مقال بقلم: المحلل السياسي حسين لنصاري و مبروك كاهي، أستاذ العلوم السياسية
بوابة الجزائر الإخبارية : تتجه العلاقات الجزائرية النيجرية نحو مرحلة جديدة من التعاون الأمني والاستراتيجي، في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه منطقة الساحل، وما تفرضه من تنسيق إقليمي لحماية الحدود ومواجهة التهديدات المسلحة وتأمين المشاريع التنموية العابرة للحدود. ويعكس النقاش الدائر بشأن دعم الجزائر للنيجر، وفق ما طرحه عدد من المتابعين والخبراء، توجهاً نحو ربط الأمن الإقليمي بمقاربة تقوم على احترام السيادة الوطنية وتعزيز قدرات الدول المعنية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة التوقيت الذي جاء فيه التحرك الجزائري، عقب زيارة رئيس الوزراء النيجري إلى الجزائر، وما أعقبها من تطورات أمنية في نيامي، باعتبارها مؤشراً على أهمية التنسيق السياسي والأمني بين البلدين، ومدى ارتباط استقرار النيجر بالأمن القومي الجزائري وعلى ذلك تم استدعاء البرلمان بغرفتيه وصوت، الاحد 25 أكتوبر 2026، بالاجماع على قرار إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر في اطار التعاون العسكري بين البلدين.
عمر الأنصاري: الجزائر شريك في الأمن وليست طرفاً في صراع النفوذ

يرى السياسي النيجري عمر الأنصاري أن تتابع الأحداث، من الزيارات الرسمية إلى التطورات الأمنية ثم التحرك الجزائري المعلن، حمل دلالات سياسية وأمنية مهمة لدى الرأي العام في النيجر.وقال الأنصاري إن «التوقيت لم يكن عادياً»، مضيفاً أن سرعة التحرك الجزائري عكست، في نظره، «موقفاً أخوياً سريعاً وواضحاً».
واعتبر المتحدث أن استقرار النيجر لم يعد مسألة داخلية بمعزل عن محيطها، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الجزائر، في ظل الحدود المشتركة والتحديات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والتهريب وحركة الجماعات المسلحة.وفي تقييمه لطبيعة التعاون بين البلدين، شدد الأنصاري على أن «الجزائر تجمعنا معها تحديات أمنية مشتركة حقيقية»، معتبراً أن هذه المعادلة تميز الشراكة الجزائرية النيجرية عن علاقات أخرى قد تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية.وبشأن طبيعة الدعم العسكري، أوضح الأنصاري أن الطلب النيجري، وفق قراءته، يتمثل في دعم الجيش لمواجهة محاولات زعزعة الاستقرار، معتبراً أن أي تعاون عسكري ينبغي أن يظل مرتبطاً باحترام السيادة الوطنية وتحديد المهام بصورة واضحة.كما رحب بتعزيز التعاون بين البلدين، مع التأكيد على أهمية استعادة المسار الدستوري في النيجر، بما يسمح للمؤسسات المنتخبة بالمشاركة في إضفاء شرعية شعبية ومؤسساتية أوسع على الشراكات الاستراتيجية.وفي ما يتعلق بالأبعاد الاقتصادية، أشار الأنصاري إلى أن الأمن والتنمية مساران متكاملان، لافتاً إلى الأهمية الاستراتيجية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط بين نيجيريا والنيجر والجزائر، وما يمكن أن يتيحه من فرص للتنمية والتكامل الاقتصادي الإقليمي.
وحذر في المقابل من تحويل النيجر إلى ساحة تنافس بين القوى الخارجية، مؤكداً أن «الشعب النيجري لا يريد أن يتحول بلده إلى ساحة تنافس بين قوى خارجية».وختم الأنصاري بالتأكيد على أن العلاقات مع الجزائر تستند، وفق تقديره، إلى روابط الجوار والمصالح الأمنية المشتركة، معرباً عن تطلعه إلى تعميق التعاون بما يعزز قدرات النيجر الوطنية ويحفظ سيادتها.
مبروك كاهي: التحرك الجزائري يستند إلى إطار دستوري ومقاربة استراتيجية
من جانبه، يربط مبروك كاهي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ورقلة في الجزائر، الخطوة الجزائرية بالإطار الدستوري المنظم لإمكانية إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، وبالتطورات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل.

وفي تقييمه للمسار التشريعي، اعتبر كاهي أن القرار يندرج ضمن الممارسة التي أقرها التعديل الدستوري لسنة 2020، والذي أتاح إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي خارج الحدود ضمن المهام والشروط التي يحددها الدستور.وأكد أن «هذا احترام مؤسساتي قانوني، ويعطي السند الشرعي والقانوني والدستوري لهذه الخطوة المهمة».ويرى كاهي أن فهم دوافع التحرك الجزائري يقتضي وضعه في سياق العلاقات الثنائية والتنسيق الأمني والتنموي بين الجزائر والنيجر، مشيراً إلى أن التعاون بين البلدين لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يرتبط أيضاً بمشاريع التنمية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا الإطار، استحضر المتحدث تأكيدات الرئيس الجزائري السيد، عبد المجيد تبون المتكررة بشأن الترابط بين أمن الجزائر وأمن منطقة الساحل، معتبراً أن حماية المصالح الوطنية الجزائرية تتقاطع مع دعم استقرار دول الجوار ومساعدتها على مواجهة التهديدات الأمنية.وقال كاهي إن «حماية المصالح هو امتداد لحماية الأمن الوطني الجزائري»، موضحاً أن التحرك يمكن قراءته أيضاً في ضوء الحاجة إلى دعم قدرات النيجر على ضبط حدودها ومواجهة تحركات الجماعات المسلحة.
ورفض أستاذ العلوم السياسية اعتبار الخطوة تحولاً جذرياً في العقيدة الدفاعية الجزائرية، موضحاً أن الأمر يتعلق، وفق قراءته، بتفعيل إطار دستوري يتيح الاستجابة للمستجدات الإقليمية، مع الحفاظ على المبادئ التي تقوم عليها الدبلوماسية الجزائرية.
وأضاف أن الدولة الجزائرية، بحسب تعبيره، لا تستهدف الانخراط في أعمال من شأنها تهديد استقرار الدول أو التسبب في معاناة شعوبها، بل تسعى إلى حماية مصالحها الوطنية ومساعدة دول الجوار على صون الأمن والاستقرار.واعتبر كاهي أن الاستعداد لمثل هذه السيناريوهات لم يكن وليد اللحظة، مشيراً إلى المناورات العسكرية التي أجراها الجيش الجزائري خلال السنوات الماضية لمحاكاة تطورات أمنية محتملة، وهو ما يراه مؤشراً على التخطيط المسبق لمواجهة التحديات الإقليمية.
الأمن والتنمية.. رهان الجزائر في منطقة الساحل
وتكشف القراءتان، السياسية والأكاديمية، عن تقاطع واضح في النظر إلى التعاون الجزائري النيجري بوصفه شراكة تتجاوز الاستجابة للتحديات الأمنية الآنية، لتشمل حماية الحدود، ومواجهة الجماعات المسلحة، وتهيئة الظروف اللازمة لإنجاز المشاريع التنموية والاستراتيجية.كما تبرز أهمية التمييز بين التعاون العسكري القائم على طلب الدولة المعنية واحترام سيادتها، وبين أشكال الوجود الخارجي التي قد ترتبط بحسابات تنافس جيوسياسي أوسع.
ويكتسب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى امتداد مساره عبر الجزائر والنيجر ونيجيريا، وما يمثله من فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي وتوسيع آفاق التكامل الإقليمي، غير أن نجاح المشروع يظل مرتبطاً بتوافر بيئة أمنية مستقرة، وتنسيق مستمر بين الدول الثلاث، إلى جانب المتطلبات الفنية والتمويلية اللازمة لتنفيذه.
وفي المحصلة، تعكس المواقف التي عرضها الأنصاري وكاهي توجهاً نحو تعزيز الشراكة الجزائرية النيجرية على قاعدة المصالح المتبادلة والأمن المشترك، وبين متطلبات الاستقرار واحترام السيادة، تبدو قدرة البلدين على تحويل التنسيق السياسي والأمني إلى تعاون مؤسساتي وتنموي مستدام عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل علاقاتهما، وفي تعزيز فرص الاستقرار بمنطقة الساحل.
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر





















