بوابة الجزائر الاخبارية
في خضم السباق الانتخابي الإسرائيلي لعام 2026، يبرز اسم غادي آيزنكوت كمرشح يُقدّم أحيانا بوصفه «ابن المهاجرين المغاربة» أو «أول رئيس أركان من أصول مغربية». لكن هذه الهوية لا تطرح اليوم كمجرد تفاصيل شخصية بريئة بل تُستدعى في سياق سياسي إسرائيلي محتدم، وفي مقابل خطاب رسمي مغربي يعيد إلى الأذهان تصريحات وزير الخارجية ناصر بوريطة حول «الدم المغربي» الذي يجري في عروق الإسرائيليين.

ولد غادي آيزنكوت في 19 مايو 1960 في طبريا شمال فلسطين المحتلة . والده مئير ووالدته إستير مهاجران يهوديان من المغرب في موجة الخمسينيات والستينيات. ولدت والدته في الدار البيضاء ووالده في مراكش، وتربط العائلة أيضا بمدينة آسفي.
نشأ آيزنكوت في إيلات، المدينة الجنوبية الهامشية البعيدة عن مراكز القرار في تل أبيب والقدس. وعند الهجرة إلى إسرائيل غيّر موظف الهجرة الاسم إلى «آيزنكوت»، ليبدو أكثر «أوروبيا» أو أشكنازيا في الوثائق الرسمية. ودرس في مدرسة ثانوية متخصصة في الدراسات البحرية، قبل أن يلتحق بالجيش الإسرائيلي عام 1978، وينضم إلى لواء “جولاني” حيث تدرّج في المناصب العسكرية إلى أن تولّى قيادته ثم عُيّن رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، ليكون أول من شغل هذا المنصب من أصول مغربية (مزراحية). وخلال مسيرة عسكرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، ارتبط اسمه بالعقيدة العسكرية المعروفة بـ”عقيدة الضاحية” القائمة على استخدام القوة التدميرية الواسعة وغير المتناسبة ضد المناطق والبنى التحتية المدنية، كما شارك في صنع قرارات أمنية وعسكرية خلال حروب وعمليات متتالية طالت آثارها المدنيين الفلسطينيين. واليوم يتصدر آيزنكوت المشهد السياسي بصفته قائد حزب” يشار”، وسط تداول اسمه بوصفه أحد المنافسين المحتملين لبنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026.
«كل يهودي يحمل دما مغربيا»
في مارس 2022، وقف وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في قمة النقب وقال صراحة أمام نظرائه الإسرائيليين والأمريكيين والعرب المطبّعين: «تقولون إن لكل إسرائيلي في عائلته شخص يحمل دما مغربيا… هذه ليست مزحة، هذا واقع».
التصريح لم يكن عابرا بل هو جزء من سردية رسمية مغربية تُقدّم الوجود اليهودي التاريخي في المغرب، والهجرة الجماعية لليهود المغاربة إلى إسرائيل، كـ«رابط تاريخي» يبرّر التطبيع والعلاقات الأمنية والاقتصادية مع تل أبيب. بوريطة لا يخجل من القول إن الدم المغربي يجري في عروق الإسرائيليين، بما في ذلك قادة عسكريين مثل آيزنكوت. ما يعني أن مسؤول مغربي رفيع يفتخر علنا بأن دماء مغربية تسري في عروق من يخدمون في أعلى مستويات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. في الوقت الذي يُقدّم فيه التطبيع كـ«خيار سيادي» و«علاقات تاريخية»، يظهر أن الخطاب الرسمي نفسه يربط المغرب عضويا بالكيان عبر «الدم» و«الأصول».
آيزنكوت لم يحتاج إلى جنسية مغربية أصوله كافية ليُستدعى كمثال حي على ما يتحدث عنه بوريطة. والمفارقة أن بعض الإسرائيليين أنفسهم يهاجمونه بعنصرية صريحة بسبب هذه الأصول («قرد مغربي» كما وصفه مذيع مقرب من الليكود)، بينما يستخدمها الجانب المغربي الرسمي كدليل على «الترابط التاريخي».
هذا ليس تفصيلا عابرا هوكشف لكيفية توظيف التراث اليهودي المغربي والهجرة إلى إسرائيل في خدمة سياسة خارجية تطبيعية. الدم الذي يتحدث عنه بوريطة ليس مجرد تاريخ، بل يصبح في الخطاب الرسمي مبررا لعلاقات استراتيجية مع الدولة التي يقود جيشها رجال من أصول مغربية.
الهوية كأداة سياسية…
في إسرائيل نفسها، تستخدم أصول آيزنكوت المغربية سلاحا ذا حدين. من جهة، يحاول حزبه استمالة الناخبين الشرقيين (المزراحيم)، خاصة ذوي الأصول المغربية الذين شكلوا تاريخيا قاعدة انتخابية لليكود. ظهرت شعارات مثل «رئيس وزراء ديالنا» باللهجة المغربية في حملته. ومن جهة أخرى، واجه هجمات عنصرية صريحة أبرزها وصف مذيع على القناة 14 له بـ«قرد يحمل اسما مزرَاحيا مغربيا»، في إشارة واضحة إلى أصوله.
هذا التناقض يكشف أن الهوية المغربية ليست مصدر فخر مطلق داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا هي ضمانة لأي «خصوصية» أخلاقية أو سياسية هي خلفية عائلية تُستدعى عند الحاجة الانتخابية أو الدبلوماسية ثم تُهمش أو تُهاجم عند الاختلاف.
إن التركيز على الأصول المغربية لآيزنكوت، واستحضار تصريح بوريطة، لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن حقيقة هذا الجنرال وسجله داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي ارتبطت عملياتها بدمار واسع وانتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين. فآيزنكوت ليس مجرد اسم ذي جذور مغربية، بل هو أحد الوجوه العسكرية التي يجب أن تُقرأ من خلال موقعها في المؤسسة الإسرائيلية، والقرارات والسياسات العسكرية التي ارتبطت بمسيرتها، لا من خلال أصولها التي لا تمحو المسؤولية ولا تغيّر الحقائق.
والأكثر إثارة للانتقاد هو إصرار المغرب على المضي في مسار التطبيع مع إسرائيل، وفتح أبواب التقارب مع شخصيات تنتمي إلى مؤسستها العسكرية في وقت يدفع فيه الفلسطينيون ثمن العمليات العسكرية الإسرائيلية من أرواحهم وبيوتهم وأرضهم. فبدل أن تكون الأولوية لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات بحق الفلسطينيين تواصل السياسة المغربية منح التطبيع مساحة رسمية، بما يثير تساؤلات جدية حول التناقض بين الخطاب الداعم للقضية الفلسطينية والخيارات السياسية على أرض الواقع.
إن استحضار أصول آيزنكوت المغربية لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لتخفيف وطأة سجله العسكري أو إضفاء طابع إنساني على مسيرته على حساب الضحايا. فالأصل لا يمحو المسؤولية، والانتماء لا يبرّئ من تبعات القرارات العسكرية والتطبيع لا يستطيع أن يحجب حقيقة المعاناة الفلسطينية. أما السياسة المغربية فإن استمرارها في هذا المسار يضعها أمام سؤال لا يمكن الالتفاف عليه: كيف يمكن تبرير التقارب مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بينما تظل حقوق الفلسطينيين ودماؤهم في صلب المأساة ؟



















