بوابة الجزائر الإخبارية: بعد عام واحد من معرض التجارة البينية الإفريقية الذي انتهى في الجزائر بعقود واستثمارات بلغت 48.3 مليار دولار، تعود الجزائر في 28 سبتمبر 2026 إلى ملف أكثر ارتباطًا بمرحلة ما بعد العقود: بناء مناطق حرة تستطيع استقبال الاستثمار والإنتاج والتخزين والخدمات اللوجستية، ثم دفع السلع نحو الأسواق الإفريقية والعالمية. والمؤتمر الدولي المرتقب في الجزائر العاصمة، بمشاركة خبراء ومسؤولين عن مناطق اقتصادية من أميركا اللاتينية وأوروبا وإفريقيا وآسيا، يأتي في وقت لم تعد فيه المناطق الحرة مجرد تصور تشريعي؛ فقد أُنشئت أول منطقة في تندوف قانونيًا، وتتقدم أشغال تهيئتها، فيما تعمل الحكومة على استكمال جهاز موحد لتسيير المناطق المبرمجة على الحدود مع موريتانيا وتونس وليبيا ومالي والنيجر.

ويضع هذا التطور مؤتمر 28 سبتمبر داخل مسار اقتصادي أوسع بدأ يأخذ شكله منذ صدور القانون 22-15 في جويلية 2022، قبل أن يرفع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الملف إلى مستوى السياسة الإفريقية للدولة. ففي 13 فيفري 2024 أعلن أن الجزائر ستنشئ مناطق حرة مع خمس دول إفريقية، تبدأ بموريتانيا وتمتد إلى مالي والنيجر وتونس وليبيا، وربط القرار صراحة بأهداف الاندماج الاقتصادي القاري وتحسين فعالية التكامل الإفريقي.
ولم يبق الإعلان في مستوى التوجه السياسي. ففي 28 ماي 2024 صدر المرسوم التنفيذي 24-169 الذي أنشأ «المنطقة الحرة التجارية تندوف»، وحدد إطارها القانوني وطبيعة الأنشطة المسموح بها، وفي مقدمتها النشاط التجاري والتصدير، على أن تتولى مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري تسييرها وفق نظام الامتياز الذي حدده المرسوم 24-168 الصادر في اليوم نفسه. كما كُلفت الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي مؤقتًا بإنجاز الأشغال الضرورية لبدء الاستغلال إلى حين تنصيب مؤسسة التسيير.
وبحلول فيفري 2026، كانت مصالح تندوف تتحدث عن تقدم معتبر في أشغال التهيئة، فيما أعلنت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات في جانفي إعداد مشروع مرسوم لإنشاء مؤسسة عمومية تتولى تسيير المناطق الحرة الحدودية، وهو ما ينقل الملف تدريجيًا من مرحلة إقرار الامتيازات إلى مرحلة بناء جهاز تشغيل دائم لهذه المساحات.
تندوف أول اختبار لنموذج جديد على الحدود
تمثل تندوف التجربة الأكثر تقدمًا في هذه السياسة، لكن أهميتها تتجاوز المنطقة نفسها. فالولاية تجمع اليوم في مساحة جغرافية واحدة مجموعة من المشاريع التي ظلت في السابق منفصلة: المنطقة الحرة، الطريق نحو موريتانيا، معبر مصطفى بن بولعيد، قاعدة منجمية مرتبطة بغارا جبيلات، ومشاريع طاقة جديدة موجهة إلى دعم النشاط الاقتصادي.
حتى محطة الطاقة الشمسية الجاري إنجازها في غارا جبيلات ربطتها السلطات المحلية بحاجات المنجم والمنطقة الحرة والمشاريع الاقتصادية المستقبلية، بما يعكس اتجاهًا إلى بناء منظومة متكاملة في أقصى الجنوب الغربي بدل إنشاء منطقة جمركية معزولة عن محيطها الإنتاجي.
وهذه النقطة تفسر بصورة أفضل الخيارات التي اتخذتها الرئاسة منذ 2024. فالهدف المعلن من المناطق الحدودية لم يكن توسيع التجارة العابرة فقط، بل إعطاء الانفتاح الجزائري على إفريقيا قاعدة مادية. فالطريق يوفر حركة السلع، والمنطقة الحرة توفر مساحة النشاط والتخزين والتصنيع والخدمات، بينما تمنح منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية الإطار التجاري الأوسع لدخول المنتجات إلى الأسواق الإفريقية بشروط أكثر ملاءمة.
هذا الترابط ظهر بوضوح أكبر خلال معرض التجارة البينية الإفريقية في الجزائر في سبتمبر 2025. فقد سجل المعرض 48.3 مليار دولار من العقود التجارية والاستثمارية، وبلغ نصيب العقود الموقعة من جانب المؤسسات الجزائرية 11.4 مليار دولار، بما يعادل 23.6% من إجمالي الاتفاقات المبرمة خلال الحدث، إضافة إلى فرص والتزامات تصدير أخرى قدرت بـ11.6 مليار دولار كان منتظرًا توقيعها لاحقًا.
هذه الحصيلة وضعت الجزائر أمام مرحلة جديدة. فالوصول إلى الشركات والمشترين الأفارقة لم يعد العقبة الوحيدة؛ إذ أصبح تنفيذ العقود يتطلب قدرات إنتاجية ولوجستية ومصرفية وتأمينية قادرة على مواكبة توسع التجارة.
ومن هذا المنظور، تصبح المناطق الحرة امتدادًا طبيعيًا لنجاح IATF، لأنها توفر للمستثمر والمصدر المكان الذي يمكن أن تتحول فيه الاتفاقية التجارية إلى نشاط فعلي قبل عبور الحدود.
كما عزز انضمام بنك الجزائر إلى النظام الإفريقي للدفع والتسوية «PAPSS» في أوت 2025 هذا المسار، لتصبح الجزائر البلد الثامن عشر المنضم إلى الشبكة، بما يسمح بتسهيل المدفوعات العابرة للحدود وتقليص الاعتماد على العملات الوسيطة في جزء من التجارة الإفريقية.
ويكشف هذا التطور أن الانفتاح الإفريقي الجزائري لم يعد يُبنى على عنصر واحد. فالأسواق تُفتح عبر «زليكاف»، والمدفوعات تتحرك عبر أدوات قارية جديدة، والممرات البرية والبحرية تتوسع، بينما يُراد للمناطق الحرة أن توفر القاعدة التشغيلية التي تستقبل الشركات والسلع والخدمات.

الجزائر تستدعي ماناوس وكولون وشانون لتحديد وظيفة مناطقها
في هذا السياق يأتي مؤتمر 28 سبتمبر، الذي خصص برنامجه لمناقشة كيفية تحويل المناطق الحرة إلى أداة للتنويع الاقتصادي والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، مع جلسات حول قانون 22-15، الحوكمة، النظامين الجبائي والجمركي، الاندماج في منطقة التجارة الحرة القارية، والموانئ والممرات العابرة للصحراء والجمارك الرقمية.
واللافت في البرنامج أن النماذج الدولية المختارة لا تؤدي الوظيفة الاقتصادية نفسها، وهو ما يمنح المقارنة أهميتها بالنسبة إلى الجزائر.
منطقة ماناوس في البرازيل، مثلًا، تُعرض بوصفها نموذجًا لمنطقة حرة تحولت إلى قطب صناعي وتجاري وزراعي يمتد على نحو 10 آلاف كيلومتر مربع، ويضم أكثر من 600 مؤسسة عالية التكنولوجيا ويوفر أكثر من 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مع حضور قوي للإلكترونيات وصناعة الدراجات النارية.
في المقابل، تُقدم منطقة كولون في بنما كتجربة تجارية ولوجستية تطورت من نشاط إعادة التصدير إلى منصة توزيع دولية، بينما تقدم شانون الإيرلندية نموذجًا لمنطقة متكاملة مع المطار تضم أكثر من 110 مؤسسات وتستند إلى الربط المباشر بين النشاط الاقتصادي والبنية الجوية واللوجستية.
كما يشارك في المؤتمر مارتن غوستافو إيبارا، رئيس «Araújo Ibarra International Business Consultants» الكولومبية، بخبرة طويلة في التجارة الخارجية وتصميم المناطق الاقتصادية الخاصة، بما في ذلك مشاركته ضمن بعثة للبنك الدولي ساهمت في إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة الصينية في ثمانينيات القرن الماضي.
وتبدو قيمة هذه المقارنات بالنسبة إلى الجزائر في تحديد هوية كل منطقة قبل تعميم النموذج. فالمنطقة الحدودية مع موريتانيا يمكن أن تتطور حول التجارة غرب الإفريقية والخدمات اللوجستية وربما نشاطات التحويل والتجميع، بينما تختلف احتياجات المناطق المتصلة بتونس وليبيا عن احتياجات المناطق الموجهة إلى مالي والنيجر.
كما أن موقع المنطقة بالنسبة إلى الطريق أو الميناء أو المركز الصناعي سيحدد طبيعة الاستثمار الذي يمكنها جذبه. منطقة بلا اتصال سريع بالموانئ والأسواق ستبقى محدودة مهما بلغت الامتيازات المقدمة فيها، بينما تستطيع المنطقة المرتبطة بشبكة نقل وطاقة وجمارك فعالة أن تتحول إلى نقطة جذب للصناعة والتوزيع معًا.
ولهذا يخصص مؤتمر الجزائر جلسة كاملة للبنية التحتية واللوجستيك والتنافسية، تشمل الاندماج مع الموانئ والممرات العابرة للصحراء والجمارك الرقمية وتسهيل التجارة.

من سياسة الإعفاء إلى سياسة التصدير
المسار الجزائري الحالي يعكس أيضًا تغيرًا في وظيفة المنطقة الحرة نفسها. فالقانون يمنح الإطار القانوني والجبائي والجمركي الضروري، غير أن نجاح المشروع اقتصاديًا سيظهر أساسًا في حجم النشاط الإنتاجي الذي تستطيع المناطق استقطابه وفي نسبة هذا النشاط التي تتوجه إلى الخارج.
فالمناطق الحرة التي تنجح دوليًا لا تحقق أثرها لأنها تخفض الرسوم فقط، بل لأنها تختصر سلسلة طويلة من التكلفة والإجراءات أمام المستثمر. الأرض المهيأة، الطاقة المتاحة، سرعة التخليص الجمركي، الخدمات المصرفية، التخزين، الاتصال بالميناء أو المعبر، وضوح القواعد واستقرارها؛ كلها تدخل في قرار الشركة قبل المقارنة بين نسب الإعفاء نفسها.
وهو ما يجعل التوجه الجزائري أكثر ارتباطًا بالسياسة الصناعية والتصديرية منه بالتجارة الحدودية التقليدية. فالمنطقة الحرة يمكن أن تصبح امتدادًا للمصنع الجزائري نحو الأسواق الإفريقية، لكنها تستطيع أيضًا جذب شركات أجنبية تنتج في الجزائر من أجل التصدير، مستفيدة من الموقع المتوسط بين أوروبا وإفريقيا ومن الاتفاقيات التجارية القارية.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة بعد IATF 2025، الذي أظهر حجم الطلب التجاري والاستثماري الممكن توجيهه عبر الجزائر. فقد وصف «أفريكسيم بنك» الجزائر عند تقييمه للمعرض بأنها اختيار طبيعي لاستضافته بالنظر إلى سلاسل القيمة الصناعية القائمة وتنوع الاقتصاد والموقع الاستراتيجي، وهي عناصر يمكن للمناطق الحرة أن تحولها إلى أفضلية أكثر عملية إذا اقترنت ببنية تصديرية فعالة.
كما أن قرار تبون إنشاء مناطق مع خمس دول لا يبدو منفصلًا عن توجهه الأوسع نحو القارة. فالإعلان جاء خلال اجتماع «نيباد» ومقترنًا بخطاب عن التكامل الاقتصادي الإفريقي وتحسين البنية التحتية ودعم التحول الصناعي، وهو ما يضع المناطق ضمن رؤية تتجاوز المبادلات الثنائية الضيقة إلى بناء ممرات اقتصادية قارية.
وتعطي تندوف المثال الأكثر وضوحًا حتى الآن؛ فالمنطقة الحرة هناك تتقدم بالتزامن مع مشاريع في الطاقة والتعدين والنقل والربط مع موريتانيا. وإذا استطاعت هذه العناصر العمل كمنظومة واحدة، فإن جنوب غرب الجزائر يمكن أن ينتقل من منطقة عبور حدودي إلى قاعدة إنتاج وتوزيع موجهة نحو أسواق أوسع في غرب إفريقيا.
مؤتمر 28 سبتمبر يسبق مرحلة التشغيل الفعلي
لهذا تتركز أهمية المؤتمر الدولي المقبل في توقيته أكثر من كونه مجرد مناسبة لعرض التجارب الأجنبية. فالجزائر تملك اليوم قانونًا للمناطق الحرة، ونصوصًا تنفيذية للتسيير، ومنطقة أولى دخلت مرحلة التهيئة، ومشروع مؤسسة عمومية لإدارة المناطق الحدودية، إضافة إلى شبكة تجارية ومالية إفريقية أصبحت أوسع بعد IATF وPAPSS.
والمطلوب في المرحلة التالية هو تحويل هذه المكونات إلى نموذج تشغيل يسمح للمنطقة بأن تنتج مردودًا اقتصاديًا يتجاوز النشاط التجاري البسيط. فكلما استقطبت المنطقة استثمارات صناعية وخدمات لوجستية ومراكز توزيع وربطت شركات محلية بسلاسل توريد أكبر، ارتفعت قيمتها بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني. أما إذا انحصر نشاطها في دخول السلع وخروجها دون تحويل أو قيمة مضافة، فسيبقى أثرها محدودًا مهما توسعت الحركة التجارية.
ولهذا تحمل تجربة ماناوس وزنًا خاصًا في النقاش الجزائري، لأنها تبين كيف يمكن للمنطقة الحرة أن تتحول إلى أداة للتصنيع والتنمية الإقليمية، بينما توضح كولون قيمة اللوجستيك وإعادة التوزيع، وتبرز شانون أهمية بناء المنطقة حول بنية نقل دولية فعالة.
ولا تحتاج الجزائر إلى استنساخ أي من هذه النماذج بالكامل. طبيعة الحدود الجزائرية واتساع البلاد وتوزيع الموانئ والأسواق المجاورة تفرض صياغة مناطق بوظائف مختلفة، لكن التجارب الدولية تقدم معيارًا واضحًا: الامتياز لا يصنع المنطقة وحده، بل المنظومة الاقتصادية المحيطة به.
وبهذا المعنى، فإن سياسة المناطق الحرة التي بدأت تأخذ شكلها القانوني منذ 2022 أصبحت في 2026 أقرب إلى جزء من استراتيجية تصدير إفريقية متكاملة. الرئيس أعلن مناطق مع خمس دول، وتندوف بدأت تتحول إلى بنية قائمة، الجزائر استضافت أكبر منصة للتجارة البينية الإفريقية، بنك الجزائر دخل منظومة الدفع القارية، فيما تتوسع مشاريع الربط البري والطاقة والنقل في الجنوب.
ويأتي مؤتمر 28 سبتمبر ليبحث الحلقة التي تجمع كل ذلك داخل مساحة اقتصادية واحدة: منطقة تستطيع استقطاب الاستثمار، وإنتاج أو تحويل السلع، وربط الشركات الجزائرية بالموردين والشركاء، ثم إرسال المنتج عبر الحدود نحو سوق إفريقية أوسع.
وإذا انتقلت المناطق المقبلة بهذا المنطق من الامتياز الجمركي إلى الإنتاج والتصدير، فإن أهم تحول لن يكون في زيادة عدد المعابر التجارية، بل في إعادة تعريف وظيفة الحدود نفسها داخل الاقتصاد الجزائري؛ من أطراف بعيدة عن مراكز النشاط إلى نقاط اتصال بين الصناعة الوطنية والأسواق الإفريقية.











































