بوابة الجزائر الاخبارية : بعد أكثر من ستة عقود على استقلال الجزائر، لا يزال أرشيف ثورة التحرير حبيس الخزائن الفرنسية. ورغم الوعود السياسية المتكررة بفتح ملفات الماضي الاستعماري، يصطدم الباحثون بحواجز إدارية وقانونية تحول دون الوصول إلى الوثائق الأكثر حساسية، وفق تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية.

رئيس يَعِد.. ودولة تقاوم
لم تكن المعركة بين فرنسا والجزائر وحسب، بل داخل فرنسا نفسها ، فقد كشف التقرير أن أطرافا سياسية وإدارية فرنسية ما تزال تعارض إتاحة الأرشيف المتعلق بالثورة، خاصة الوثائق التي قد تميط اللثام عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها الجيش الاستعماري.
وحتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي سعى إلى دفع ملف الذاكرة وفتح الأرشيف، واجه مقاومة داخل جهاز الدولة نفسه، بحسب التقرير.
ويضع ذات التقرير هذه المعطيات في سياق تصاعد التوتر حول ملف الذاكرة منذ مطلع الألفية، مع تزايد الأبحاث والكشف عن وقائع تتصل بممارسات الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير.
ضابط يكتب التاريخ فيُحاصر
ومن أبرز الحالات التي أوردها التقرير قضية الضابط والمؤرخ رومان شورون، خريج مدرسة سان سير العسكرية، حيث اقتحم رجال الأمن الداخلي الفرنسي، بيته على الساعة السادسة صباحا.
حيث أن شورون كان قد أعد أطروحة عن الحرب السرية التي خاضها الجيش الفرنسي في الجزائر، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية ضد شبكات الكهوف التي كان يعتمدها جيش التحرير الوطني.
وتعقدت وضعيته سنة 2019 بعدما قدّم، بطلب من قيادته العسكرية، مذكرة مرحلية عن أبحاثه، فقد أُبلغ مكتب رئيس الوزراء بشبهة المساس بسرية الدفاع الوطني، ثم فتحت المديرية العامة للأمن الداخلي تحقيقا وأُجري تفتيش بأمر قضائي.
ووُجهت إليه اتهامات تتعلق بالاطلاع على وثائق مصنفة سرية وعدم طلب تصنيف المذكرة التي أعدّها ، ولم يكن شورون وحيدًا.

إذ أشار التقرير أيضا إلى العراقيل التي واجهها المؤرخ كريستوف لافاي في أبحاثه حول استخدام الجيش الفرنسي الأسلحة الكيميائية داخل الكهوف الجزائرية.
ثلاث محطات في مسار الانفتاح و الإغلاق
يرى التقرير أن اعتراف ماكرون في سبتمبر 2018 بمسؤولية الجيش الفرنسي عن وفاة المناضل موريس أودان شكل محطة مفصلية، فقد أعقبه إعلان فتح الأرشيف المتعلق بالمفقودين، لكن ذلك الانفتاح لم يدم طويلًا.
ففي جويلية 2019، طُلب من مصالح الأرشيف تطبيق تعليمات سرية الدفاع الصادرة سنة 2011 بصرامة، ما أعاد فرض قيود على وثائق كان الاطلاع عليها أوسع قبل ذلك.
في جويلية 2021، ألغى مجلس الدولة الفرنسي مذكرة إدارية كانت تقيّد إتاحة بعض الوثائق، وأعاد التأكيد على تطبيق قانون التراث المعدّل سنة 2008، الذي يتيح الاطلاع على الأرشيف بعد انقضاء الآجال القانونية لمنع نشره.
وربطت صحيفة «لوموند» الفرنسية هذه الوقائع في سياق مساعٍ رسمية لتضييق نطاق الوصول إلى الوثائق المشمولة بالسرية، خصوصا تلك المرتبطة بحرب التحرير الجزائرية، في خطوة تتعارض مع تعهدات الرئيس إيمانويل ماكرون بإتاحة الأرشيف الاستعماري أمام الباحثين، وتثير موجة من الاستياء والانتقادات في الأوساط التاريخية والمهنية المعنية بحفظ الوثائق والأرشيف.


































