بقلم :الهاشمي جعبوب
أخذت مقعدي بطائرة الخطوط الجوية الجزائرية المتوجهة الى باريس صباح يوم الجمعة 7 مارس 2003، ربطت حزامي قرأت دعاء السفر و أخرجت المصحف من محفظتي و رحت اقرأ سورة البقرة كعادتي في كل اسفاري.
فجأة جلست بجانبي اوروبية تجاوزت الأربيعين سنة من عمرها ، لم تبادرني بالتحية فتجاهلتها.
لاحظت ارتعاش يديها و هي تحاول إحكام ربط حزامها بعناء كبير، ثم سارعت بطلب كأس خمر تجرعته على عجالة و طلبت الكأس الثانية متلهفة قبل أن تغادرها المضيفة، و قبل إقلاع الطائرة طلبت الكأس الثالثة.

كانت تحتسي الخمر و يداها ترتعشان و انفاسها متقطعة، إلتفت إليها و قلت: لقد أكثرت من احتساء الخمر سيدتي ألا يشكل هذا خطرا على عقلك و صحتك؟
ضمت الكأس بين يديها حتى لا يتدفق محتواه على رجليها الملتحمين ببعضهما البعض، و قالت: انا خائفة، خائفة من سقوط هذه الطائرة.
افعلي مثلي و لن تخافي ابدا قلت مطمئنا لها.
تفاجأت، توقفت عن شرب الخمر و التفتت نحوي تبحت عن الوصفة السحرية للتخلص من خوف ركوب الطائرة ثم صاحت متلهفة كيف ؟

تحركت الطائرة على المدرج، تجرعت محتوى الكأس على نفس واحدة، أمسكت بيدها على ذراعي الكرسي، ألصقت ظهرها بالمقعد، زادت وتيرة انفاسها، أغمضت عينيها العسليتين و عضت على شفتها السفلى حتى كادت تدميها.
ألا تريدين سماع كيفية التخلص من الخوف؟ قلت لها بهدوء الطبيب عند رأس مريضه.
تمسكت بالمقعد و دون ان تلتفت الي قالت بلى بلى كيف العمل من فضلك؟..
قلت لها: سهل جدا، يجب ان تثقي ان الأعمار بيد الله و ان الخوف لن يقدم الموت و لن يؤخره.
كانت الطائرة تنزلق على أسفلت المدرج متجهة نحو نقطة الإنطلاق و الركاب سكوت.
أعلم هذا جيدا و أؤمن به إيمانا مطلقا و لكنني خائفة و أخشى أن تسقط الطائرة و يكون هذا يوم نهايتي، قالتها بانفاس متقطعة.
زاد صوت محركات الطائرة و انطلقت كالسهم ثم طارت و ارتفعت في السماء…
تجمدت الأوروبية بمقعدها و التصقت به حتى صارت جزءا منه و لما استوت الطائرة و استرجعت قليلا من انفاسها قلتُ لها: مستحيل و مستحيل…
ماذا؟ ما هو المستحيل قالت متلهفة؟.
قلت لها: مستحيل ان تسقط هذه الطائرة اليوم و انا متيقن مما اقول مئة بالمئة.
من أين لك بهذا اليقين السيد الوزير؟
و لما رأت علامات التعجب بدت على وجهي لما نادتني “بالسيد الوزير “،
قالت مسرعة : انت وزير الصناعة و انا اعرف هذا أنا من درست ملفك و منحتك التشأيرة، انا ديبلوماسية بالقنصلية العامة لفرنسا بالجزائر مكلفة بملفات الشخصيات.
تشرفنا، قلت لها.

كنا آنذاك خاضعين لطلب التأشيرة رغم حيازتنا لجوازات السفر الدبلوماسية و هذا داخل في إطار المساومات و تضييق الخناق على الجزائر و الزيادة في عزلتها الدولية من طرف من يدعون أنهم أصدقاء و حلفاء الجزائر و على رأسهم فرنسا.
و لم يعتمد الاعفاء من التأشيرة الا سنة 2007 باتفاق ثنائي امضاه عن الجانب الجزائري المرحوم مراد مدلسي و هو الإتفاق الذي يأسف له كثيرا السفيه سفير فرنسا السابق بالجزائر Xavier driencourt و لازال يطالب بإلغائه نكاية في بلدي…
تقبلت الديبلوماسية الفرنسية ما قلته لها و راحت تبحث عن طوق نجاة يخرجها من حالة الفوبيا الي كانت عليها، و استمرت تحدق في وجهي تبحث عن المزيد من الدعم و تحثني بنظراتها عن تقديم تفسير لقناعتي بإن تلك الطائرة لن تسقط في تلك الرحلة …
إلتفت إليها جيدا و قلت لها، قناعتي ليست عقائدية بل علمية و سوف تقتنعين بها و تؤمنين بها و يزول عنك الخوف…
هدأ كلامي من روعها ، تنفست الصعداء و هدأت وتيرة انفاسها و تراجعت نبضات قلبها، بشكل واضح، أرخت قبضتها على مقبض الكرسي و اعتدلت في جلستها و كأن الخوف قد زال قبل أن تسمع الوصفة السحرية…
طلبت كأس خمر أخرى تجرعت محتواها على عجل، مسحت شفتيها بظهر يديها النحيفتين و أعادت الكأس للمضيفة.
قلت لها انت بلا شك على علم بسقوط طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية أمس الخميس بتامنراست، هزت رأسها بالإيجاب دون ان تقول كلمة، و ربما هذا ما زاد من خوفك أليس كذلك؟ عادت تهز رأسها من الأعلى إلى الاسفل.
سقوط طائرة بالامس يا سيدتي هو الدليل على أن هذه لن تسقط اليوم ، هل تظنين ان طائرات خطوطنا الجوية علب كرطون، إعلمي انه و منذ الاستقلال هذه هي الطائرة الثانية التي تسقط، فهل يعقل ان تسقط طائرة كل يوم؟
و أعلمي انه كان مقررا أن أكون على متن تلك الطائرة رفقة وفد وزاري و لكن ها أنا معك لأن الأجل لم يصل.
توقفتُ عن الكلام، اغمضتُ عيناي و عدتُ إلى يوم الثلاثاء الذي سبق يوم كارثة سقوط الطائرة و كيف كان رئيس الديوان قد انهى الإجراءات و اقتنى تذاكر السفر إلى تامنراست.
كان مقررا ان أسافر يوم الاربعاء مساء مع وفد من 4 إطارات من بينهم المفتش العام السيد يوسفي اخ المرحومة يوسفي مساعدة قائد الطائرة لنقضي الليل بتمنراست و أشرف في اليوم الموالي، الخميس 6 مارس 2003 على افتتاح معرض الأسيهار ثم نعود إلى العاصمة على متن نفس الطائرة التي تحطمت على الساعة الثانية زوالا…
هذه حكمة الله، قمت بإلغاء تنقلنا إلى الجنوب في آخر لحظة لما تذكرت أنني سأسافر يوم الجمعة الموالي إلى طهران عن طريق باريس…
دخل علي المكلف بالتشريفات لإعلامي بالفاجعة و هو في حيرة أيحزن لسقوط الطائرة ام يفرح لنجاتنا، هذه هي الدنيا و هذه هي المقادير و لا راد لها، قلت له…
عُدتُ إلى نفسي، فتحت عيناي باتجاهها وجدتها ساكنة و قد أشرق وجهها تحت تأثير الخمر و ربما تفسير (استحالة سقوط الطائرة الذي صدقته ) و الذي سقته لها من باب التخفيف من روعها لا غير.
إنفجرت ضاحكة و قالت: آه ما اغباني لم افكر في هذا ابدا، و زال خوفها و انطلق لسانها و ليتها ما نطقت…
و دون اية مقدمة توجهت إلي قائلة: السيد الوزير، إن رئيسكم عبدالعزيز بوتفليقة ارتكب خطأ فادحا خلال زيارته الأخيرة إلى فرنسا.
آه. ما هو هذا الخطأ الفادح قلت لها مستفسرا؟
لقد ارتكب خطأ حين وصف الحركى بالخونة.
تراجعت إلى الخلف ثم اقتربت منها و قلت: معذرة هل يمكن ان تعيدي ماقلت؟
اعتدلت في مقعدها، ضمت أصابع يديها و رفتعهما حد وجهها المحمر من فعل الخمر و أعادت قائلة: لقد تجرأ الرئيس بوتفليقة و وصف الحركى بالخونة و هو ضيف على أرض فرنسا.
لم أفهم سبب غضبها لأنني كنت أجهل تماما وجهة نظرهم في تسمية الحركى، انتصبت في مقعدي أنا كذلك و إلتفت لها وكان واضحا انها تخلصت من نوبة فوبيا ركوب الطائرة و قلت لها:
ما هو وجه الغرابة في ذلك هل ظلمهم؟ أليسوا خونة des collabos كما تصفون انتم الخونة الذين التحقوا بالجيش الألماني النازي و حاربوا إخوانهم الفرنسيين؟
لا ابدا قالت منتفضة، الأمر مختلف تماما.
اين وجه الاختلاف؟ قلت لها و خونة الجزائر خانوا بلادهم الجزائر و انضموا للجيش الفرنسي و حاربوا إخوانهم تماما كما فعل الخونة الفرنسيون les collabos français ?
أدارت باطن كيفيها إلي و راحت تحركهما إقبالا و إدبارا تستجدي هدوئي و صبري عليها و قالت: سأشرح لك إذا سمحت.
حسنا تفعلين، قلت لها، تفضلي و أرجو أن تحسني الشرح و نحن على علو 10.000 متر لأستفيد و لا أموت جاهلا.
كنت فعلا متلهفا لمعرفة رأيهم في موضوع الحركى و انا الذي كنت أظن أن الموقف بشأنهم موحد بيينا و بينهم على أنهم خونة لوطنهم و شعبهم و أنهم حثالة البشرية و يستحيل ان يحترمهم أحد.
استهوتها الجلسة و استحسنت مسايرتي لها في الحوار حتى ظننتُ ان جلوسها بجانبي لم يكن صدفة بل عن قصد بغرض تبليغ رسالتها إلي…
استجمعت قواها و قالت: لا يحق لكم انتم الجزائريون ان تنتقصوا من قيمة الحركى ( و كأن لهم قيمة) و تصفوهم بالخونة لأنهم و ببساطة لم يخونوا وطنهم و الذي هو فرنسا.
كنت اتابع باهتمام ما كانت تهرطق به، و واصلت قائلة: ان الدولة الجزائرية لم تؤسس إلا بعد انفصالها عن فرنسا اي سنة 1962 ، بمعنى ان الحركى الذين حاربوا مع جيشها هم مواطنون فرنسيون (صالحون) اختاروا الاصطفاف مع شرعية نظام وطنهم فرنسا ضد عناصر جيش التحرير المشكل من المتمردين و الثوار الانفصاليين و الخارجين عن القانون و قطاع الطرق و خريجي السجون من مجرمي القانون العام و بالتالي فالحركى لم يخونوا ابدا و لا يحق تسميتهم بالخونة les collabos.
تذكرت حينئذ حادثة مروحة الداي حسين ثم وصية والدي فتمالكت أعصابي…
تأكدتُ أن معنى الحركى عندهم يختلف جذريا عن معناه عندنا، فإذا كان الحركي عندنا هو الخائن فإن الحركي عندهم هو المواطن الفرنسي ذو الأصول الجزائرية الذي اختار (الشرعية) لذلك لا يتحرج السياسيون و الرسميون و الإعلاميون الفرنسيون باستعمال هذا المصطلح عند الكلام عن هذه الطحالب البشرية التي ألفت هذه التسمية و أصبحت تتباهى بها و بمشاركتها في مواجهة جيش التحرير الوطني الجزائري و في قتل الأطفال و اغتصاب النساء و سلب الممتلكات و اصبحت هذه العناصر المنبوذة تشارك بانتظام في الإحتفالات بالعيد السنوي للحركى الذي تقيمه لهم فرنسا الرسمية بانتظام و اقنعوا ابناءهم بصواب ما أقدموا عليه من خيانات.
طلبت الديباوماسية كأس خمر رابعة أو خامسة او سادسة – لست متأكد من العدد – و راحت تحتسيه بهدوء ثم واصلت (محاضرتها ) و قالت:
أما الفرنسيون الذين إلتحقوا بالجيش الألماني و حاربوا معه ضد بلادهم فرنسا فهم ليسوا حركى بل خونة des traitres, des collabos .
نظرت إليها مليا و قلت لها: شكرا لك و أحسنت و انا معك على طول الخط فيما ذهبت إليه، فلمعت عيناها و كأنها اسبشرت بكسب المناظرة.
ثم واصلت قائلا لها: إن الحركى ليسوا خونة لأن الخونة الفرنسيين تعاونوا مع الجيش الألماني في غضون الأيام الأولى من احتلاله للأراضي الفرنسية ربما لأنهم كانوا يجهلون مدى وحشيته، أما الحركى الجزائريون فهم ليسوا خونة بل هم خونة بامتياز des supers collabos لأنهم كانوا يعرفون الاستعمار الفرنسي حق المعرفة و ذاقوا ولاياته طيلة 130 سنة و رغم ذلك لم يتعضوا و انضموا إليه و حاربوا أهاليهم و إخوانهم معه و بالتالي فأنا معك فصفة الخونة لا تليق بهم و لا تفي بالغرض في حق هذا الشرذمة و أكبر شيئ أتعجب منه هو كيف تطمئنون إليهم و قد خانوا دينهم و ملتهم و عرقهم و اجدادهم و آباءهم و إخوأنهم و أخواتهم و اعمامهم و إخوالهم و وطنهم؟
أرادت إسترداد الكلمة مني فواصلت و أرغمتها على الإستماع و المتابعة و كنت حريصا على إتمام فكرتي خاصة و ان الطائرة بدأت في الهبوط على ارضية مطار باريس، و قلت لها: إن المشكل العالق بيننا و بينكم هو التاريخ، استعمرتم بلدنا حرقتم قتلتم نهبتهم اغتصبتم كل هذا انتهى و لكنكم تواصلون في عدوانكم بتحريف التاريخ و تريدون إلزامنا بالاقرار بروايتكم لتاريخنا و أن نمجد الخونة الذين ساعدوكم في قتل أجدادنا و آبائنا و امهاتنا.
حاولت مرة أخرى ان ترد علي فقاطعتها و قلت لها مشيرا إلى كأس الخمر أمامها قصد تشتيت فكرها، إنك تكلفين كثيرا الخطوط الجوية الجزائرية و لو يستهلك نصف مسافروها نصف ما استهلكت لاعلنت إفلاسها.
نسيت قضية الحركى و أسرعت قائلة: ستربح مع المسافرين الاسلاميين الذين لا يشربون الخمر.
الاسلاميون من امثالي تقصدين، شكرا لك إذ أقررت للإسلام بهذه الميزة الاقتصادية على الأقل، و قد نفكر في طلب تخفيضات في ثمن التذاكر على رحلات كل الشركات العالمية للنقل مقابل ما تجنيه من أرباح لعدم استهالكنا للخمور أثناء رحلاتنا، قلت معقبا عليها.
توقفت الطائرة، نظرت إليها مليا و قلت لها: قبل أن نفترق يجب ان أؤكد لك مرة أخرى أن سبب اختلافنا حول الذاكرة و في معنى كلمة حركي نابع من اختلافنا حول تاريخ الجزائر فلو اكتفيتم بكتابة تاريخ بلدكم و لم تحرفوا تاريخ وطني لكان معنى الحركى واحد اي خونة لأوطانهم لا يستحقون الاحترام لا منا ولا منكم و لا اظنكم تحترمونهم رغم ما تتظاهرون به أمامهم.
رفعت كتفيها كالمغلوب على أمره ، لم تعلق، انتصبت واقفة، أخرجت حقيبتها من الصندوق العلوي للطائرة ثم استدارت نحوي و قالت: أكيد السيد الوزير، ستزورون الشيخ نحناح بالمستشفى، لم تنتظر ردي و غادرت الطائرة مسرعة.
أعدت ترتيب المصحف داخل المحفظة ثم تذكرت أن الديبلومسية (البقرة) شغلتني عن قراءة سورة البقرة.
انتهى.









































