بوابة الجزائر الاخبارية : تخوض جمهورية الصومال الفيدرالية مرحلة بالغة التعقيد والدقة في مسارها التاريخي والسياسي الحديث؛ إذ يتقاطع الاستحقاق الانتخابي المُعلن مع معادلة وطنية وإقليمية متابينة تتشابك فيها الهواجس الأمنية بالخلافات الدستورية والهيكلية. ويمثل إعلان المفوضية الوطنية للانتخابات عن خارطة طريق عام 2027، بما تتضمنه من محطات إجرائية تفصيلية بدءاً من تسجيل الأحزاب في نوفمبر 2026 مروراً بانتخابات البرلمان ومجلس الشيوخ وصولاً إلى الاستحقاق الرئاسي في منتصف مايو 2027، محاولة مؤسسية لفرض جدول زمني يحصن الدولة ضد أزمات الفراغ الدستوري.
إلا أن هذا المخاض الانتخابي يصطدم بواقع سياسي وميداني شديد الهشاشة؛ فهو يأتي وسط تشرذم عميق واستقطاب حاد بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وبعض الولايات الإقليمية المناوئة حول آليات إدارة الدولة وتوزيع الصلاحيات. وتتضاعف هذه التعقيدات جراء استمرار التهديدات الأمنية الميدانية، لا سيما خطر التنظيمات المسلحة مثل حركة الشباب، إلى جانب السجال المستمر حول طبيعة النظام الانتخابي والانتقال المتعثر من نموذج الاقتراع غير المباشر القائم على المحاصصة العشائرية والتقاسم القبلي إلى نظام الاقتراع العام المباشر (“صوت واحد لكل مواطن”).

هذا التناقض بين النصوص الدستورية المأمولة والواقع السياسي المعاش يجعل من الانتخابات المقبلة محطة وجودية؛ فإما أن تشكل رافعة لتثبيت شرعية مؤسسات الدولة واستكمال البناء الديمقراطي، أو أن تتحول إلى فتيل لتفجير أزمات جديدة تعمق حالة الانقسام وتهدد وحدة واستقرار النسيج الوطني الصومالي بأكمله.
معضلة الجدول الزمني والجاهزية الميدانية للانتخابات
يرى الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف أن التحدي الحقيقي في الصومال لا يتوقف عند مجرد إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، بل يتمثل في مدى توفر الإرادة السياسية والضمانات الحقيقية لإنتاج استحقاق حر ونزيه يحظى بالقبول العام. ويشير يوسف إلى أن الدولة الصومالية لا تزال تعاني من تركات عقود الفوضى وغياب السيطرة التامة على الحدود والمجال الجوي، وهو واقع ميداني ولوجستي يحتم عدم فرض نماذج انتخابية بمعزل عن المعطيات على الأرض. كما يؤكد الدبلوماسي أن الدستور يمثل عقداً اجتماعياً مقدساً لا يجوز استخدامه لتبرير طموحات شخصية أو تمديد السلطة دون توافق وطني، مشدداً على ضرورة وجود مفوضية انتخابية تحظى بثقة جميع الأطراف، ومعالجة الخلافات المتجذرة مع بونتلاند وجوبالاند لضمان عدم عودة البلاد إلى دوامة الانقسام.
شروط النظام الديمقراطي والتحذير من عسكرة السياسة
وفي قراءته لطبيعة النظام الانتخابي والشرعية الدستورية، يوضح الدبلوماسي الشافعي يوسف أنه على الرغم من دعم مسار بناء الديمقراطية الحديثة القائمة على مبدأ “صوت واحد لكل مواطن”، إلا أن هذا الانتقال لا يمكن أن يتم بقرارات سياسية فوقية. وينبه يوسف إلى أن الديمقراطية الحقيقية تتطلب مؤسسات مستقلة، وأمناً شاملاً، وسجلاً انتخابياً موثوقاً، وتوافقاً دستورياً بين الحكومة الفيدرالية ومختلف الولايات والمكونات. ويحذر الدبلوماسي من مخاطر فرض النتائج بالقوة والزج بالقوات المسلحة في أتون الخلافات السياسية، مذكراً بأن الجيش هو ملك للشعب الصومالي ومهمته حماية الوطن لا حسم الصراعات الحزبية والسياسية.
أولوية الوحدة الوطنية وضرورة التوافق الشامل
وفي ختام تحليله للمشهد الصومالي، يشدد الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف على أن مصلحة الوطن ومستقبله أبقى وأكبر من مصالح أي حزب أو رئيس أو مجموعة سياسية. ويؤكد يوسف أن نجاح الصوماليين في تنظيم انتخابات توافقية وشفافة يشكل نافذة أمل لاستعادة الثقة وبناء مؤسسات الدولة، بينما ينذر الإقصاء والانفراد بالقرار بدفع البلاد نحو أزمات مدمرة جديدة. ومن هذا المنطلق، يوجه الدبلوماسي دعوة صريحة للقيادة الفيدرالية، والمعارضة، والولايات، والشركاء الدوليين لتغليب المصلحة العليا واحترام الدستور، مبيناً أن الصومال بحاجة ماسة إلى انتخابات تجمع الكلمة وتوحد الصفوف لا إلى محطات تكرر الانقسامات.


















