقعها داخل النظام الدولي. فقد ازدادت أهمية عدد من دولها في سلاسل إمداد المعادن الحرجة [1]، وتوسعت علاقاتها الاقتصادية مع قوى دولية متعددة، كما شهدت بعض مناطقها إعادة ترتيب للتحالفات الأمنية والسياسية. وفي الوقت نفسه، برزت ملفات التصنيع المحلي، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والتجارة القارية، والابتكار بوصفها قضايا لا يمكن اختزالها في سرديات الأزمات التقليدية.غير أن اتساع هذه التحولات لا يعني بالضرورة أن التغطية الإعلامية الدولية قد أصبحت بالقدر نفسه تنوعاً وعمقاً. فقد حاول «مؤشر الإعلام العالمي لإفريقيا» (Global Media Index for Africa)، الذي أعده باحثون في مركز دراسات الفيلم والإعلام بجامعة كيب تاون بالتعاون مع مؤسسة Africa No Filter ومركز إفريقيا في نيويورك، وأُطلق رسمياً في 27 مايو 2024، قياس كيفية تناول عشرين مؤسسة إعلامية دولية للقارة. واعتمد المؤشر على تحليل أكثر من ألف مادة إخبارية جُمعت خلال ستة أشهر، وفق أربعة معايير: تنوع الموضوعات، وتنوع المصادر، وعدد الدول الإفريقية المغطاة قياساً إلى 55 دولة، وعمق المعالجة من حيث التوازن والسياق وتجنب الصور النمطية [2, 3].أظهرت النتائج أن الأداء العام للمؤسسات العشرين ظل ضمن المستوى المتوسط، وأن التغطية ركزت بدرجة كبيرة على السياسة والفقر والفساد والأزمات، مقابل حضور أقل لقضايا الثقافة والفنون والابتكار والتكنولوجيا. كما كشفت عن هيمنة أصوات السياسيين ورجال الأعمال والخبراء، مع محدودية حضور المواطنين العاديين والشباب والنساء والفئات الأقل تمثيلاً. ولم يكن الخلل محصوراً في نوعية الموضوعات؛ إذ أشار المؤشر أيضاً إلى أن عدداً من المؤسسات ركز على مجموعة محدودة من البلدان، بما يرسخ التعامل مع إفريقيا أحياناً كما لو كانت دولة واحدة، لا قارة تضم تجارب سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة الاختلاف [2].ومع ذلك، ينبغي عدم تحويل هذه النتائج إلى حكم مطلق على كل التغطية الدولية. فالمؤشر يقدم قراءة لعينة محددة من المؤسسات والمواد والفترة الزمنية التي شملتها، وليس وصفاً شاملاً لكل ما تنشره وسائل الإعلام العالمية. كما أن تسجيل بعض المؤسسات أداء أفضل من غيرها في مؤشرات التوازن والسياق يوضح أن الصورة ليست متجانسة، وأن النقد المهني ينبغي أن يميز بين المؤسسات وممارساتها بدلاً من إصدار أحكام جماعية.المشكلة الأساسية، إذن، ليست أن الإعلام الدولي يتناول الحروب أو الأزمات الإفريقية؛ فهذه أحداث حقيقية تستحق التغطية. وإنما تكمن في اختلال التناسب حين تصبح الأزمة هي المدخل شبه الدائم لفهم القارة، بينما تتراجع القصص التي تشرح الاقتصاد والمجتمع والابتكار والتحولات اليومية. فالتغطية لا تصبح مضللة بالضرورة بسبب خبر غير صحيح، بل قد تكون ناقصة بسبب ما تختار تجاهله، أو بسبب غياب السياق الذي يمنح الحدث معناه.ثانياً: التنافس الدولي على الرواية الإفريقيةيكتسب التنافس الإعلامي بعداً إضافياً مع اتساع حضور قوى دولية تسعى إلى بناء علاقات إعلامية مباشرة مع المؤسسات والجمهور في إفريقيا. ولم تعد المنافسة مقتصرة على وكالات الأنباء والقنوات التقليدية، بل أصبحت تشمل الشراكات الإنتاجية، والتدريب الصحفي، وتبادل المحتوى، والمنصات الرقمية، والمؤثرين، ومبادرات الدبلوماسية العامة.تقدم روسيا مثالاً واضحاً على تداخل الإعلام مع المصالح الجيوسياسية. ففي تحليل نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 26 فبراير 2026، تناول التقرير الجماعي، الذي حرره Nate Reynolds وFrances Z. Brown وFrederic Wehrey وAndrew S. Weiss، دور موسكو في إفريقيا. وتشير مساهمات فيه إلى أن نفوذ روسيا في منطقة الساحل عززته عمليات معلوماتية منسقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأنها توظف مشاعر مناهضة الاستعمار ومناهضة فرنسا، وأن قناتي RT وSputnik Afrique الحكوميتين صارتا أداتين محوريتين في هذه الاستراتيجية، إلى جانب شراكات مع مؤسسات إعلامية إفريقية قائمة [4]. ومن أمثلة ذلك قناة Afrique Média التي وقعت شراكة مع RT أواخر 2022 [4, 5]. ويرى باحث من مؤسسة Code for Africa، في مادة نشرها معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن المنابر المحلية قد تمنح الروايات الروسية ثقة وشرعية أكبر مما تمنحها المنابر الحكومية الروسية [5].وتكمن أهمية هذه الحالة في أنها تكشف أن الرسالة الإعلامية لا تُبنى دائماً من خلال مخاطبة الجمهور مباشرة؛ فقد تُنقل أيضاً عبر شراكات مع مؤسسات محلية، أو من خلال إعادة نشر المحتوى، أو استضافة شخصيات تقدم الرواية الخارجية بصوت محلي. وهنا يصبح التمييز بين التعاون الإعلامي المشروع والتأثير السياسي مسألة تتطلب فحصاً دقيقاً لطبيعة التمويل، وشفافية الشراكة، واستقلال القرار التحريري، لا الاكتفاء بهوية المؤسسة أو الدولة التي تنتمي إليها.أما الصين، فتوسع حضورها من خلال مسارات مختلفة تشمل المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، وتبادل المحتوى، والتدريب، والاستثمار في البنية التحتية الإعلامية. وفي تقرير نشرته منصة «التنمية والتعاون» (D+C) في 31 يوليو 2026، تناول ألفونس شيندو توسع النفوذ الإعلامي الصيني في إفريقيا، مع تركيز على التجربة الكينية، مشيراً إلى اتفاقيات شراكة وتدريب بين مؤسسات صينية وأخرى كينية، ودعوات الصحفيين والمؤثرين لزيارة الصين، واستثمارات في البنية الإعلامية والرقمية [6]. وتتقاطع هذه الصورة مع كتاب إيميكا أوميجي «الصين في الإعلام الإفريقي: بين عمليات التأثير وإنهاء الاستعمار» (Bloomsbury Academic، 2026)، الذي يرى أن مبادرات التدريب وتبادل المحتوى والتنسيق الإعلامي الصينية تستثمر القيود المادية في أسواق الإعلام الإفريقية، وأن الحزب الشيوعي الصيني يكمّل الحملات الرسمية باستراتيجيات محلية تشمل بناء تحالفات مع مؤسسات إعلامية إفريقية [7]. ويقرر المؤلف أن التبادلات الإعلامية الممولة صينياً موجهة نحو خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية لبكين في القارة، ويحذر من أن الاستقلال الثقافي دون استقلال اقتصادي وتقني لا يحرر الممارسة الصحفية من التبعية [7, p. 82]. ويطرح هذا التوسع سؤالاً مهنياً مهماً: متى تكون الشراكة فرصة لتبادل الخبرات وتوسيع المعرفة، ومتى يمكن أن تؤثر في استقلال التغطية أو تضيق مساحة النقد؟ولا ينبغي وضع التجربتين الروسية والصينية في قالب واحد؛ فطبيعة المؤسسات وأدوات الحضور والرسائل والسياقات السياسية تختلف.
كما لا يصح افتراض أن المؤسسات الغربية تمثل معياراً محايداً، أو أن المؤسسات غير الغربية تقدم بالضرورة رواية أكثر إنصافاً. فالمعيار الأكثر فائدة هو فحص الممارسة نفسها: من يختار الموضوع؟ من يمول الإنتاج؟ من يحدد المصادر؟ هل يستطيع الصحفي نقد الشريك؟ وهل تُتاح للجمهور معلومات كافية عن طبيعة العلاقة؟بهذا المعنى، لا يتعلق التنافس الإعلامي الدولي بمجرد تعدد القنوات التي تبث داخل إفريقيا، بل بتعدد الجهات التي تسعى إلى التأثير في الأطر التي تُفسر من خلالها القارة. وقد تتنافس هذه الجهات على تقديم نفسها باعتبارها شريكاً يحترم السيادة الإفريقية، بينما تظل أسئلة الاستقلال التحريري والمساءلة والشفافية مطروحة على الجميع.ثالثاً: هل تحررت المؤسسات الإفريقية من الاعتماد على الخارج؟إذا كان التنافس الدولي على الرواية الإفريقية يتسع، فإن السؤال المقابل يتعلق بقدرة المؤسسات الإعلامية الإفريقية على إنتاج الأخبار عن القارة من داخلها، وبناء شبكات مهنية تتجاوز الحدود الوطنية. فوجود وسائل إعلام إفريقية لا يعني تلقائياً امتلاكها القدرة على تحديد أجندة التغطية أو الوصول المنتظم إلى الأحداث والمصادر في البلدان الأخرى.وتقدم دراسة «كيف تغطي وسائل الإعلام الإفريقية إفريقيا؟» الصادرة عن Africa No Filter صورة مهمة عن هذه المعضلة. فقد شملت الدراسة مسحاً لآراء 38 محرراً، وتحليلاً لمحتوى 60 مؤسسة إعلامية في 15 دولة إفريقية، إضافة إلى مجموعات نقاش مع محررين ومراسلين. وخلصت إلى أن نحو ثلث التغطية المتعلقة بالدول الإفريقية في المؤسسات التي شملتها الدراسة اعتمد على خدمات إخبارية أجنبية، وأن 63 في المئة من المؤسسات لم يكن لديها مراسلون في دول إفريقية أخرى. كما أشارت إلى أن وكالات إفريقية ساهمت بدرجة محدودة في تدفق الأخبار بين بلدان القارة [8].وتحتاج هذه الأرقام إلى قراءة زمنية دقيقة؛ فالمحتوى الذي حللته الدراسة جُمع خلال سبتمبر وأكتوبر 2020، حتى وإن أعيد نشر التقرير أو الترويج له في سنوات لاحقة. ولذلك لا يصح تقديمها بوصفها قياساً مباشراً للوضع في 2026. لكنها تظل مؤشراً مهماً على مشكلة بنيوية في منظومة تدفق الأخبار داخل القارة، وتستدعي تحديثاً بحثياً يختبر ما إذا كانت التحولات الرقمية والشراكات الجديدة قد غيرت هذا الواقع [8].وتتصل هذه المشكلة أيضاً بالاقتصاد السياسي للإعلام. فالمؤسسات التي تعاني تقلص الإيرادات الإعلانية، وضعف الموارد، وانكماش غرف الأخبار، قد تجد صعوبة في تمويل المراسلين والتحقيقات العابرة للحدود. وفي هذه الظروف، يصبح الاعتماد على وكالات الأنباء الخارجية أو المحتوى الجاهز خياراً عملياً، حتى وإن أدى إلى تقليص حضور الأولويات المحلية في التغطية.ويعزز مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن مراسلون بلا حدود أهمية هذا البعد الاقتصادي. فقد أفاد مؤشر 2026، الصادر في 30 أبريل 2026، بأن حرية الصحافة في إفريقيا ما تزال في حالة متدهورة بدرجة كبيرة [9]، بينما سجل مؤشر 2025 تراجع الدرجة الاقتصادية في 80% من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وأشار إلى تركز ملكية وسائل الإعلام في أيدي نخب سياسية أو تجارية في الكاميرون ونيجيريا ورواندا [10]. وبذلك لا يمكن اختزال ضعف الرواية الإفريقية في تدخل القوى الخارجية وحده؛ فهناك أيضاً قيود داخلية تتعلق بالملكية والتمويل والبيئة التنظيمية والقدرة المهنية.
وتضيف دراسة «الصحافة تحت الحصار: ظروف العمل المتردية وتراجع حرية الإعلام في إفريقيا»، التي أطلقها اتحاد الصحفيين الإفريقيين في أديس أبابا بتاريخ 25 أكتوبر 2026 بدعم من برنامج اليونسكو متعدد المانحين لحرية التعبير وسلامة الصحفيين، دليلاً أحدث على البعد المهني لهذه الأزمة. فقد استندت إلى إجابات 1,586 صحفياً من 45 دولة إفريقية، ورصدت أثر الأجور المتدنية والعمل غير المستقر والتهديدات في إضعاف المهنة وتقييد حق الجمهور في المعرفة.
ولا تقيس هذه النتائج التغطية الدولية مباشرة، لكنها تفسر جانباً من الشروط المادية التي تحد من قدرة غرف الأخبار الإفريقية على إنتاج صحافة مستقلة وعابرة للحدود [11, 12]. وتصف الدراسة نفسها مسحها بأنه استرشادي وليس تعداداً ممثلاً إحصائياً [11].إن استقلال الإعلام الإفريقي لا يتحقق بمجرد رفع شعار «رواية إفريقيا بأصوات إفريقية»، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على جمع الأخبار والتحقق منها وتمويل إنتاجها وتوزيعها. فالصوت المحلي لا يصبح مستقلاً لمجرد أن صاحبه إفريقي؛ إذ يمكن أن يخضع بدوره لضغوط السلطة أو الممولين أو المصالح التجارية أو الاصطفافات السياسية.رابعاً: من معركة الصورة إلى معركة الثقةتتجاوز المسألة سؤال من يظهر في الأخبار إلى سؤال أعمق: من يثق الجمهور في روايته؟ فالتنافس الإعلامي الدولي لا يجري في فضاء تتساوى فيه المؤسسات من حيث الموارد أو الانتشار أو القدرة على الوصول إلى المسؤولين والجمهور. كما أن الجمهور الإفريقي ليس كتلة واحدة؛ إذ تختلف أنماط استهلاك الأخبار والثقة بالمؤسسات واللغات المستخدمة بين المجتمعات والأجيال والبلدان.وتقدم بيانات Afrobarometer المنشورة في 27 أبريل 2026 صورة أكثر حداثة عن أنماط الوصول إلى الأخبار. فاستطلاعها في 38 دولة خلال 2024 و2025 وجد أن 59% من المشاركين يحصلون على الأخبار عبر الراديو يومياً أو عدة مرات أسبوعياً، مقابل 53% عبر التلفزيون و50% عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتوضح هذه الأرقام أن البيئة الإعلامية الإفريقية لا تنتقل ببساطة من الإعلام التقليدي إلى الرقمي؛ بل تتعايش فيها قنوات مختلفة، مع استمرار أهمية الراديو، خصوصاً لدى النساء وسكان المناطق الريفية وذوي الدخل والتعليم الأقل [13].وتظهر أهمية هذا التعدد في أن الرسائل الإعلامية الخارجية قد تجد صدى لدى بعض الجماهير حين تتقاطع مع تجارب تاريخية من الاستعمار أو الإحباط من السياسات الغربية أو الشعور بتهميش المصالح المحلية.
لكن تفسير هذا التفاعل باعتباره نتيجة للدعاية الأجنبية وحدها يتجاهل الأسباب الداخلية التي تجعل بعض الروايات مقنعة أو قابلة للانتشار. فالمشاعر المناهضة للنفوذ الخارجي لا تُصنع كلها من الخارج، بل تتغذى أحياناً على تجارب سياسية واقتصادية حقيقية.وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول مقاومة الهيمنة الإعلامية إلى قبول غير نقدي بروايات القوى الجديدة. فاستبدال مصدر خارجي بآخر لا يضمن استقلال المعرفة، كما أن تعدد القنوات لا يعني بالضرورة تعدد وجهات النظر إذا كانت المؤسسات تتبنى أطر تفسير متشابهة أو تخضع لقيود تحريرية غير معلنة.وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في البيئة الرقمية.
فقد أظهرت دراسة نشرها مركز Research ICT Africa في أبريل 2026، بعنوان «تأطير المصدر: كيف تقدم غرف الأخبار الإفريقية اضطرابات المعلومات»، أن معالجة وسائل الإعلام في المجتمعات الإفريقية الناطقة بالإنجليزية للمعلومات المضللة والخاطئة لا تقتصر على الجانب التقني، بل ترتبط أيضاً بصراعات الثقة والسلطة والشرعية والسياقات التاريخية والسياسية. وقد حللت الدراسة 400 مقال إلكتروني وحددت ستة أطر رئيسية تتناول هشاشة الدولة، وفشل المنصات، وأزمة الثقة، والصحة العامة، ومحو الأمية، والتجريم [14].وتوضح هذه النتائج أن معركة الرواية لا تتعلق فقط بما تنشره المؤسسات الإعلامية، بل أيضاً بكيفية تعريفها للحقيقة، وتحديدها لمصادر المعرفة الموثوقة، وتوزيعها للمسؤولية عن انتشار المعلومات المضللة. ولذلك فإن بناء الثقة لا يتحقق بحجب الروايات المنافسة أو استبدالها بخطاب رسمي، وإنما بتعزيز الشفافية والتحقق والتعددية والمساءلة.وتقدم دراسة محكّمة منشورة في مجلة Frontiers in Political Science في 13 أبريل 2026 مثالاً تطبيقياً على أهمية تحليل التأطير الإعلامي بدلاً من الاكتفاء بالانطباعات العامة.
فقد قارنت تغطية BBC وCNN والجزيرة وCGTN للصراعات الإثيوبية بين 2020 ومارس 2025، وخلصت إلى تركيز كبير على حرب تيغراي مقابل اهتمام محدود بالنزاعات في أمهرة وأورومو، وإلى غلبة الأطر الحدثية التي تفتقر إلى السياق التاريخي والسياسي، وإلى ميل التغطية إلى تحميل الحكومة الإثيوبية المسؤولية. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع نتائجها بوصفها دراسة حالة مرتبطة بعينتها ومنهجها، لا دليلاً على تحيز كل الإعلام الدولي أو على وجود تنسيق بين المؤسسات الأربع [15].خامساً: ما الذي تحتاجه إفريقيا لتروي قصتها؟إن امتلاك إفريقيا لروايتها لا يعني إنشاء خطاب قاري موحد أو فرض صورة إيجابية على جميع الأحداث. فالقارة متعددة اللغات والتجارب والمصالح، ولا يمكن اختزالها في رواية واحدة، سواء أكانت صادرة عن حكومة إفريقية أم مؤسسة دولية أم شبكة إعلامية عابرة للحدود.
المطلوب هو بناء بيئة إعلامية تتيح تعدد الروايات الإفريقية وتنافسها، وتمنح الصحفيين القدرة على إنتاج تغطية مستقلة وعابرة للحدود. ويتطلب ذلك الاستثمار في وكالات الأنباء الإفريقية، وتوسيع شبكات المراسلين بين الدول، وتعزيز التعاون المهني بين غرف الأخبار، وتطوير مؤسسات التدريب والتحقق، وتوفير نماذج تمويل أكثر استدامة وأقل تعرضاً للضغوط السياسية والتجارية.كما أن الشراكات مع المؤسسات الإعلامية الدولية ليست مشكلة في ذاتها؛ فقد توفر التكنولوجيا والتدريب والوصول إلى الأسواق والجمهور العالمي.
لكن قيمتها تتوقف على شروطها: هل تضمن تبادل الخبرات أم تقتصر على نقل المحتوى؟ هل تمنح المؤسسات الإفريقية سلطة حقيقية في اختيار الموضوعات وتحريرها؟ وهل تكشف مصادر التمويل والعلاقات المؤسسية بوضوح؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يميز التعاون المهني عن التبعية التحريرية.ومن المهم كذلك أن تتجاوز التغطية الإفريقية منطق الأخبار الطارئة، فلا تكتفي بملاحقة الانقلابات والنزاعات والأزمات، بل تتابع السياسات العامة والاقتصاد المحلي والتحولات الاجتماعية والبحث العلمي والثقافة والابتكار. فالقارة لا تتغير في لحظات الصدام السياسي وحدها؛ بل تتغير أيضاً في الجامعات والأسواق والمختبرات والمدن والمجتمعات المحلية، وهي مساحات لا تقل أهمية عن ساحات الصراع.
خاتمة: السيادة على الرواية تبدأ من استقلال المؤسسةتكشف التحولات الجيوسياسية في إفريقيا أن التنافس الدولي لم يعد محصوراً في الموارد والتحالفات والوجود العسكري؛ بل امتد إلى المجال الإعلامي، حيث تتنافس القوى المختلفة على تفسير الأحداث وتوجيه النقاش العام وتقديم تصوراتها عن مستقبل القارة.
غير أن هذا التنافس لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مواجهة بسيطة بين إعلام غربي وإعلام شرقي، أو بين رواية أجنبية وأخرى إفريقية؛ فهذه الثنائية تخفي اختلافات واسعة داخل كل معسكر، كما تتجاهل القيود البنيوية التي تواجه المؤسسات الإفريقية نفسها.إن السؤال الحاسم ليس فقط من يروي قصة إفريقيا، بل ما الشروط التي تجعل هذه الرواية مستقلة وموثوقة ومتعددة الأصوات.
فالإعلام الإفريقي لا يستعيد مكانته بمجرد رفض الروايات الخارجية، وإنما ببناء مؤسسات تمتلك الموارد والمهارات والحرية اللازمة لإنتاج المعرفة والتحقق منها ومساءلة أصحاب السلطة، سواء كانوا شركاء محليين أم قوى دولية.
وفي النهاية، لن تكون إفريقيا أكثر حضوراً في الإعلام الدولي لمجرد زيادة عدد التقارير عنها، بل عندما تصبح مجتمعاتها ومؤسساتها قادرة على المشاركة في تحديد موضوعات التغطية، وتفسير تحولات القارة، ومناقشة تناقضاتها دون وصاية أو تزييف. فالسيادة على الرواية ليست امتلاك ميكروفون جديد، بل امتلاك القدرة على قول ما يحدث، والتحقق منه، والسماح للآخرين بمساءلته.













