
مقال رأي بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر
منذ أن قرر العلويون جلب الحماية سنة 1912، لم يكن الشعب المغربي طرفًا في أي قرار يخص مصيره، فمن معاهدة الذل في فاس إلى توقيع إتفاقيات التطبيع سنة 2020، الخط واحد والخيانة واحدة، والضحية واحدة.. هذا الشعب الذي حُكِمَ بإسم الدين تارة وبإسم الوطنية تارة أخرى وبإسم الأمن والإستقرار دائمًا، بينما كان يُساق كالقطيع إلى الفقر والجهل والتهجير.
أنا لا أؤمن بخرافة (( الإستعمار الفرنسي فرض نفسه )) ولا (( بالإستقلال الوطني )) ولا (( بالتحولات الإستراتيجية )) ولا (( بالإنفتاح على العالم )).
ما حدث هو تسليم للبلاد مقابل ضمان العرش، وحدث مجددًا بعد قرن ونيف، بنفس العقلية ونفس الآلية.. حماية خارجية مقابل إستمرار نفس العصابة في السلطة.
حين إستدعى مولاهم عبد الحفيظ فرنسا، لم يكن يدافع عن المغرب بل عن حكمه، وحين جاء حفدته اليوم بالصهيونية، لم يكن الهدف حماية الشعب بل تحصين نظام متهالك يبحث عن شرعية دولية بعدما فقد ما تبقى من الشرعية الداخلية، نفس العائلة ونفس المقايضة.. نعطيكم الأرض والثروة والموقع الإستراتيجي، وتعطوننا الغطاء السياسي والأمني والمالي.
كل ما يسمى (( إستقلالًا )) بعد 1956 لم يكن إلا عملية تجميل لإحتلال تغيّرت لغته ووجوهه دون أن يغادر البلد، فرنسا بقيت في الجيش والإقتصاد والتعليم والقرار السيادي، والآن جاء الدور على الصهيونية لتتولى ما تبقى من مفاصل الدولة.. إتفاقيات عسكرية، تبادل إستخباراتي، إستثمارات إستراتيجية، تدريب أمني، منظومات تجسس، وتغلغل مباشر في القرار.
إنها حماية جديدة تحت إسم (( شراكة متقدمة ))، لكنها في الواقع وصاية أخطر من الأولى، لأنها مرتبطة بتدمير ما تبقى من الهوية والسيادة والذاكرة.
الشعب المغربي لم يستفد شيئًا خلال قرن وعشر سنوات سوى الوهم والخطابات والمقابر، حيث جرى سحق الفلاحين، وتمزيق القبائل، وإبتلاع الأراضي، وتجويع العمال، وتدمير التعليم، ودفن الصحة، وإنتاج الفقر كسياسة دولة.
عشرات الملايين من المغاربة هُجّروا قسرا نحو أوروبا والخليج، والباقون يعيشون تحت سقف القهر الأمني والإبتزاز والديون والقوانين المفروضة من الخارج.
الثروات الطبيعية نُهبت بلا خجل.. الفوسفاط، الصيد البحري، المعادن، الأراضي الزراعية، المناجم، الغاز، الذهب… وكل ذلك يُستخرج لصالح شركات أجنبية بتوقيع ملكي وبحراسة أمنية.
المخزن ليس مجرد جهاز إداري فاسد، بل هو نظام إحتلال داخلي متحالف مع إحتلال خارجي، من العام 1912 إلى اليوم، لم يتغير سوى إسم الشريك.. فرنسا أولًا، أمريكا ثانيًا، الصهيونية الآن، وغدًا من يدفع أكثر، لم يكن الشعب في أي لحظة شريكًا ولا مستفيدًا ولا محميًا، بل كان دائمًا هو الوقود الذي تُشعل به نار السلطة.
إتفاقيات 2020 لم تكن حدثًا مفاجئًا بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإرتماء في أحضان الإستعمار، فالملكية بالمغرب لم تجد يومًا مكانها إلا تحت حماية أجنبية تضمن بقاءها، من إحتلال مباشر إلى وصاية إقتصادية إلى بيع جهوي للأرض تحت مسمى (( الإستثمارات ))، ثم إلى تطبيع كامل يربط الجيش بالعدو، المخابرات بالعدو، الأمن بالعدو، القضاء بالعدو، الإعلام بالعدو، التعليم بالعدو، والثقافة بالعدو… وما خفي كان أعظم.
أما من يتحدث عن الربح السياسي أو الإقتصادي أو (( المصالح العليا ))، فإما أنه مستفيد من الكعكة أو غارق في الوهم.
** لا طائرات بدون طيار ستحرر الصحراء الغربية المحتلة من ساكنتها الأصلية **، ولا إتفاقيات عسكرية ستبني إقتصادًا، ولا الصهيونية ستجلب الرفاه لشعب يُقتل على ابواب مستشفياته يوميًا، فما جرى هو تفويت علني لما تبقى من السيادة، بعد قرن من التفويت الصامت والخفي.
الخلاصة بالنسبة لي واضحة.. من معاهدة فاس إلى إتفاقيات أبراهام، العائلة نفسها تُسلم البلد للمحتل، والشعب نفسه يُساق نحو الذبح، والغطاء نفسه يُستعمل.. الوطنية، الدين، الإستقرار، العرش، البيعة، المصلحة العليا، ما يتغير فقط هو شكل المستعمر، وما لا يتغير هو طبيعة الخيانة.
أنا لا أهاجم نظاما (( عصابة )) حكم عقدين أو ثلاثة، بل أبني إتهامي على أزيد من قرن من الدمار الممنهج، والعدو الحقيقي ليس (( الغرب )) ولا (( الشرق )) ولا (( الصهيونية )) وحدها، بل الكيان الداخلي الذي فتح لها الأبواب، وأقسم أن يحكمنا بإسمها ما بقي فيه نفس.
كما أقولها دائما هذه ليست دولة، إنها (( عصابة )) تتوارث الحكم والخيانة، وما دام الشعب خارج المعادلة، فلن يتحرر سوى بالقطيعة الجذرية مع هذا التاريخ الأسود كله، لا بإنتظار إستعمار جديد يعطي فتاتًا أقل أو أكثر.
هذه بداية إنفجار لا نهاية مقال.





