بوابة الجزائر الإخبارية: قال المحلل الأمني أحمد ميزاب، في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، إن مشاركة وحدات من الجيش الوطني الشعبي خارج الحدود الوطنية، استجابة لطلب سيادي من القيادة النيجرية، يجب أن تُقرأ ضمن سياقها القانوني والعسكري والاستراتيجي، وليس من خلال توصيف سياسي مختزل يقوم على عبارة “التدخل العسكري”.
وأوضح ميزاب أن الفرق بين التدخل العسكري والإسناد بطلب الدولة المضيفة “جوهري”، مشيرا إلى أن التدخل العسكري يفترض أن تستخدم دولة قوتها المسلحة لفرض إرادتها على دولة أخرى أو للتأثير في قرارها السيادي دون تفويض منها.
وأضاف أن الدولة عندما تطلب، باعتبارها دولة ذات سيادة، دعماً عسكرياً من دولة أخرى، وتوافق على وجود قواتها واستخدام قدراتها داخل إقليمها، فإن الأمر يكون أمام “إسناد عسكري بطلب الدولة المضيفة، وليس أمام تدخل في شؤونها الداخلية”.

وفي الحالة الجزائرية-النيجرية، أكد ميزاب أن “المعطى الأساسي هو أن التحرك تم بطلب من القيادة النيجرية”، وبالتالي فإن مصدر الشرعية السياسية لهذا الوجود هو الدولة النيجرية نفسها، معتبراً أن هذا المعطى “يغير طبيعة العملية بالكامل”.
وعسكريا، أوضح المحلل الأمني أن الأمر يتعلق بانتقال من “بناء القدرات” إلى “الإسناد العملياتي”، مشيراً إلى أن الجزائر سبق أن دعمت الجيش النيجري بالعتاد والمروحيات ووسائل الصيانة والدعم اللوجستي.
وأشار إلى أن إرسال مقاتلات “سوخوي سو-30” يمثل مستوى أعلى من التعاون، لأنه يضع قدرة قتالية جوية جزائرية تحت تصرف مهمة مرتبطة بأمن النيجر واستقرارها.
وفي هذا السياق، لفت ميزاب إلى أهمية مصطلح “الإسناد العسكري الخارجي”، موضحاً أن الإسناد “لا يعني الحلول محل الجيش الوطني للدولة المضيفة، ولا يعني تولي الجزائر مسؤولية العمليات العسكرية داخل النيجر”، وإنما يعني توفير قدرة عسكرية إضافية تساعد القوات الوطنية على التعامل مع تهديد محدد.
وشدد على أن “هذا الفارق أساسي في العلوم العسكرية”، مؤكداً أن الجيش النيجري يبقى صاحب الاختصاص والسيادة على أرضه، بينما يمثل الوجود الجزائري “قدرة إسناد وردع تضاف إلى منظومة الدفاع الوطنية النيجرية”.
من الدفاع الإقليمي إلى الدفاع المتقدم
ومن الناحية الاستراتيجية، اعتبر ميزاب أن الخطوة تعكس تطوراً في مفهوم الدفاع الجزائري، من “الدفاع الإقليمي” إلى “الدفاع المتقدم”.
وأوضح أن الدفاع الإقليمي يقوم على منع التهديد من اختراق الحدود الوطنية، في حين يقوم الدفاع المتقدم على التعامل مع مصادر التهديد في المجال الاستراتيجي المحيط بالدولة قبل تحولها إلى تهديد مباشر لأمنها الوطني.
وأكد أن هذا المفهوم أصبح أكثر أهمية في منطقة الساحل، بالنظر إلى أن الإرهاب لم يعد تهديداً محلياً، إذ تتحرك الجماعات الإرهابية عبر الحدود، كما تعمل شبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر في فضاء عابر للدول، فضلاً عن أن انهيار الاستقرار داخل دولة واحدة يمكن أن ينتج تأثيرات أمنية متسلسلة على دول الجوار.
ومن هذه الزاوية، قال ميزاب إن استقرار النيجر يمثل بالنسبة للجزائر “جزءاً من منظومة الأمن القومي وليس قضية خارجية منفصلة”.
سوخوي سو-30 ووظيفة الردع
وفي حديثه عن إرسال مقاتلات “سوخوي سو-30” إلى نيامي، أكد المحلل الأمني أن الخطوة تحمل “وظيفة ردعية واضحة”.وأوضح أن الردع لا يقوم فقط على استخدام القوة، وإنما على إظهار القدرة والاستعداد لاستخدامها عند الضرورة.
وأضاف أن وجود قدرة جوية جزائرية في مسرح العمليات “يرفع كلفة أي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة، ويعطي القيادة النيجرية هامشاً أوسع للتحكم في المجال الأمني، ويبعث برسالة إلى الجماعات الإرهابية بأن الدولة النيجرية لا تواجه التهديد منفردة”.
ومن منظور العمليات العسكرية، أشار ميزاب إلى أن وجود مقاتلات متعددة المهام مدعومة بوسائل الإسناد الجوي يضيف بعداً آخر يتمثل في سرعة الاستجابة ورفع مستوى الجاهزية والقدرة على تغطية مساحات واسعة من مسرح العمليات.
لا احتلال ولا وصاية أمنية
وفي المقابل، شدد ميزاب على نقطة وصفها بالمهمة، مؤكداً أن هذه العملية “ليست عملية احتلال عسكري، وليست عملية وصاية أمنية، وليست تدخلاً لفرض نظام سياسي على النيجر”.
وقال إن “الجزائر لا تحل محل المؤسسات النيجرية”، كما أنها “لا تنتزع قرار استخدام القوة من القيادة النيجرية”، ولا “تفرض أجندة سياسية على الدولة المضيفة”، وإنما “تقدم قدرة عسكرية بناء على طلب الدولة صاحبة السيادة”.
وأكد أن “هذا هو الفاصل بين التدخل والإسناد”.
كما أوضح أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة تخلي الجزائر عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل يمكن قراءتها، وفق تقديره، باعتبارها تطبيقاً لمبدأ آخر لا يقل أهمية، وهو احترام سيادة الدول ومساعدتها عندما تطلب دعماً لحماية أمنها واستقرارها.
الأمن الجماعي الإفريقي
ولفت المحلل الأمني إلى أن التحرك الجزائري لا ينبغي فصله عن مفهوم “الأمن الجماعي الإفريقي”، موضحاً أن الإرهاب الذي يهدد النيجر “لا يتوقف عند الحدود النيجرية”.
وأضاف أنه إذا تحولت النيجر إلى فضاء للفوضى المسلحة، فإن تداعيات ذلك يمكن أن تصل إلى الجزائر وليبيا ومالي وتشاد وبقية المجال الساحلي.ولذلك، يرى ميزاب أن دعم استقرار النيجر يمثل، في أحد أبعاده، “دفاعاً استباقياً عن منظومة الأمن الإقليمي”.
وفي هذا الإطار، تحدث عن إمكانية قراءة التطور الحالي ضمن ما سماه “هندسة أمنية إقليمية جديدة”، موضحاً أن الجزائر لا تبني جداراً عسكرياً على حدودها الجنوبية فقط، بل تسعى إلى بناء شبكة من الشراكات والقدرات والتنسيق الأمني تسمح بمنع انتقال التهديد من بؤر الأزمات إلى المجال الجزائري.
منظومة أمن قومي متكاملة
ومن هذا المنظور، قال ميزاب إن التطور الحالي يحمل دلالة أكبر من عدد الطائرات المشاركة، لأنه يعكس، بحسبه، “تغيراً في أدوات القوة الجزائرية”.
وأوضح أن “الدبلوماسية الجزائرية تتحرك سياسيا، وأجهزة الأمن تتعاون استخباراتيا، والجيش يقدم التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي، والآن تظهر إمكانية الإسناد الجوي المباشر عندما تطلب الدولة المعنية ذلك”.
وأكد أن هذه العناصر تمثل “منظومة أمن قومي متكاملة، وليست مجرد عملية عسكرية منفصلة”.
وبناءً على ذلك، اعتبر ميزاب أن وصف التحرك بأنه “تدخل عسكري جزائري في النيجر” لا يعكس طبيعة العملية كما هي معلنة، مشيراً إلى أن “التوصيف الأمني والعسكري الأدق” هو: “إسناد عسكري جزائري بطلب سيادي من الدولة النيجرية، في إطار التعاون الدفاعي وتعزيز الردع والاستقرار الإقليمي”.
من حماية الحدود إلى حماية المجال الاستراتيجي
وفي ختام تصريحه لـ”بوابة الجزائر”، شدد أحمد ميزاب على أن الرسالة الاستراتيجية الأهم تتمثل في أن “الجزائر لا تنتظر التهديد حتى يصل إلى حدودها”، وإنما “تتحرك لمنع تشكل البيئة التي يمكن أن ينتج فيها هذا التهديد”، معتبراً أن “هذا هو جوهر الدفاع المتقدم”.
وأوضح أن طبيعة التهديدات الحالية تجعل “العمق الاستراتيجي” جزءاً من معادلة الأمن القومي، بعدما كانت الحدود، خلال القرن الماضي، تمثل خط الدفاع الأول للدول.
وفي حالة الجزائر، أكد ميزاب أن النيجر تمثل “إحدى حلقات هذا العمق”.
وبالتالي، يخلص المحلل الأمني إلى أن التحرك الجزائري “لا يعني أن الجزائر أصبحت دولة تدخل عسكرياً في أزمات المنطقة”، بل يعني أنها أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام أدوات قوتها الصلبة عندما تتطلب حماية أمنها الإقليمي ذلك، وبشرط احترام سيادة الدولة المضيفة ووجود طلب واضح منها.
واعتبر أن الأمر يمثل “نقلة من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع، ومن حماية الحدود إلى حماية المجال الاستراتيجي، ومن المساعدة العسكرية التقليدية إلى الإسناد العملياتي المنظم”، مؤكدا أن “هذا هو البعد الحقيقي للتحرك الجزائري في النيجر”.

















